تحقق عارضات الأزياء الشهيرات، من أمثال نعومي كامبل، وسينيدي كرفورد، وكلوديا شيفر، وغيرهن، أرباحا طائلة بأرقام فلكية تضعهن في مصاف أشهر أثرياء العالم، ممن يمتلكون كل شيء، وكل ما لا يلزم من أسباب الترف، ويعملن على مدار الساعة، وفي أكثر من مجال، لإدراكهن أن عمرهن الافتراضي في المهنة ليس أكثر من سنوات محدودة، وقبل أن يحلن على التقاعد المبكر جدا، ويصبحن نسيا منسيا، ما لم تعمد العاقلة فيهن إلى البحث عن مصادر استثمار أخرى، بعيدا عن عرض الجسد الذي سرعان ما يخون صاحبته في نهاية الأمر، ويخضع حكما لقانون الطبيعة، حيث، بكل بساطة، لا شيء يظل على حاله!
الأسماء الواردة أعلاه هي قصص نجاح لجميلات بدأن صغيرات في عرض الأزياء، ووسعن دائرة نشاطهن باتجاه الاستثمارات التجارية، وحافظن على مستوى حياة باذخ، فلم تخذلهن الأضواء، حتى لو انحسرت بعض الشيء، لصالح عارضات أصغر سنا، ومع ذلك يمكن القول إنهن حافظن على تماسكهن ووجودهن في سوق لا ترحم، وعلى النقيض من الأسماك هنا، فإن الصغير يلتهم الكبير ويجهز عليه!
ولكن ماذا عن تلك الجيوش المجيشة من الفتيات العاملات في هذا الحقل قصير العمر؟ أي مستقبل ينتظرهن في نهاية المطاف؟ وبالأحرى أي رصيد سيتركن لشيخوختهن المبكرة جدا، سيما أن من يلمع منهن لا يتجاوز عدد أصابع اليد، في حين تعيش الغالبية العظمى منهن، وفق تقارير مروعة، في ظروف عمل تصادر إنسانيتهن من خلال الاستغلال الجنسي، والحرمان الكامل من أبسط حقوق الإنسان، المتمثلة في الغذاء الصحي المتوازن، فيعمدن إلى التهام المناديل الورقية لسد جوعهن، تحت طائلة الطرد في حالة الخروج، ولو لمرة، عن النظام غير الغذائي الصارم الخالي تماما من النشويات والبروتين.
نُشرت صور صادمة لنماذج من تلك الهياكل العظمية المخيفة التي ترتدي الساتان، وتخفي تحته ضلوع شوهاء بارزة مغطاة بطبقة جلد جافة، وقد لاقت أكثر من عارضة أزياء شابة مصرعها من فرط الجوع، وذلك حرصا على عدم إضافة بضعة غرامات لوزن معدوم أصلا.
أثارت حادثة مصرع عارضة أزياء برازيلية في العشرين من عمرها جوعا، الكثير من الجدل في الغرب حول خطورة هذا الاستغلال غير الإنساني لهوس الفتيات بالرشاقة والجمال، وأعيد طرح سؤال مقاييس الجمال المعتمدة، وثمة اتجاهات قوية تدعو لإعادة النظر في تلك المقاييس كونها مضادة ومخالفة لطبيعة الجسد الإنساني، حيث يحرص المشتغلون في هذا الحقل على تفريغ العارضة من مضمونها الإنساني، بحيث لا تختلف هيئتها عن "المانيكان" البلاستكية المثبتة بالمسامير خلف الواجهات الزجاجية للمحال التجارية، ويفرضون على العارضة حياد الملامح وتجهما حين ظهورها على خشبة العرض مقلدة طريقة مشي القطط، حيث تعتبر العارضة، وفق مواصفاتهم، متفوقة بقدر ابتعادها عن التعبير الإنساني.
الخطير في الموضوع أن هوس الرشاقة والجمال تفشى في صفوف بناتنا الصغيرات، إلى درجة تبعث على القلق، وإذا كان الغرب يتعاطى مع مرض فقدان الشهية العصابي(انريكسيا- او بوليميا) بانفتاح فيسهبون في شرح الأخطار النفسية والجسدية لهذا المرض الذي يؤدي إلى الموت، أو إلى اعتلال نفسي ووظيفي كبير، فإن الأمر ما يزال لدينا مغمغما، وغير معترف بمدى خطورته بعد.
صغيراتنا يتخذن من هؤلاء العارضات مثلا أعلى يقتدين به، وهن مرشحات للوقوع في براثن هذا النوع من الأمراض الحديثة التي خلقتها صناعة صيحات الجمال غير عابئة بحجم الضحايا، من فتيات صغيرات وقعن بسهولة تحت الوهم بالكمال، وسعين دون تفكير للتماهي مع تلك الرموز.
ويكفي أن نزور أيا من المحال التجارية ذات الماركات العالمية، لنكتشف أن تلك الشركات لا تعترف سوى بمقاس واحد لا يتعدى (الصفر)، كمقاس مثالي، متفق عليه دوليا، رغم عدم انسجامه مع بديهية الاختلاف بين البشر غير المصنعين في قالب واحد!
ما يؤدي إلى الإحباط والشعور بالنقص لدى تلك الصغيرات غير المتصالحات مع ذواتهن، الساعيات وراء وهم جمال زائل، غير منتبهات إلى حجم الخواء الذي يراكمن في رصيد أرواحهن، الذي بلغ درجة الصفر أو أقل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   تصنيف :بسمة النسور