نشعر وكأن هنالك حملة منظمة من التصريحات الرسمية لتهيئة الرأي العام لقرارات رفع “الدعم” عن بعض السلع الأساسية في السوق المحلي في الأسابيع والأشهر القادمة. عدة وزراء ومسؤولين “رفضوا الكشف عن أسمائهم” صرحوا لوسائل الإعلام بأن الاقتصاد الأردني بحاجة إلى اتخاذ قرارات “صعبة” في رفع الدعم عن السلع وتوجيهه مباشرة للمحتاجين والمستحقين له. الغريب أن هذه التصريحات تأتي عن طريق حكومة تعد أيامها الأخيرة سوف تليها حكومة انتقالية لتنظيم الانتخابات وبعد ذلك حكومة مبنية على أغلبية نيابية.

الخيار الاستراتيجي الأفضل هو ترك اي قرار برفع الدعم وتحرير الأسعار للحكومة المنتخبة العتيدة حتى لا يحدث مزيد من التأزيم السياسي في البلاد في مرحلة من المهم أن تكون هادئة لإنجاح الانتخابات النيابية والتحول نحو الحكومات البرلمانية بالطريقة المناسبة. كل هذا الكلام حول رفع الدعم يثير التوتر ويضاعف في فجوة الثقة بين الرأي العام والحكومات وخاصة في سياق غياب المصارحة والمكاشفة حول الاسباب الموجبة لرفع الدعم. ربما يكون أحد أفضل الأمثلة على غياب مهارات التواصل الاجتماعي والإعلامي لدى المسؤولين هو كلام أحد الوزراء حول “ضرورة أن يسهم المواطن الأردني في إنقاذ الاقتصاد” ولكننا لا نعرف حقيقة لماذا “يجب” على المواطن الأردني دفع ثمن قرارات وسياسات خاطئة أو حالات فساد ونهب للمال العام لم يتم أخذ رايه بها ولم يتم محاسبة المسؤولين عنها؟

إذا كان ثمة رفع قادم للدعم فليكن الرفع في الوقت المناسب استراتيجيا وبقرار من مجلس النواب وبعد حوار واضح وصريح مع الناس. آخر ما نريده قرار فردي يصدر في ليلة الجمعة ويصدم المواطنين ويخلق لنا جميعا أزمة سياسية من الصعب التعامل معها. يحتاج المواطن الأردني أن يعرف ما هي كميات وقيمة الدعم المالي المقدم للسلع والخدمات في السوق الأردني وماذا تكلف الخزينة وما هي نسبة التخفيض المستهدفة وكيف سيتم استخدام الاموال التي يتم توفيرها وكيف سيشعر المواطن الأردني بفائدة الأموال الموفرة وهل سوف تستخدم في تحسين الخدمات أو في النفقات الجارية؟

في كل دولة ديمقراطية في العالم يتم فيها اتخاذ قرارات اقتصادية تؤثر على الغالبية العظمى من المواطنين يتم ذلك وفق حوار وطني ووضوح في الأهداف وتحديد لكيفية استخدام وإنفاق الأموال التي يتم جنيها من الضرائب او توفيرها من تقليص الدعم والخدمات وهذا ما يجب أن يحدث . قرار التحول من دعم السلعة والخدمة إلى دعم المستهلك الذي يحتاجها هو خيار منطقي ومتبع في الكثير من الدول ولكن يجب تطويره بطريقة واضحة وشاملة ووفق دراسات حقيقية لا وجهات نظر متسرعة وأحادية المصدر.

يوجد لدينا مجلس اقتصادي-اجتماعي يضم كافة الجهات ذات العلاقة بالقطاعات الأقتصادية والتنموية ومهمته الرئيسية هي “تقديم النصح للحكومة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي” ويمكن للحكومة تكليف المجلس بالقيام بدراسة شاملة حول مصادر وكلف الدعم وكيفية تحويله من السلع إلى المستهلكين مع حماية الطبقات الفقيرة والمعرضة للصدمات الاقتصادية وبالتالي إشراك كافة الجهات المعنية في هذه العملية والحصول على صورة شمولية.

هكذا تعمل الحكومات في العالم المتقدم، ولا تتخذ قراراتها في ليلة يوم الجمعة


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور