كيف نميز بين التنمية والفشل؛ بين التقدم والتخلف؟ متابعة الحراك الفكري والإعلامي في النشر والندوات والصالونات، والاستماع إلى المسؤولين الرسميين، تؤشر على حالة من الفوضى والتضليل، لا يعود في ظلها قدرة على تحديد وجهات النظر واتجاهات الجدل بين التيارات والأشخاص. والأسوأ، تسويق الفشل على أنه تنمية ونجاح؛ والتراجع على أنه تقدم. ولكن الأسوأ من ذلك كله، تزوير الأفكار والمؤشرات الأساسية للتنمية والتقدم. وهو ما صار ثقافة عامة، يمكن ملاحظتها، على سبيل المثال، في تقرير الأمم المتحدة السنوي للتنمية البشرية، وافتعال قصص نجاح معزولة، وإعلان الحرب على مسائل هامشية في التخلف وتحويلها إلى قضايا أساسية، أو إنشاء انطباعات مضللة قائمة على الاحتفالات الإعلامية والعلاقات العامة، وإخفاء الحقائق وتجاهلها.
هذا الأسلوب الاحتفالي في معالجة قضايا وأحداث لا تحتمل الضجيج والأعراس، لا يختلف في شيء عن الإرهاب، ويذكّر بالآية القرآنية "وسحروا أعين الناس واسترهبوهم"! مثال: إغراق وسائل الإعلام بقصة استعادة سيارة سُرقت في معان بسرعة قياسية، وتجاهل سرقة واختفاء آلاف السيارات من كراجات العمارات في قلب عمان! تحميل العشائر مسؤولية التخلف والاستبداد الذي تمارسه نخب أنيقة متعلمة تعليما غربيا متقدما! لوم الإسلاميين على الحالة المزرية للمناهج التعليمية التي وضعتها وأدارتها قيادات تعليمية غير إسلامية! وترويج مشروعات عقارية للأغنياء والمترفين على أنها تنمي المحافظات والمناطق.
التقدم يقاس ببساطة ووضوح، وكما قدمته للعالم الأمم المتحدة/ برنامج التنمية البشرية، بمجموعة من المؤشرات العملية والواضحة: التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والعدالة والمساواة، والدخل والنمو الاقتصادي، والتكامل الاجتماعي، ومعدل العمر، والتغذية، والسكن الصحي والملائم، والخدمات والمرافق، والقدرة على المشاركة والتوظيف في العولمة والشبكية القائمة اليوم وتحويلها إلى موارد... وفيات الأطفال، والجرائم، وحوادث السير، والأمراض، وعدد الأطباء والممرضين والمعلمين والغرف الصفية بالنسبة للطلبة، ونسبة استيعاب الأطفال في المدارس (الحكومية، فلا أحد في العالم يُلقي بالا للمدارس الخاصة إلا على أنها زينة غير ضارة)، والمستشفيات وعدد الأسرة، والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، وحقوق الإنسان في الحياة والعمل والأجور العادلة... والنشر الثقافي والفنون والبحث العلمي، ونسبة الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي والدفاع والأمن، والفجوة بين الأغنياء والفقراء.
جميع ذلك وغيره يمكن الاطلاع على مؤشراته في الأردن ومقارنته بجميع دول العالم. ويمكن لأجل النظر والعبرة، مقارنة الأردن بإسرائيل وسنغافورة؛ للتشابه الكبير في عدد السكان والموارد!
ولا بأس بعد ذلك في أن يذهب السادة الإعلاميون والمثقفون والناشطون والمسؤولون إلى أحد فنادق الخمس نجوم للمشاركة في احتفالات ومؤتمرات لأجل تنمية المرأة الريفية!
إبراهيم غرايبة
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد العلوم الاجتماعية