ثمة ملاحظات مركزية في التفاعلات الجارية في تركيا، تؤشر على أن جوهر الأزمة يقع في تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة؛ محاولة الدولة أن تُلحق بها الدين والإعلام، ومحاولة الحركات الاجتماعية التأثير على القضاء والأمن. 
وسواء كان صحيحا أم خاطئا القول إن الحركات الاجتماعية (جماعة "الخدمة" التابعة لفتح الله غولن) حاولت التأثير على القضاء والأمن في تركيا، فإنها تظل الذريعة الأساسية التي تستخدمها الدولة (رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان) للهيمنة على الدين والإعلام. 
وبالطبع، فإنه من نافلة القول إن المجتمعات يجب أن تناضل دائما لأجل استقلال الدين والثقافة والإعلام؛ فهذا حقها وجوهر استقلالها وقدرتها على إدارة مصالحها وعلاقاتها مع الدولة والسوق. ومن حقها ومن واجبها أيضا أن تخوض هذا النضال. ولكن، يجب ألا تسمح بالعمل والتأثير في البيئة القضائية والأمنية، سواء كان ذلك بحسن نية أو لأهداف إصلاحية، أو حتى عملا فرديا مستقلا عن الجماعات والحركات الاجتماعية والدعوية.
الأزمة في تركيا (الأزمة بين الدولة والمجتمع، أو بين الاجتماعي والسياسي) تستحضر الدين على نحو يزيد الصراع قوة وتماسكا. فجماعة "الخدمة" بقيادة غولن، والمعارضة اليوم لأردوغان، تستند إلى التأثير الديني، وتبني على هذا التأييد تشكيلات اقتصادية واجتماعية وإعلامية، وتستقطب تأييد الملايين في تركيا. وحزب العدالة والتنمية يستحضر الدين أيضا في استقطاب المؤيدين السياسيين والناخبين. ويتحول الصراع، أو هكذا يبدو، إلى صراع ديني! ولكنه في الحقيقة صراع بين الاجتماعي والسياسي على الدين، أو على حدود التأثير الديني واستخدامه.
مصادر جماعة "الخدمة" تؤكد أنها تعمل في إطار قوانين وتقاليد المجتمع المدني، وأنها لا تتدخل في السياسة وإن كانت تؤثر فيها. وإذا كان بعض القضاة ورجال الشرطة من مؤيدي "الخدمة"، فلا يعني ذلك وجودا منظما ومنسقا للجماعة؛ فهؤلاء يعملون بصفتهم أفرادا ومواطنين! وبالطبع، فإنه لا يمكن الفصل بين سلوك ومواقف الجماعة وأعضائها، وتتحمل الجماعات دائما ما يقوم به أفرادها، وفي أحيان كثيرة يُستدرجون أو يُزرعون في الجماعات!
أردوغان يبدو اليوم منتصرا، رسخ نفوذه وقوته. لكنه انتصار الدولة على المجتمع! والأزمة سوف تظل ما دامت العلاقة بين المجتمعات والدول غير قادرة على القبول بمجالاتها وحدودها. فالدولة تدخل في صراع خاسر عندما تضيق بالإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمساجد والعمل المجتمعي؛ والحركة المجتمعية تعمل ضد نفسها عندما تمتد إلى الجيش والأمن والقضاء، مهما كانت النوايا حسنة، وبغض النظر عن هدفها الإصلاحي. فالإصلاح الحقيقي هو في استقلال المجتمعات عن الدولة، وفي حماية المجتمعات والأفراد من الدولة، وتحديد دور الدولة وحدود تدخلها، والمجالات التي لا يجوز أن يشاركها فيها أحد!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد