شهدت الساعات الماضية جدية حقيقية من قبل الدولة في محاربة ظاهرة المال السياسي وشراء الأصوات وحجز البطاقات الانتخابية والتي تعتبر كلها ممارسات جنائية تؤثر على نتائج الانتخابات وتحرم الناخبين من حقهم في المشاركة في عملية انتخابية نزيهة.

منذ أن تم التفكير بإجراء الانتخابات النيابية القادمة، بناء على قرار حل مجلس النواب السابق كان الرهان الوطني الأساسي لنجاح الانتخابات هو في عنصرين اساسيين وهما النزاهة والتغيير. وفي واقع الأمر فإن إمكانية ضمان النزاهة أكثر واقعية من التغيير مما يشير إلى الأهمية القصوى لوجود قرار واضح من الدولة بمحاربة كل الحوافز غير الشرعية التي يقدمها المرشحون للناخبين حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض في نسبة الإقتراع لأن هذا أقل سوءا من التزوير وشراء الأصوات.

التحدي الرئيسي الذي جعل الدولة تقوم بإنشاء الهيئة المستقلة للانتخابات لتشرف عليها بدلا من الحكومة هو في إزالة كل الآثار السلبية لانتخابات 2007 الكارثية وكذلك انتخابات 2010 واللتين شهدتا الكثير من التزوير ونقل الأصوات وشرائها وكل هذا أضعف ثقة الرأي العام ليس فقط بمجلس النواب بل بكافة السياسات العامة. الآن لا مجال لتكرار مثل هذا الأمر والأولوية أصبحت لانتخابات نظيفة حتى لو كانت النتيجة تراجعا في جاذبية التصويت أو حالات من “التمرد” السياسي والمشاكل الأمنية التي يمكن أن يثيرها مرشحون “اعتادوا” النجاح في الانتخابات ووجدوا أنفسهم غير قادرين على ممارسة نفس الألاعيب هذه المرة وبالتالي الخروج من البرلمان.

النزاهة عنصر يمكن للدولة السيطرة عليه من خلال الهيئة المستقلة، والأجهزة الأمنية والحكومة ولكن الرهان الأصعب هو في التغيير. اسوأ نتيجة يمكن أن يصحو عليها الأردنيون صبيحة يوم الخميس هي في استعادة أكثر من 50% من النواب السابقين لمقاعدهم. هنا لا ننكر حق اي نائب سابق أو حتى بعض النواب اصحاب الأداء المتميز ولكن هنالك أغلبية من النواب الذين كانوا مشاركين فاعلين في كافة الفضائح النيابية التي شهدها الرأي العام وخاصة قضايا المكتسبات الشخصية ومنح البراءة لكافة قضايا الفساد التي يتم التحقيق فيها قضائيا الآن. عودة مثل هؤلاء النواب الذين كانوا سببا رئيسيا في استفزاز الشارع وإنشاء الحراك الشعبي ومنح المعارضة ترسانة من الأدلة لانتقاد الإصلاح في البلاد ستكون ضربة قاصمة لمصداقية رسالة الإصلاح.

تغيير النواب السابقين بنواب جدد أكثر مصداقية ونزاهة هو أمر في غاية الصعوبة لسبب رئيسي هو قانون الانتخابات والتي يعطي أفضلية كبيرة للمرشحين الأثرياء من رجال الأعمال وكذلك المرشحين اصحاب القواعد العشائرية والاجتماعية الواسعة على حساب المرشحين السياسيين. في حال تمكن الناخب الأردني من تجاوز هذه العوائق وانتخاب نواب جدد وإحداث تغيير جذري في تركيبة المجلس فإن هذا سيكون انجازا عظيما يستحق عليه الناخب الأردني كل الشكر والتقدير الذي يجب أن يتمثل في قانون انتخاب جديد يحترم النشاط السياسي والتمثيل العادل وإعطاء الأولوية للقوائم السياسية لا المرشحين الأفراد.

رهان النزاهة والتغيير هو التحدي الرئيسي أمام الجميع وإذا ما تحقق ذلك تكون الانتخابات قد حققت النجاح المطلوب في هذه الفترة وحسب المعطيات والظروف المتاحة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور