سواء كنت مع الاخوان أو ضدهم، سواء كنت مساندا للثورة أو معاديا لها فإن لا أحد يملك ضميرا ومحبة لمصر يمكن أن يكون سعيدا بما يحدث فيها الآن. لم يعد الأمر يتعلق بمن يحكم مصر وهل سيكون نمط الحكم دينيا أو مدنيا ولكن المسألة الرئيسية هي هي كيف تنهض مصر من حالة الفوضى التي تمر بها منذ سنتين وكيف يمكن للدولة والمؤسسات أن تستعيد أدوارها وكيف يمكن للمصريين الأفراد أن يستعيدوا الثقة في حاضرهم والقدرة على التخطيط للمستقبل.

في الوضع السياسي المسموم في مصر يمكن لأية مشكلة أن تفتح بوابات خطيرة للفوضى والصراعات والعنف وتصفية الحسابات. خطاب الاخوان المسلمين يتهم الفلول وجبهة الانقاذ وهو نفس خطاب نظام مبارك في اتهام الاخوان، ولكن القليل فقط يملك الجرأة على الاعتراف بأن السيد محمد مرسي لم يتصرف كرئيس للجمهورية بقدر ما تصرف كرئيس للاخوان المسلمين في الأشهر الماضية. في المقابل لم تكن المعارضة تتميز بالكثير من المسؤولية ايضا حيث كان خيار إسقاط الرئيس واضحا ومباشرا بالرغم من أنه قد نجح لتوه في الانتخابات. هل اصبح العمل السياسي في مصر بمثابة لعبة تغيير نظام كل سنتين؟ كيف يمكن لأية دولة أن تتقدم نحو الأمام في سياق هذا النمط من التفكير السلبي والصراع على السلطة؟

لم يكن أداء الاخوان المسلمين بديعا في الرئاسة، بل أنهم أضافوا نموذجا جديدا لدكتاتورية وبوليسية نظام مبارك ولكن في اية ديمقراطية يتم تغيير الرئيس وفق انتخابات وليس عبر الشارع والثورات في كل مرة. المشكلة الأخيرة التي اثارت الشارع المصري لم تكن من صنع مرسي بل نتيجة الفراغ الأمني الذي ساد مصر بعد الثورة ولكنه يدفع ثمنها الآن بعد تراكم المشاكل وسوء الإدارة في الأشهر الأخيرة.

قرار الحكم بإعداد 21 شخصا من جمهور النادي المصري في بورسعيد على خلفية الشغب الذي أدى إلى مقتل 72 شخصا من مشجعي النادي الأهلي قبل سنة كان حكما قاسيا وأثار نقمة أهالي المتهمين ومعهم غالبية سكان بورسعيد والإسماعيلية والسويس وهي محافظات القناة التي تشتكي دوما من التهميش مقارنة بالقاهرة. لو صدر الحكم مخففا لثارت جماهير النادي الأهلي ايضا وهي أكثر خطورة لأنها في قلب القاهرة وتضم تنظيما قويا وشرسا من “الألتراس” والذي شارك بقوة في المظاهرات التي أطاحت بنظام مبارك وكذلك المجلس العسكري. كان القضاء أمام خيارين أحلاهما مر وهو اغضاب أهالي بورسعيد أو اغضاب جمهور النادي الأهلي، وربما كان القرار السياسي الأقل وطأة هو اتقاء غضب جمهور الأهلي خاصة أن الجريمة كانت نكراء بالفعل وتتطلب حكما قاسيا.

لن يكسب أحد في الصراع الحالي ومصر هي التي ستخسر. لا بد من إرساء قواعد التبادل السياسي والتي هي صناديق الانتخابات. إذا غضبت كل مجموعة سياسية من الرئيس ونزلت إلى الشارع مطالبة بإسقاطه لن تكون هنالك دولة في مصر. في المقابل من المهم أن يتحول مرسي من رئيس للاخوان والسلفيين إلى رئيس لكل المصريين موسعا قاعدته الشعبية وطارحا الفكر السياسي الذي يجمع القوى السياسية المختلفة وراء هدف استقرار مصر وإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها وخلق الوظائف لشعبها لأن هذا هو التحدي الأساسي.

مثل كل رئيس دولة منتخب يجب أن يواجه مرسي تحدي التجديد والثقة في الانتخابات القادمة ولكن ليس كل مرة في الشارع. إسقاط النظام ليس لعبة، خاصة إذا لم يحدث بناء لنظام جديد ومتماسك وفعال بعد ذلك. إذا سقط مرسي من سيأتي مكانه، وهل سيرضى به بقية المصريين؟ لقد حان الأوان للانتقال من الثورة إلى بناء الدولة الجديدة وبدون استقرار ومشاركة في الحكم لن يحدث هذا. مصر تحتاج من أبنائها الآن إلى التقاط الأنفاس وتحمل المسؤولية، والعمل الصادق للخروج من الأزمة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور