للبيع .."شعر الرجال" !
أعترف بأنني كنت، في صغري، من أشد المغرمين بـ"شعر البنات"، إلى حدّ أنني لم أكن آنذاك، أبتاع أي نوع من الحلوى سواه. فقد كنت أوفر مصروفي، و"أسكن" على عتبة البيت ساعات، بانتظار أن يمر بائع "شعر البنات".
ولست "وقورا" إلى حد أن أخفي سبب ولعي وتعلقي به، فقد كنت مأسورا بذلك الانتفاش البهي لـ"شعر البنات"، وبقدرته على تحريك شتى أنزيماتي الهضمية، بدءا باللسان، وليس انتهاء بـ"القولون"، في سبيل القبض على لحظة الإشباع الحقيقية، لكن من دون جدوى، الأمر الذي كان يضطرني إلى ابتياع جملة أكياس من "شعر البنات" أملا في الوصول إلى تلك اللحظة المنشودة، لكن .. أيضا بلا فائدة، فبعد "معارك" عديدة من المضغ لا يبقى في فمي غير طعم الهباء.
وطعم "الهباء"، هو ما كان يستفزني، تحديدا، خصوصا وأن "المحصول" لم يكن يتناسب مع حجم الانتفاش الذي يميز "شعر البنات"، فقد كنت أعتقد، في كل مرة أشتري فيها ذلك الكيس المنتفخ، بأنني أدفع "الملاليم لقاء الملايين"، لكن ما إن يفترس فمي "شعر البنات"، حتى يبدأ هذا الشعر بالتقلص والذوبان السريع، وصولا، طبعا، إلى "الهباء"، فينتابني الغيظ، وأقرر أن أمتنع عن هذا الإدمان الطفولي على "شعر البنات"، إلى الأبد، غير أن حليمة سرعان ما تعود إلى عادتها القديمة، حال سماع الصفارة، إياها، وتعود دورة التحدي إلى سابق عهدها.
أجل هو كان تحديا من نوع ما بيني وبين تلك المادة الزهرية السرابية الآخذة بتلابيبي منذ الصغر.
لكن ماذا عن الكبر، ولماذا أشعر بأن "حليمة ما تزال على عادتها القديمة؟"، لاسيما لكهل يدعي أنه ما عاد "يلدغ من جحر 50 مرة"، أعني انخداعي بصفارة البائعين، وإن تغير الشعر؟
الواقع لا أدري ما السبب، بالضبط. هل هو الإدمان على الخذلان، أم هي روح التحدي التي كانت ترفض "الذوبان" مع "شعر البنات"، أم أن المسألة باتت مرتبطة بـ"شعور" أخرى، قد لا تكون "زهرية"، لكنها تماثل "شعر البنات" انتفاشا وبهاء و.... "هباء" أيضا!
هل أقصد "شعر رجال" رسميين، مثلا، بانتفاشه "الخلاّب، لا سيما، وهو يدغدني بوعود آسرة، وما أكثرها، ثم حينما أجازف بمحاولة الإمساك بذلك الشعر المدلى سرعان ما أكتشف أنني أقبض على "باروكة"، فتظهر "الصلعة"، هل أعدد تلك "الباروكات"؟ هل أقول، مثلا، إن "شعر الديمقراطية" الذي وعدنا به أولئك الرجال لم يكن أكثر من "باروكة"؟.. أم أتحدث عن "باروكة" السلام وثماره، أم عن "باروكة" مشاريع القضاء على البطالة، و"باروكة" تقليص جيوب الفقر، التي توسعت إلى تقليص "جيوب" المواطنين تمهيدا لإلغائها نهائيا، أم عن "باروكة" التنمية بـ"جدائلها" الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ وهي "شعور" حركت سائر أنزيماتي المرهقة، وتركتني، أيضا، أصارع طعم "الهباء".. ويا لغبائي أنا الملدوغ من "جحر" الرجال الرسميين عشرات المرات، كيف أجدني، في كل مرة، أنتفض لدى "صفارة" وعد جديد، مأسورا بانتفاشه، الخلاب، وحالماً ببلوغ لحظة واحدة، على الأقل، من إشباع رسميّ حقيقي.. لكن من دون جدوى!
وهل أتوسع أكثر، فأتحدث عن "شعر رجال" عرب آخرين سريع الذوبان، أسرني انتفاشه البهيّ فرحت أطارده كالمجنون، على غرار "باروكة" الوحدة، وباروكة "المد القومي"، و"باروكة" التحرير، و"باروكة" هزيمة الإمبريالية والاستعمار.. أم عن "شعر رجال" خدعونا بمعاركهم الكبرى، وأعادوا الأمة إلى عصور ما قبل "شعر" التاريخ؟
أجل، أصبحنا، بعد أن كبرنا، نشتري "شعر الرجال" وليس "شعر البنات"، وما أكثر البائعين والمروجين لهذه السلعة العربية الجديدة، بدويّ صفاراتهم و"شعاراتهم" التي تصمّ الآذان..
أما "هباء" الحلوق؛ فهو وحده المتبقي في الحالتين.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة باسل طلوزي جريدة الغد العلوم الاجتماعية