بعد 67 عاما من الإعلان الرسمي لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، نجد أنفسنا في مواجهة مجموعة من التحديات والأسئلة والتي كنا نعتقد أن الدولة قد تجاوزتها وقدمت الإجابات عنها منذ عقود .
من ناحية شرعية الدولة ومبررات وجودها فقد تحقق الكثير جدا. لقد تجاوزنا في الأردن -منذ زمن بعيد- الأسئلة التشكيكية التي دأب بعض القوميين المتطرفين نشرها حول استقلال الدولة الأردنية.
بعد عقود من الاستقلال حقق الأردن مشروعيته السياسية ليس من خلال التباهي بالتاريخ الغابر ولا المساحة ولا عدد السكان ولا الموارد الطبيعية ، ولكنه حقق مشروعيته بنموذج سياسي ملكي - دستوري حقق أفضل نسبة نجاح في التنمية والتطور السياسي مقارنة ببعض الدول العربية التي ما زالت تحتفل باستقلالها من منطلق تمجيد التاريخ لا الفخر بإنجازات الحاضر أو بإطلاق شعارات جوفاء عفا عليها الزمن لم يعد يصدقها حتى مواطنوها الغارقين في بحور الفقر والقمع والتهديد وغياب الحريات.
أن تنامي شرعية الدولة سيرسخ شعور المواطنين بانتمائهم للدولة وهويتهم السياسية المتعلقة بها وتاريخها وقيم إنشائها.
ولكن ما حدث في السنوات القليلة الماضية وتضاعفت حدته في فترة ما يسمى “الربيع العربي” أن الولاءات العشائرية والجهوية والعرقية اصبحت أكثر تماسكا واكثر تعبيرا عن هوية مكونات المجتمع مقارنة بالولاء والهوية الوطنية الجامعة.
إن ما سمعناه وما قرأناه من تصريحات لمجموعة من “النخبة السياسية” الأردنية أو الإعلاميين في الأيام والأشهر الماضية يثير الأسى حول افتقاد الكثيرين من النخبة السياسية لأبسط مبادئ احترام الرأي الآخر والقيم الدستورية مثل حق المواطنة.
ومن المحبط أننا لا نزال وبعد كل هذه السنوات نجد سهولة باستخدام مصطلحات التخوين والتشهير والتصنيف في مناقشات يفترض أن تتم بمنتهى الهدوء واحترام الرأي الآخر وهذا التوجه نحو الاتهام والتشهير والتخوين يوجد الكثير من التوتر في المجتمع.
مسؤولية هذا التراجع في الهوية الوطنية قد تتحمل الدولة جزءا من مسؤوليته نتيجة سنوات من التهميش للمحافظات والقرى والبادية لمصلحة المدن أو نتيجة سياسات اقتصادية متسرعة استخدمت المقدرات الوطنية لإنتاج سيولة نقدية لم تعد موجودة بعد أن حصدها الفساد. ولكن المجتمع ايضا يتحمل مسؤولية كبيرة في عدم تصديه لظواهر تراجع الولاء للدولة وظهور كافة اشكال الولاءات الاجتماعية التقليدية التي تهدد المنظومة العامة للدولة.
أية دولة في العالم -سواء الأردن أو غيره- يمكن أن تتضمن تعددا كبيرا في الهويات الثقافية ، ولا يمكن أبدا بأي حال من الأحوال أن تتضمن تعددا في الولاء السياسي. المشكلة لدينا أن الهويات الاجتماعية هي التي اصبحت تحدد علاقة المواطن بالدولة، وباتت “شبكات الأمان العشائرية والجهوية” هي التي تقدم للمواطن ما يحتاجه من مكتسبات شرعية أو غير شرعية من الدولة. الكثير من استطلاعات الرأي التي أجريت على الشباب في السنوات الماضية أكدت أن التوجه لديهم اصبح نحو تعريف أنفسهم بحسب انتماءاتهم العشائرية والجهوية وليس تعريف أنفسهم كمواطن أردني. هذا ينعكس على السلوكيات الاجتماعية مثل العنف الجامعي وحتى العمل السياس يالشعبي مثل تقسيم الحراك إلى اسماء محافظات والقرى والمدن وكذلك ظهور نزعات حتى لدى بعض النواب وضع العشيرة قبل الدولة.
عندما نريد أن نواجه التحديات السياسية والاقتصادية الراهنة والمستقبلية فإننا يجب أن نفعل ذلك من منطلق المجتمع الواحد الذي يحترم التعددية والتنوع ويركز على مبادئ الانتماء المرتبطة بالمواطنة ، وهذا هو الأردن الذي نريد أن نتركه لأولادنا وأحفادنا وليس وطنا ينظر فيه المواطنون بعين الشك الى بعضهم وبعين القلق الى الدولة ولا يعترفون بالهوية الوطنية بقدر التركيز على الهوية الفرعية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باتر محمد علي وردم جريدة الدستور