أتابع برنامج آراب ايدول في حلقاته الثلاث الأولى حيث تجارب الأداء والتي تمثل أجمل مشاهد الكوميديا الواقعية في الترفيه العربي، والحلقات الست الأخيرة التي تتضمن أفضل الأصوات التي تبقى في المنافسة. منذ عدة اسابيع كان واضحا أن أفضل صوتين في المسابقة هما للفلسطيني محمد عساف والمغربية سلمى رشيد، ومع خروج المغربية بشكل مفاجئ منذ 3 اسابيع أصبح عساف هو سيد الساحة الفنية وظاهرة حقيقية في دنيا الفن والسياسة والمجتمع العربي.

مع صبيحة هذا اليوم تكون نتائج الحلقة الأخيرة معروفة للجميع. سواء ساد المنطق وفاز عساف أو طغت كثافة التصويت المدعوم رسميا لصالح فرح يوسف، أو تناسى المصريون همومهم ووقفوا مع أحمد جمال فإن عساف تحوّل إلى ظاهرة ونجم حقيقي إلى درجة أنه لم يعد بحاجة إلى الفوز باللقب بل أن برنامج آراب ايدول هو الذي يحتاج إلى أن يفوز عساف باللقب حتى لا يفقد مصداقيته وشعبيته عند المتابعين.

ظاهرة عساف صنعت انقساما في الرأي العام العربي والفلسطيني ولكن بشكل مبالغ به من الطرفين ويحمّل الشاب الموهوب أعباء لا داعي لها ولا يستحق أن يحملها. منذ الإطلالة الأولى لعساف في البرنامج كان واضحا أنه يحمل شيئا استثنائيا، ولم يكن من قبيل المبالغة كلام الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب بأن صوتا كهذا لا يظهر إلا مرة كل خمسين سنة. ولكون عساف فلسطينيا ومن غزة كان مطلوبا منه أن يكون مختلفا عن الجميع من حوله. كل كلمة محسوبة، وكل حركة مراقبة ولكنه اثبت وعيا وأخلاقا وثقافة على مستوى عال فلم ينجر أبدا إلى حركات وسلوك مبتذل وقدم صورة ممتازة لشاب فلسطيني موهوب واثق بنفسه وهي صورة جعلت له شعبية كبيرة في كافة العالم العربي.

المؤيدون لمحمد عساف من منطلق وطني يريدون منه أن يكون “رمزا فلسطينيا” وأن دعمه هو دعم للقضية الفلسطينية، والمعارضون له وللبرنامج يقولون بأن ما يحدث هو إلهاء للناس عن الحالة البائسة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية والاستيطان وغير ذلك وكلا الطرفين يبالغ في موقفه. يجب دعم محمد عساف لأنه شاب موهوب ويستحق ما يسعى إليه وليس من أجل تحميله عبئا وطنيا، وفي المقابل ليس من العدل تلخيص فشل القيادات الفلسطينية المختلفة وكافة الأنظمة العربية والعالم في الوصول إلى حل عادل لمعاناة الشعب الفلسطيني وتحميل المسؤولية لعساف والبرنامج. ما يحدث الآن في العالم العربي وفلسطين لا يعطي اية انطباعات بأن القضية الفلسطينية سوف تحل قريبا، ولم يسمع أحد أن هنالك جيوشا حاشدة تستعد للزحف على فلسطين ولكن انطلاقها تأخر بسبب محمد عساف والبرنامج الذي يشارك به.

دعوا الشاب الموهوب يغني ويسعد الناس، فهل مطلوب من الفلسطيني أن يكون دائما مشروع شهيد أو مثقفا يتعاطى القضية في كل يوم وكل ساعة؟ الا توجد مساحة للفرح والسعادة وتقدير مثل هذه المواهب؟ لا تحمّلوه عبء القضية سواء بالدعم أو بالانتقاص من موهبته وما يقوم به.

مشكلة عساف الحقيقية ستبدأ في اليوم التالي لانتهاء البرنامج. الشاب الذي اصبح ظاهرة مبدعة في العالم العربي هل سيعود إلى غزة حيث حكومة حماس لا تملك الكثير من الإعجاب بالغناء والفن وربما تمنعه من مواصلة حلمه، أو يذهب إلى رام الله حيث يمكن ان تستغله السلطة لتلميع صورتها أم يذهب إلى عاصمة عربية أخرى ليستقر فيها متابعا طموحه ولكن معرضا نفسه لانتقادات من يعتقدون بأنه سيخون وطنه بالسفر؟.

كل الخيارات صعبة أمام عساف، ولكني أعرف تماما أن الملايين في الوطن العربي ينتظرون الاستماع إلى ألبومه الغنائي الأول بشوق أكبر بكثير من أي بيان لحماس أو السلطة الفلسطينية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باتر محمد علي وردم   جريدة الدستور