رجال يقرعون الخزان!
شارف الرجال المحشورون داخل الصهريج على الهلاك من شدة قيظ الصحراء، ومن لهب جدران الخزان الذي يكوي جلودهم، وهم في داخله، بعد أن لم يجدوا مناصا غير المجازفة بدخول تلك الدولة النفطية، بوسيلة التهريب، داخل خزان الصهريج الفارغ، بحثا عن عمل يدر عليهم دخلا، يقيهم وأسرهم الفقيرة شر الجوع والعوز.
حدث ذلك منذ أيام، لكنهم، بعد أن صهرتهم الشمس داخل الخزان، الذي حشرهم فيه صاحب الصهريج لتهريبهم إلى تلك الدولة، مقابل بضعة دراهم، لم يعد يشغل بالهم غير أمر واحد: متى ينتهي هذا الجحيم ونخرج من الصهريج الذي يغلي بأجسادنا؟
ولأن الرجال "الغلابى" داخل الصهريج، لم يعودوا يحتملون الانتظار على حدود تلك الدولة، فقد قرروا أن يقرعوا جدران الخزان، للخروج حتى ولو كان الثمن السجن، أو طردهم وإبعادهم عن تلك الحدود .
وبالفعل، قام الرجال بقرع جدران الخزان الذي استحالت فيه أجسادهم إلى جمر لاهب... أما الثمن فكان أكبر من السجن، أو الطرد أو الإبعاد، كان الثمن حياتهم نفسها، إذ مزق الرصاص أجسادهم، من قبل حرس الحدود، لأن "ضحالة تفكيرهم"، زينت لهم، ذات تعاسة، أن يتجرأوا على اختراق الحدود العربية، الأصلب حتى من فولاذ الصهريج الذي كانوا يقبعون بداخله!
ومع الاعتذار لغسان كنفاني عن تلاعبي بأحداث روايته "رجال في الشمس"، غير أنني أرى أن هذه الرواية قابلة لسائر صنوف التحوير والتبديل، ما دامت تتحدث عن الحدود العربية، وعن الثمن الذي سيدفعه أي "مجنون" عربي يفكر يوما بالاقتراب من هذه الحدود لأي سبب كان، حتى ولو كان لمجرد البحث عن مصدر رزق!
لا أتحدث، هنا عن عرب ماتوا أو سيموتون على هذه الحدود البائسة، في أحداث مأساوية، وما أكثرهم، لكنني أتحدث عن "الحدود" نفسها، ومن أين تستمد صلابتها مع الزمن، تماما على غرار "الباطون"؟
وأتساءل، في المقابل، عن "داخل" الدولة العربية، ذاتها.. الداخل الذي يزداد هشاشة مع الزمن، ويتساقط كـ"الصدأ"!
هذا التناقض بين الداخل والخارج، في الدولة العربية، هو أكثر ما يحيرني، ويجعلني أتساءل عن السر الكامن وراءه، ولماذا تضمحل الأحشاء، وتزداد القشور متانة ومناعة كأنها ليست جزءا من جسد الدولة نفسها، ولا تتغذى من داخله!
ولا حاجة بي إلى الإجابة عن هذا السؤال، إذا عرفنا فقط أن الحدود العربية، لم يضعها العرب الأشاوس بمجهودهم وأفكارهم، بل وضعها روائيان آخران هما "سايكس" و"بيكو" ارتأيا ذات اجتماع بغيض أن يرسما أحداث الرواية بأقلامهما، ويترجماها على الأرض حدودا أضيق من الجسد العربي، الذي كان يطمح آنذاك باستعادة حجمه الحقيقي الممتد من الخليج إلى المحيط، غير أنه وجد نفسه، بعد ذلك "محشورا" داخل صهريج حدودي ضيق، أضيق من أحلامه وآماله، ومن قوميته وعروبيته، ومن تضحياته وأحزانه، صهريج يغلي يأسا وفقرا وهزائم، لا يقوى فيه العربي حتى على قرع جدرانه!
أما "خارج" الصهريج فثمة حدود لم توضع إلا لحماية الأنظمة فقط، ولذا فإن هذه الأنظمة معنية "بتصليب" الحدود، باعتبارها "جبهة الدفاع الأولى" والأهم عن بقائها، وترى، بالتالي، في أي "غريب" عربي، يحاول اقتحامها عدوا "من الدرجة الأولى"، يهدد حياتها وسلطتها، ومواردها الطبيعية براتبه الذي "يسرقه" من هذه الموارد الخاصة بها وحدها!
لاحظوا أنني قلت "غريبا" عربيا، ولم أقل "قريبا" أجنبيا، فأولئك لا حدود في وجوههم، ولا أحد يقنصهم إذا تجرأوا على هذه الحدود، بل ما أسرع ما تفتح الحدود لسرّاقهم وعمالهم وبوارجهم وعساكرهم، متى شاؤوا النهب أو حتى الإقامة، باعتبارهم من سلالة "سايكس" و"بيكو"!
ويبقى أن "الثابت" الوحيد في عمر الدولة العربية هو الحدود، وأما "المتحول" الزائل فما أكثره، ولمن يود أن يعرف أنصحه بزيارة "مقابر" القضايا القومية العربية التي قضت، قنصا، على الحدود، هي الأخرى، من قبل "حرس الحدود"، أيضا، باعتبارها من فئة "غير المرغوب بدخولهم"، بدءا بفلسطين وليس انتهاء بالسودان والصومال!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة باسل طلوزي جريدة الغد العلوم الاجتماعية