خلافة قرطبية

 

وصلت قرطبة العاصمة في عصر الخلافة أوج مجدها، فكان سكانها عبارة عن  نصف مليون وكان فيها سبعمائة مسجد وثلاثمائة حمام لا يسبقها رقياً إلا بغداد والقسطنطينية. وكان في قصر الخليفة في قرطبة أربعمائة غرفة ومقصورة يسكنها ألوف العبيد والحرس وهو قائم في الشمال الغربي من المدينة على إحدى هضاب جبلها (سيرامورنا) المشرف على الوادي الكبير وقد شرع في بنائه في عام 936 بإشارة جارية اسمها الزهراء، وابتنى هذا الصرح وسماه باسمها. وعمل في بناء الزهراء عشرة آلاف صانع وألف وخمسمائة دابة مدة عشرة أعوام.

وفي مدينة الزهراء، أحاط الخليفة نفسه بحرس من الصقالبة عدده ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون قام على رأس جيش نظامي بلغ مائة ألف. وبمعاونة هؤلاء المماليك بإسبانية استطاع الخليفة أن يستأصل دابر قطاع الطرق وأن يقضي على الأرستقراطية العربية القديمة. فزهت سوق التجارة والزراعة وتوافرت مصادر الدخل من أموال الدولة. ولم تعرف قرطبة من قبل زمناً بلغ فيه غناها هذه القمة ولم تكن الأندلس قط على مثل هذه الثروة ولا الدولة على مثل هذا الظفر. وقد ذكر الخليفة عبد الرحمن الثالث أنه كان يقول في أواخر حياته أنه لم تصفُ الدنيا له إلا أربعة عشر يوماً.

رقي صناعي وزراعي

كما كانت تعتبر الأندلس في عهد الخلافة بأنها واحدة من أكثر بلدان أوروبا ثروة وأشدها ازدحاماً بالسكان. وقد ازدهرت العاصمة بنحو ثلاثة عشر ألف حائك وبصناعة راقية للجلود وانتقلت الصناعة منها إلى فرنسا وإنجلترا. أما الصوف والحرير فقد كانت تحاك منهما الأنسجة ليس في قرطبة وحسب بل في مالقة والمريّة وسواهما من العواصم، وكان أهل الصين قد احتكروا صناعة الحرير إلى أن أدخلها المسلمون إلى الأندلس حيث زهت. وكانت المرية تصدر الآنية الزجاجية والنحاسية وكان موطن صناعة الخزف في بلنسية.

كما واشتهرت جيان والغرب بمعادن الذهب والفضة وعرفت قرطبة بمعادن الحديد والرصاص ومالقة بالياقوت. وكانت طليطلة كدمشق معروفة في آفاق المعمورة بسيوفها. أما فن ترصيع الفولاذ وسواه من المعادن بالذهب والفضة وهو فن جيء به من دمشق فقد زها في بضعة مراكز أندلسية.وازدهرت في الأندلس الأساليب الزراعية المألوفة في آسيا الغربية. فاحتفروا الترع وزرعوا مختلف الأنواع من شجر الكرمة وجاؤوا بنباتات متنوعة وغروس أشجار مثمرة منها البرقوق (المشمش) والفرسك (الدراق) والرمان والبرتقال وقصب السكر والقطن والزعفران وكانت سهول الجنوب الشرقي من شبه جزيرة الأندلس قد خصتها الطبيعة بمناخ وتربة صالحين للزراعة، فنشأت فيها مراكز مهمة في المدن والأرياف.

ويعتبر هذا الرقي الزراعي من مفاخر الأندلس الإسلامية. ومن مآثر العرب الخالدة في بلاد الحدائق التي لا تزال لإسبانيا شهرة بها إلى اليوم. ومن أشهر الحدائق جنّة العريف وهي من آثار الدولة النصرية في أواخر القرن الثالث عشر وقد كانت ملحقة بدار فخمة واقعة في أطراف الحمراء. وقالوا في هذه الجنة أنها: المثل المضروب في الظل الممدود والماء المسكوب والنسيم البليل.وكانت إشبيلية تصدر القطن والزيتون والزيت ويردها النسيج والرقيق من مصر والقيان من أوروبا وآسيا. وشملت صادرات مالقة وجيان الزعفران والتين والرخام والسكر وكانت تجارة الأندلس تمر بطريق الإسكندرية والقسطنطينية فبلغت أسواقاً انفتحت لها في الهند وأواسط آسيا. واتسع نطاق التجارة بين الأندلس ودمشق وبغداد ومكة بوجه خاص.وتولت الحكومة تنظيم البريد. أما النقود فاتبعت فيها النماذج الشرقية فكان الدينار أساس التعامل في الذهب وكان الدرهم الأساس في الفضة؛ أما الفلس فقد كان رائجاً أيضاً وهو من نحاس وكان معروفاً في صدر الإسلام. ودرجت المسكوكات العربية في ممالك النصارى شمالاً وظلت هذه البلدان مدة أربعمائة سنة لا تعرف من المسكوكات إلا العربية بالإضافة إلى المسكوكات الفرنسية.

واعتبر بلاط عبد الرحمن متألقاً، يشع نوره في عهد ابنه وخلفه الحكم الثاني المستنصر (961 76) وقد اعتبره المسعودي أحكم الناس سيرة. وفي أول عهد الحكم هذا وصل العاصمة الإسلامية أرذون، يرجو استعادة عرش ليون الذي أضاعه بسبب تدخل عبد الرحمن وقد وفد معه إلى الزهراء وليد ابن خيزران قاضي قرطبة النصراني وعبد الله بن قاسم جاثليق طليطلة يدربانه على أصول الآداب المرعية في البلاط الإسلامي. وقد جلس الخليفة في ردهة الاستقبال على أريكة يحف به أفراد أسرته والقواد إلى اليمين وإلى اليسار وخلفه. ووعد الخليفة أرذون بالنصرة على شروط اقترحها.

النشاط العلمي

يعتبر من أهم مآثر تلك الحقبة كان في ميدان الثقافة. فقد كان الحكم عالماً محباً للعلم والعلماء فجمعهم من الأقطار وأجرى عليهم المرتبات وابتنى سبعاً وعشرين مدرسة يتعلم فيها أحداث العاصمة مجاناً. وفي عهده ازدهرت جامعة قرطبة التي أسسها عبد الرحمن الثالث في الجامع الكبير فأصبحت في عداد معاهد العلم الراقية في العالم العربي، وبزت الأزهر في القاهرة والنظامية في بغداد وقصدها الطلاب من نصارى ومسلمين لا من الأندلس وحسب بل من بلدان أوروبية أخرى أيضاً ومن إفريقية وآسيا. ووسع الحكم نطاق المسجد الجامعي الذي عقدت حلقات التدريس الجامعي فيه. واستدعى إلى الجامعة أساتذة من المشرق وقف أموالاً لمرتباتهم.

ومن بين أشهر أساتذتها المؤرخ ابن القوطية الذي درّس النحو، والفقيه البغدادي الشهير أبو علي القالي صاحب الأمالي.وقد تضمنت قرطبة عدا الجامعة مكتبة كبيرة واسعة. وكان الحكم محباً للكتب فسير علماءه في الأمصار يجولون بين مكاتب الإسكندرية ودمشق وبغداد قصد ابتياع المخطوطات أو نسخها، فبلغ عدد ما جمعه في هذه المكتبة من الكتب أربعمائة ألف حتى كان عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربعة وأربعين فهرساً، في كل فهرس عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين الشعرية. وكان الحكم أعظم عالم بين خلفاء المسلمين قاطبة وقد أرسل في كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني الأموي الأصل ألف دينار فبعث إليه بنسخة من الكتاب قبل أن يخرجه بالعراق. وقد بلغت درجة الثقافة في الأندلس مستوى عالياً في ذلك الزمن حدا بالعالم الهولندي الكبير دوزي إلى القول: إن كل فرد تقريباً كان يحسن القراءة والكتابة.


المراجع

alkhaleej.ae

التصانيف

الدولة الأموية في الأندلس|*  أسر حاكمة مسلمة  أنظمة ملكية سابقة في أوروبا  إسبانيا القروسطية  الأندلس  البرتغال القروسطية  انحلالات سنة 1031  تاريخ أفريقيا الشمالية  تاريخ قرطبة  خلافة إسلامية  دول إسلامية سابقة في أوروبا  سقوط الأندلس  ممالك عربية   التاريخ