شهدت الحضارة الإسلامية، رحلات لأدباء وعلماء وجغرافيين غادروا ديارهم وجازفوا بأرواحهم ليسيروا في الأرض وأكنافها ليكشفوا عن المجهول(1). تعددت الرحلات بتعدد أهدافها ووسائلها، فبالنسبة للوسائل كانت هناك رحلات برية ورحلات بحرية، وحديثاً ظهرت رحلات جوية وفضائية.. اما بالنسبة للأغراض فهنالك رحلات دينية، تجارية، علمية .. ورحلات ترفيهية (2).
   ولا يكمن سر الرحلات القديمة المكتوبة بالفارسية أو التركية أو العربية في أهمية معلوماتها فحسب، بل ويتعدى ذلك في فخامة لغتها وسلاسة نثرها حيث كان الكاتب ـ الرحالة ـ يكتب ملاحظاته وخبراته بلغة جميلة نابضة بالحياة، وهذا ما يميزه عما سواه من  الصحفيين الذين يكتبون ما يرونه في البلدان التي يزورونها بلغة صحفية ركيكة سريعة الاستهلاك(3).
 وتكمن أهمية الرحلات في ما يأتي: فالفيلسوف الانجليزي (فرنسيس بيكون) يقول:” إن السفر تعليم للصغير وخبرة للكبير”، اما (الشيخ حسن العطار) فيرى إن السفر “مرآة الأعاجيب وقسطاس التجاريب”، في حين يرى الأديب الفرنسي (سافراي):” إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفا للإنسان.. “، ويدعو الشاعر الانجليزي (ت.س.إليوت) كل البشر هاتفا:” ارتحلوا.. انطلقوا.. أيها الرحالة … فأنتم لستم نفس الاشخاص عند بدء الرحلة.. !!”(4).
أهمية رحلة ناصر خسرو:
 ومن أهم الرحلات الجغرافية، رحلة ناصر خسرو وهي وقائع لرحلته اليومية ودعّاها (سفرنامه) بما فيها من دقة الوصف للمدن التي زارها وأقام فيها، ووصف المسالك التي عبرها(5).
 ويعد كتاب (سفرنامه) عن رحلة ناصر خسرو مصدراً جغرافياً وتاريخياً وعلماً اجتماعي ليس للايرانيين فحسب، بل للعرب والغربيين وجميع الاقوام التي زار مناطقهم من الارمن والكورد والترك والعرب. وقد أبدى المؤلف إبداعاً وبراعة في معرفة البلدان والمدن التي زارها ومنها آسيا الصغرى ـ تركيا الحالية أي - كردستان الشمالية وبلاد الشام،  وقد ركز ناصر خسرو على معرفة العمارة والمواقع الأثرية والطبيعية بل والسيكولوجية والاجتماعية للشعوب التي زارها في رحلته المعروفة في القرن الرابع الهجري(6).
 يعتقد بعض الكتاب،” ان النص الذي بأيدينا ناقص وأن الكتاب الذي وصل الينا مختصراً اختصره بعض النساخ عن (سفرنامه) آخر أطول من هذا”(7).    وفي رحلته زار ناصر خسرو عدة مدن ايرانية ، ثم توجه الى المناطق الكوردية أو الدولة الدوستكية، كما كانت تسمى في المصادر التاريخية والجغرافية، أو كما نطلق عليها الآن بكوردستان الشمالية، ومن المدن التي زارها: ( خوي، بركرى/ بركزي أو بارطريَ، وان، وسطان، أخلاط (خلات)، رباط كروانسرا، بطليس(بتليس)، قلعة (قف انظر؟)، جامع عويس (أويس القرني)، أرزن (غرزن)، ميافارقين، الربض، المحدثة، النصرية (أو الناصرية كما ورد في بعض المصادر)، آمد، وحران، ومنها الى حلب ومدن آخرى في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر(8).
نبذة عن حياته: تبرز أهمية رحلة ناصر خسرو في بلاد الكورد، في كيفية وصف المناطق التي زارها ومدوناته اليومية التي وصف فيها المدن من الناحية الجغرافية أو الانثروبولوجية لسكان المنطقة. فاذاً من هو ناصر خسرو الرحالة الفارسي المشهور؟ الرحالة ناصر خسرو، هو (أبو معين الدين ناصر خسرو القبادياني المروزي) نسبة الى مدينتي (مرو) و (قباديان) والاخيرة منها مدينة بالقرب من ترمذ (توريز) على نهر جيحون(9).
 ولد الرحالة سنة 394 هـ ـ 1003م في قباديان من نواحي بلخ في خراسان، وقد أورد تاريخ ولادته في بيت شعري ضمن ديوانه المطبوع باللغة الفارسية، بأنه ولد في شهر ذي القعدة سنة 394هـ وهو فيقول:
بطـذشــت ز هجـرت ثـس ســيصد ونـود وضـار بــنـهــاد مـرا مــادر بــر مـركــــز اغــبــر (10).
 وتوفي في سنة 481 هـ / 1090م في وادي ( يمكان ) التابع لمدينة بدخشان الواقعة في أقصى بلاد الافغان. ولا يزال قبر ناصر للآن مزارا يؤمه الاسماعيليون النزاريون - نزار بن المستنصر- من الصين وآسيا الوسطى والهند والافغان(11).
ينحدر خسرو من أسرة خراسانية، حفظ القرآن في صباه، وتعلم شيئاً من الخطب والاشعار العربية والفارسية ، فقد كان إتقان اللغة العربية والاطلاع على ابواب الثقافة الاسلامية شرطاً اساسيا لتسلم المراكز المرموقة في ايران خلال العهد الذي ترعرع فيه ناصر خسرو القبادياني(12)، وبذلك كان يشغل منصباً كبيراً في الدولتين الغزنوية والسلجوقية، وكان ناصر خسرو واسع الاطلاع يقرأ الفلسفة ويناقش آراء الفارابي وابن سينا(13).
 ترعرع في كنف أسرة متوسطة الحال، وتثقف ثقافة واسعة والتحق بخدمة السلطانيين الغزنويين محمود ثم ابنه مسعود، فقد نشأ سنياً وبدأ حياته في بلاد حماة السنة وقتذاك(14).   ثم تبدلت الاحوال السياسية ونجح السلاجقة في القضاء على معظم الدويلات الشرقية وافلحوا في توحيد الامبراطورية الاسلامية وأصبح الأمر بيدهم، فالتحق ناصر بخدمة جغري بك الحاكم السلجوقي في خراسان، وتولى خزانته في مرو مدة طويلة حتى نسب اليها(15).   استغرقت رحلته سبع سنوات كاملة ما بين الاعوام 437 ــ 444 هـ /  1045ــ  1052م بدأت من مدينة (مرو) في خراسان مروراً بآذربيجان وكوردستان الشمالية (ارمينيا سابقا) ثم الشام وفلسطين ومصر التي مكث فيها ثلاث سنوات في كنف الخلفاء الفاطميين ثم الى الحجاز للمرة الأخيرة ونجد وجنوبي العراق (البصرة) ومنها عاد الى بلاد فارس وخراسان(16).
آثاره الكتابية:
 للرحالة ناصر خسرو مؤلفات قيمة منها المنظوم والمنثور، من مؤلفاته المنظومة: 1-  الديوان: وهو مجموعة من الاشعار طبع في تبريز سنة 1864م.
2- سعادتنامه: كتاب السعادة نشره (فانيان) في الجزء (34) من مجلة (المستشرقين الالمان).
والمؤلفات المنثورة منها:
1- سفرنامه: أو كتاب رحلاته التي قام بها، نشره وترجمه المستشرق (شيفر) في باريس سنة 1881م. والدكتور يحيى الخشاب ترجمها ونشرها في القاهرة عام 1943 وصدر الطبعة الثانية منها في عام 1993. وهناك طبعات آخرى للكتاب، منها: ترجمها الدكتور فكتور الكك، طبعت من قبل جامعة بيروت العربية(؟)، ثم طبع ترجمة يحيى الخشاب مرة آخرى في بيروت بطبعتها الثانية عام 1970. 2- خان الإخوان (خان برادران): أو (خوان الإخوان) كما ورد في بعض المصادر. نشره الدكتور يحيى الخشاب في القاهرة عام 1940. 3- زاد المسافرين: حول إثبات الفرقة الاسماعيلية، كتاب مخطوط ومحفوظ في نسخته الاصلية في المكتبة الاهلية بباريس وطبع في برلين سنة 1341هـ. 4- وجه الدين: تتكلم فيها عن التعاليم الباطنية للفرقة الاسماعيلية. 5- روشنائى نامه: أو (شش فصل) كتاب الضياء، نشره (آتيه) وترجم وعلق عليه ونشره في مجلة (المستشرقين الالمان) سنة 1879 ــ 1880م في الجزء (32) و(33). 6- جامع الحكمتين: شرح لقصيدة ابو الهيثم احمد بن حسن الجرجاني(17). 7- كشايش ورهايش: المحفوظة نسخة منها في دار الكتب المصرية تحت رقم (82). وتوجد مؤلفات آخرى، وردت اسماؤها في عدة مصادر منها: (مرآة المحققين) وهي لدى الاسماعيليين النزاريين في شوغان، (بستان العقول)، (لسان العالم)، (اختيار الامام واختيار الايمان)، (رسالة الندامة الى زاد القيامة) و(عجائب الصنعة)(18). رحلته عبر المناطق الكوردية:
 عبر رحلته الى مصر والديار المقدسة، تجول ناصر خسرو في عدة مدن وقرى كوردية، وصفها ودوَّن عنها معلومات مفيدة للدارسين تتعلق بالحالة الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة من الزمن، التي كانت تسيطر على المنطقة من قبل الدولة الدوستكية الكوردية، هذا ويقسم الباحثون والمترجمون رحلته الى ثلاثة اقسام، تبدأ رحلته في مرحلته الاولى من مرو في ربيع الآخر سنة 437هـ/ 1045م، وتنتهي ببلوغه القاهرة في 7 صفر 439هـ/ 1047م.
 بعد أن زار العديد من المدن والقرى الايرانية (الفارسية)، وصل مع جماعة من جيش الامير الكوردي وهسودان عن طريق مرند إلى مدينة خوي، فيقول في ذلك: “في الرابع عشر من ربيع الأول غادرت تبريز عن طريق مرند مع جماعة من جيش الأمير وهسودان. فسرنا حتى بلغنا (خوي)”(19). لم يكتب شيئاً عن المدينة ولكن ذكر أسم الامير وهسودان وهذا دليل على سيطرة الكرد على المنطقة، ووهسودان أمير كوردي من بني مسافر الذين عرفوا بميولهم الشيعية، بل ان منهم من كان باطنياً، وقبل رحلة ناصر خسرو، أي في سنة 420هـ/ 1029م تأسست الحكومة (الروادية) الكوردية في تبريز من قبل وهسودان بن ماملان ودام حكمها لغاية 426هـ/1035 م(20).
 و(خوي) هي مدينة كوردية قديمة، تقع بين مدينتي ماكو وأورمية على الحدود الإيرانية التركية الروسية(21)، ضمن حدود محافظة غرب آذربيجان، في إيران. يعتمد اقتصاد المدينة على الزراعة وإنتاج الفواكه والحبوب والخشب.  زاد عدد السكان عن 176300 نسمة. تم التنازع على المدينة في فترات تاريخية سابقة، فقد هاجمتها روسيا عام 1827، وبعد ذلك تركيا عام 1911. وفي خلال الحرب العالمية الثانية، كانت المدينة جزءاً من الاتحاد السوفييتي(22).   وبعد مدينة خوي، يقول ناصر خسرو:” ومن هناك سرنا الى بركري بصحبة رسول. ومن خوي الى بركرى ثلاثين فرسخا، وقد بلغناها في الثاني عشر من جمادي الأول”(23). لم يعرفنا خسرو على معالم مدينة (بركري) ومَن هو الرسول الذي كان معه، و(بركرى- بةر طرىَ) أو (بار طرىَ) كما ورد في بعض المصادر التاريخية والجغرافية والآن تسمى بـ(المرادية)، مدينة صغيرة من أعمال مدينة أخلاط، تقع في شمال مدينة (وان) وهي الآن مركز أحد أقضيتها، وهي تتاخم قضاء أرديش (أرجيش)(24)، وفيها قلعة حصينة على قمة الجبل المشرف عليها، وهذه القلعة بنيت على الحجارة السوداء لهذا الجبل، وكانت في تلك الفترة في ايدي الكورد المحمودية، وجميع سكانها من الكورد(25). وحول كلمة (بارطر) في اللغة الكوردية هي كلمة مركبة، من (بار + طر) وتعني الذي يحمل الاحمال أو يمسك بالأحمال، وهي كناية عن فرض الضرائب عليها(26).
واستمر خسرو في رحلته عبر المدن الكوردية التي كانت خاصعة لحكم الدولة الدوستكية آنذاك، الى أن وصل الى مدينة (وان) وهو يقول:” ومن هناك ذهبنا الى وان ثم وسطان”(27).
)وان) مدينة تقع شرق كوردستان الشمالية بالقرب من الحدود مع ايران، تم انشاؤها سنة 1900 ق.م من قبل أمير كردي إسمه (شاهمرى كرد) وسميت بإسمه الى أن فتحها الاسكندر المقدوني، فسماها مدينة وان(28).
 وهناك رأي آخر حول تسمية هذه المدينة وذلك يرجع الى زمن الاورارتيون حيث سميت بهذا الاسم (وان) نسبة إلى (وان) قائد الحملة الامبراطورية الميدية على وان (600 عام ق.م) واحتلالها من قبله(29). اما فيما يتعلق  بمدينة (وسطان) فيذكر الرحالة ناصر خسرو بأن” كان لحم الخنزير يباع في سوقها، كما يباع الضإن، وتجلس نساؤها ورجالها أمام الحوانيت، ويشربون بغير حياء”(30).
 و(وسطان) مدينة تقع على ساحل بحيرة وان(31)، وفيها متنزهات يمر فيها نهر دجلة، ذكرها الشاعر القومي احمد الخاني في ملحمة (مم وزين)(32): وســـطاني ونيــرطــزى وســـــقلان
دروازة وعــــمـــــرى ومــيـــــــدان
 ومما ذكره خسرو حول ظاهرة بيع لحم الخنزير والشرب أمام الحوانيت، بانها من سمات المدن السياحية، لكون مدينة وسطان تقع على ساحل البحيرة، واما من الناحية الإجتماعية، فتدل على ان البنية الاجتماعية بعد الفتح الإسلامي، على الرغم من طابعها الإسلامي الواضح، كانت متأثرة بالتكوينات الاجتماعية الأولى التي ورثتها عن الدول والقوميات السابقة، حيث إن العلاقات الاجتماعية السائدة في المدن الكوردية - قبل الإسلام وبعده- ظلت على ما هي عليها، ولم يتغير فيها شيء إلا ما دعت إلى ذلك تعاليم الدين الإسلامي(33).
 واستمرت رحلته إلى ان وصل إلى مدينة أخلاط الشهيرة بخيراتها والقديمة بتاريخها، وحول رحلة ناصر خسرو إلى هذه المدينة، يذكرنا الباحث حكيم عبدالرحمن البابيري، بإنه تأتي اهمية روايات ناصر خسرو هذه من كونه قد قام بزيارة مدينة أخلاط، بَيْدَ ان مما يأخذ عليه في هذا المجال اكتفاؤه بتقديم معلومات وأوصاف محدودة جدا عن المدينة، وحيث ظهر خلال تلك الدراسة، عدم دقة بعض المعلومات(34). فيقول خسرو في رحلته عن مدينة أخلاط:” ومن هناك بلغنا مدينة أخلاط، في الثامن عشر من جمادى الأولى، وهي على الحدود ما بين بلاد المسلمين والأرمن. وبينها وبين بركري تسعة عشر فرسخاً. وعليها أمير اسمه نصر الدولة، نيف على المائة، وله أبناء كثيرون أعطى كلاً منهم ولاية. ويتكلمون ثلاث لغات. العربية والفارسية والأرمنية. وأظن أنها سميت (أخلاط) لهذا السبب، والمعاملة هناك بالنقود النحاسية ورطلهم ثلاثمائة درهم..”(35).
 تعد مدينة أخلاط من المدن الكوردية القديمة(36)، حدد موقعها بشكل دقيق المستشرق مينورسكي بإنها تقع في الركن الشمالي الغربي لبحيرة وان، وبذلك فإن مدينة أخلاط تقع في أرض منبسطة بين بحيرة وان شرقاً، وصحراء موش وبحيرة نازك غرباً، وفي منتصف الطريق بين جبل سيثان شمالاً وجبل نمرود جنوباَ(37). والامير نصر الدولة، تم تعريفه بصورة مختصرة، وهو ثالث أبناء مروان بن روشك مؤسس الاسرة الكوردية التي تحمل اسمه والذي حكم دياربكر والجزيرة (373- 487 هـ/ 983/1094)، ولي العرش سنة 402 هـ/1011م بعد موت أخويه، وكان في بدء ولايته تابعا للدولة البيزنطية، فلما دخل طغرل بيك الجزيرة سنة (446هـ/1054م)، أصبح نصر الدولة تابعا له وحكم إثنين وخمسين سنة وتوفي في سنة (43هـ/1061م)(38).
 وفيما يتعلق بتسمية المدينة ب(أخلاط- خةلات) حسب اعتقاد ناصر بأن الناس كانوا يتحدثون فيها بلغات ثلاث (العربية والفارسية والأرمنية)، وهناك من أكد بأنها مشتقة من خالدي لأن بناءها يرجع إلى عهد الخالديين، أما الرأي الثالث فيقول أن الكرد هم الذين بنوا خلاط، وإن إسمها كردي جاء من (خةلات) أي (مكافأة)(39).
 معاملات البيع والشراء كانت بالنقود منها الفضية والنحاسية، أشار خسرو إلى أن المعاملة هناك كانت “بالنقود النحاسية ورطلهم ثلاثمائة درهم”، بينما كتب الباحث عبدالرقيب يوسف في كتابه القيم حول العملة الدوستكية بأنها لم تصلنا من نقود لحد الآن سوى دراهم فضية، فضُربت النقود المختلفة في أوزانها وأحجامها وتواريخها لتكون العملة المتداولة من قبل ابناء الشعب حيث كان في البلاد عدد من دور الضرب، أي  الدور والمنشآت الخاصة بسك النقود. لقد سكّت الدولة الدوستكية النقود في عدد من المدن والأماكن وهي: يافارقين وآمد والجزيرة ونصيبين وخلاط ودنيسر وانبر(40).
 وبعدها توجه ناصر خسرو إلى مدن آخرى، منها رباط كروانسراي في تشرين الثاني من عام 1046م، فيقول فيها:” في العشرين من جمادى الأول غادرنا أخلاط، ونزلنا في رباط كروانسراي. كانت السماء تمطر ثلجاً، والبرد قارساً. وقد غرسوا في جزء من الطريق، عمداً ليسير المسافرون على هديها أيام الثلج والضباب”(41). كان خسرو على يقين بأن المسافرين كانوا يلاقون صعوبات في الطريق وخاصة أيام الشتاء لكثرة تساقط الثلوج،. لهذا كان موظفو البريد المشرفين عليه في العهد الدوستكي والعهود الآخرى، ينصبون أعمدة فيه ليهتدي بها المسافرون(42).   ومن كروانسراي وصل إلى مدينة بطليس، التي تقع في واد، وهي كانت مدينة مشهورة بجني العسل:” ثم بلغنا مدينة بطليس، وهي واقعة في واد، وقد اشترينا منها عسلاً، المائة (مَنّ) بدينار، وحسب ما باعونا. ويقال ان بها من يجني في السنة الواحدة ثلاثمائة أو أربعمائة جرة عسل”(43).
 كان النحل البري يوجد بكثرة في المناطق الجبلية الكوردية ذات الغابات الكثيفة، وكان يبني خلاياه في جذوع الأشجار وثقوب الصخور في شتى العصور. ولكن وجود ذلك النحل قلّ في الوقت الحاضر بسبب قطع الأشجار بكثرة من قبل السكان وبسبب جهل وطمع الذين يجنون العسل، إذ لايبقون منه شيئاً في الخلايا ليقتات عليه النحل شتاءً، مما كان يؤدي إلى موته جوعاً. أما النحل الداجن فكان منتشراً بكثرة، وكان الكرد يحصلون منه على كميات كبيرة من العسل يصدرونه إلى خارج بلادهم، وفي العهد الدوستكية كان كثيراً ورخيصاً جداً(44).
 وحول اسم مدينة بطليس، ورد اسمها في المصادر بصيغة مختلفة، فقد ورد بـ(بدليس) و(بتليس)، وبما ان أول بناء للقلعة تم على يد الأسكندر، لذا سماه مؤرخو العجم بـ(عاصمة الأسكندر). تصل حدودها من الجانب الشرقي إلى (تحت وان) وهي أماكن تصل إلى سواحل بحيرة (وان)، كذلك توجد في الجاني الشرقي، قلعة (وستان/ وسطان) الهكارية، ومن الشمال توجد (شيروان) ومن طرف القبلة تصل لحدود (هيزان)(45).
وبعدها خروج ناصر خسرو من مدينة بدليس، كتب بأنه رأى قلعة سميّت بقلعة (قف أنظر؟)، بعد التمعن في المصادر التاريخية والجغرافية، تبيّن بأنها من قلاع دياربكر(46)، وقبل رحلة خسرو بمدة من الزمن، كانت تحت سيطرة البطريق سروَرَنْد بن بولش، وهي تقع بين بدليس وأخلاط(47). الرباط الكروانسراي، وهي من ضمن (الخانات) التي شيد نصر الدولة عددا منها. وان الخان الذي نزل به ناصر خسرو، يقع في عقبة تطل على بحيرة وان عند بداية ممر بدليس الشرقية وكان يعرف بـ(دةشتا رةهوا). و(دةشت رةهوا) يقع بالقرب من نهاية الضلع الغربي لبحيرة وان حوالي ستة كيلومترات، كما انه يقع في شرقي مدينة بدليس بمسافة حوالي 13 كم، وهو صغير وعبارة عن عقبة. ولكنه مشهور بشدة البرد وكثرة الثلوج ولخطورة هذا المكان شيدت فيه منذ عصور الخانات ليلجأ اليها المسافرون والقوافل اثناء ايام الشتاء( 48).
 وحول بناء الرباط، وهو في الواقع رباط وجامع ومزار مشهور، ذكره خسرو بأن عويس (أويس القرني) بناه، الذي كان من الصحابة، ويذهب بعض المؤرخين الى إنه قتل في أرمينيا أو سجستان، ويذهب آخرون إنه مات في الصحراء بين المدينة ودمشق، وإن قبره في هذا البلد الأخير(49). وحسب اعتقاد الرحالة أوليا جلبي الذي زار المرقد، ان (أويس) هذا، ليس هو (أويس القرني)، الذي يوجد مرقده في مدينة (قرز) باليمن، أما هذا فهو من العباسيين، الذي تنازل عن خلافة الدنيا وأصبح خليفة للطريقة( 50).   ومن كروانسراي (دةشتا رةهوا)، توجه الرحالة ناصر خسرو إلى مدينة أرزن، فيصفها بأنها ” مدينة عامرة وجميلة، فيها أنهار جارية وبساتين وأشجار وأسواق جميلة، ويبيع البرسيون هناك المائة (مَنَ) عنباً بدينار واحد في شهر آذار، ويسمون هذا العنب رز أرمانوش”(51).
الفواكه كانت منتشرة في أكثر مدن كوردستان آنذاك، وكانت تباع بأسعار رخيصة من قبل البرسيين،. كما ان كثيراً من المؤرخين العرب قد استعملوا لفظ البرسي بدلاً من الزرادشتية في كتاباتهم، والبرسيين هم أتباع الديانة الزرادشتية في مدينة أرزن الكوردية وأطرافها، حيث حافظوا على ديانتهم رغم مرور خمسة قرون على انتشار الإسلام في المنطقة(52).   هذا يدل على ان الديانة الزرادشتية كانت منتشرة في الدولة الدوستكية، اما فيما تسمية العنب بـ(رَز أرمانوش)(53)، فقد علق على ذلك عبدالرقيب يوسف أنه من المحتمل هناك خطأ في تسمية العنب المذكور، لأن (رَز) الكوردية تعني بستان الكرم وليس بمعنى العنب، ويظن المذكور بأن (رز ارمانوش) هو إسم لبستان أو بساتين كروم معينة في أرزن (غرزان)، أما إذا كان حرف الباء من أصل الكلمة (برز) فإنها تعني بالفارسية بستان الكرم(54).
 ومدينة (أرزن) تقع على نهر دجلة على الضفة الغربية من روافد سربط بين ميافارقين وسعرد، حيث تبعد عن الأولى حوالي (42 كم) وفيها قلعة حصينة وعظيمة، وهي غير أرزن الروم، ويمكن أن نستدل من كلام ناصر خسرو، قدم تواجد الكرد في المنطقة(55).    واصل الرحالة الفارسي ناصر خسرو رحلته في بلاد الكرد، إلى ان وصل إلى مدينة ميافارقين، فيصفها بأنها كانت محاطة بسور عظيم من الحجر الأبيض:”  وانتقلنا إلى مدينة ميافارقين التي يفصلها عن أخلاط ثمانية وعشرون فرسخاً، ومن بلخ إليها، عن الطريق الذي إجتزناه، إثنان وخمسون وخمسمائة فرسخ. وقد دخلناها يوم الجمعة 26 من جمادي الأولى سنة 438 (30 تشرين الثاني 1046م)، وكانت أوراق الشجر حينئذ لا تزال خضراء. وميافارقين محاطة بسور عظيم من الحجر الأبيض الذي يزن الحجر منه خمسمائة (مَنْ). وعلى بعد كل خمسين ذراعاً من هذا السور برج عظيم من الحجر نفسه، وفي أعلاه شرفات وهي من الدقة بحيث تحسب إن يد بناء ماهر أكملتها اليوم.   ولهذه المدينة باب من ناحية الغرب، له عتبة عليها طاق حجري، وقد ركب عليها باب من حديد لا خشب فيه ويطول وصف مسجد الجمعة بها لو ذكرته، ولو إن صاحب الكتاب شرح كل شيء أتم الشرح*، وقد قال إن للميضأة التي عملت بهذا المسجد أربعين مرحاضا،ً تمر أمامها قناتان كبيرتان، الأولى ظاهرة ليستعمل ماؤها، والثانية وهي تحت الأرض لحمل الثقل وللصرف. وخارج هذه المدينة، في الربض، أربطة (كروانسراها) وأسواق وحمامات ومسجد وجامع آخر يصلون فيه الجمعة أيضاً. وفي ناحية الشمال سور آخر به مدينة تسمى المحدثة، بها سوق ومسجد وجامع وحمامات، وكل ما ينبغي لمدينة من مهمات. ويذكر اسم سلطان الولاية في الخطبة هكذا: الأمير الأعظم عز الإسلام سعد الدين نصر الدولة وشرف الملّة أبو نصر أحمد، وقد بلغ المائة من عمره، ويقال إنه حي. والرطل هناك أربعمائة وثمانون درهماً. وقد بنى هذا الأمير مدينة على مسافة أربعة فراسخ من ميافارقين سماها الناصرية ومن آمد إلى ميافارقين تسعة فراسخ”(56).   حول بناء مدينة ميافارقين وتسميتها، هناك عدة روايات، أهمها هي إن (ميا بنت أدهي) قد ساهمت في بناء خندق حول المدينة، لهذا سميت ب(ميا- فارقين)، حيث إن كلمة (ميا) جاءت من إسمها، أما كلمة (فارقين) فجاءت من كلمة (بارطين) او (بارجين) الفارسية بمعنى الخندق، ولهذا تكونت كلمة ميافارقين، ويرى ابن شداد أن (ميا) اسم الأودية وفارقين اسم امرأة بنَتها وتعني أودية فارقين، غير أن هناك من يرى ان اسمها ماء فارقين لأن المدينة تقع بين نهر دجلة وساتيدما (بطمان صو) حيث تفصل بين النهرين(57).
 تبين من رحلة خسرو بأنه كان قد إطلع على المباني الموجودة في المدينة من الجوامع والأسوار التي كان من الحجر الأبيض، بينما هناك نوع آخر من الحجر وهو النوع الأسود، في سور آمد، فيقول” وقد بنيت عمارات آمد كلها من الحجر الأسود، وإما ميافارقين فعماراتها من الحجر الأبيض “(58)، كما استعمل الحديد في الابنية وخاصة للأبواب، ويصف مسجد الجمعة، من حيث الميضأة والمراحيض وفيها قنوات الماء.
 ناصر خسرو لم يلتق بالأمير نصرالدولة ابو نصر احمد، لكن قال فيه:”وقد بلغ المائة من عمره، ويقال إنه حي”، الا ان ذكر إسمه في خطبة الجمعة، يعود إلى الخدمات التي قدمها الأمير إلى أهالي المدينة والمنطقة بصورة عامة من بناء وإنشاء البنايات والمباني العامة(59).
 (الربض) كمدينة، وصفها ناصر خسرو بأن فيها” أربطة (كروانسراها) وأسواق وحمامات ومسجد وجامع آخر يصلون فيه الجمعة أيضاً”.  تقع الربض في الزاوية الشمالية الغربية من السور مباشرة، وعلى جانبي مدخله حالياً برجان صغيران، كان من أهم أبواب المدينة ويواجه شمالاً المنبع الرئيس لفارقين. وكان فيها حمامان هما حمام جوزة وحمام حنباص، وكان بها مسجدان(60).   ومدينة (المحدثة)، لم يورد خسرو معلومات كافية عن المدينة، وهو يقول:” وفي ناحية الشمال سور آخر به مدينة تسمى المحدثة، بها سوق ومسجد وجامع وحمامات”(61)، وهي باب أرزن أو يسمونها باب المحدثة، يقع في غرب الركن الجنوبي الشرقي من السور بحوالي مائة متر، وكان الباب الرئيسي لمدينة ميافارقين، وحسب قول ابن حوقل ما يعلم منه إن فارقين كانت قبل العهد الدوستكي قليلة المنازل والسكان، حيث قال إن مدينة الجزيرة وافرة السكان، وليست كأرزن وميافارقين من خلو المنازل. وقد حصل ذلك التوسع شمالاً وجنوباً فأصبح كل من الربض والمحدثة كمدينة(62)، ولكن عندما زارها الاستاذ عبدالرقيب يوسف في سنة 1977، حيث كانت مدينة فارقين محصورة في حدود السور عدا جزء قليل من حدود الجانب الشرقي من السور. أما المحدثة والربض، فكانا خاليين من المباني السكنية ويتألفان من الأراضي الزراعية للبساتين والحبوب (63).
 وحول مدينة (الناصرية)، ورد في المصادر التاريخية بصيغة النصرية أيضاً، ونتفق مع رأي الاستاذ عبدالرقيب يوسف بأن إسمها هو النصرية نسبة إلى لقب الملك الدوستكي نصرالدولة أو كنيته أبي نصر الذي قام بإنشاء هذة المدينة(64).
 تقع المدينة على الضفة الشرقية من نهر باطمان الكبير، تضم القصور والأسواق والبساتين وأحواض المياه، فكان نصرالدولة يسافر في فصل الربيع سنوياً إليها مع نسائه وجواريه ومغنياته وغلمانه وأولاده وبني عمه وحراسه. كانت النصرية عاصمته الربيعية، فكان يجعل المسافة بينها وبين فارقين أربعة ايام، رغم كونها حوالي (25)كم، وذلك لأنهم كانوا ينتقلون من بقعة إلى بقعة ويقيمون في الفنادق والبنايات، التي شيدها نصرالدولة في الطريق، ليتمتعوا بمناظر الطبيعة والمروج الخضراء(65).
 وفي 22 تشرين الثاني 1046 توجه إلى مدينة آمد، فيصف الأحجار المستعملة ووزنها وارتفاع السور، والأبراج المشيدة حول القلعة وشرفاتها، ثم يتحدث عن أبواب المدينة التي تم صنعها من الحديد بدون أن يستعمل فيها الخشب، وعن قلعة مدينة أمد يقول بأنه رآى كثيراً من المدن والقلاع، ولكن لم يرَ قط مثل مدينة آمد من ناحية جمالها وعذوبة مائها، ثم تكلم عن المسجد والأعمدة التي نصبت في وسط الجامع، فكل عمود يتكون من قطعة واحدة.
 يقول ناصر خسرو في سفره عن مدينة آمد:” في السادس من شهر دي القديم (22 ديسمبر 1046) بلغنا آمد التي شيدت على صخرة واحدة طولها ألفا قدم وعرضها كذلك. وهي محاطة بسور من الحجر الأسود، كل حجر منه يزن ما بين مائة وألف مَن، وأكثر هذه الحجارة ملتصق بعضه بالبعض من غير طين أو جص. وارتفاع السور عشرون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع. وقد بني على بعد كل مائة ذراع برج نصف دائرته ثمانون ذراعاً، وشرفاته من هذا الحجر بعينه.
وقد شيدت في عدة أماكن داخل المدينة، سلالم من الحجر ليتيَسر الصعود إلى السور، حيث بنيت قلعة على قمة كل برج من تلك الابراج، ولهذه المدينة أربعة أبواب كلها من الحديد الذي لا خشب فيه، يطل كل منها على جهة من الجهات الأصلية. ويسمى الباب الشرقي باب دجلة، والغربي باب الروم، والشمالي باب الأرمن، والجنوبي باب التل. وخارج هذا السور سور آخر، من نفس الحجر، ارتفاعه عشر أذرع ومن فوقه شرفات فيها ممر يتسع لحركة رجل كامل السلاح، بحيث يستطيع إن يقف فيه ويحارب بسهولة.
 ولهذا السور الخارجي أبواب من الحديد شيدت مخالفة لأبواب السور الداخلي، بحيث لو اجتاز السائر أبواب السور الأول، وجب عليه اجتياز مسافة لبلوغ أبواب السور الثاني، وهذه المسافة تبلغ خمسة عشر ذراعاً، وتتوسط المدينة عين يتفجر ماؤها من الحجر الصلب، وهذا الماء من الغزارة بحيث يكفي لإدارة خمس طواحين، وهو غاية في العذوبة ولا يعرف أحد من أين ينبع. وفي المدينة أشجار وبساتين تسقى من هذا الماء وأمير المدينة وحاكمها هو ابن ناصر الدولة الذي مر ذكره.
 وقد رأيت كثيراً من المدن والقلاع في أطراف العالم، في بلاد العرب والعجم والهند والترك، ولكني لم أر قط مثل مدينة آمد، في أي مكان على وجه الأرض، ولا سمعت من أحد أنه رأى مكاناً آخر مثلها. ومسجدها الجامع من الحجر الأسود، وليس مثله متانة واحكام. وقد اقيم في وسطه أكثر من مائتي عمود من الحجر، كل عمود قطعة واحدة، وفوق هذه الأعمدة عقود من الحجر، وقد نصبت فوقها أعمدة أقصر من تلك. وجميع أسقف المسجد على هيئة الجملون، وقد كملت نجارة ونقارة ونقشاً ودهناً. وفي ساحته صخرة كبيرة عليها حوض كبير مستدير من الحجر، يبلغ ارتفاعه قامة رجل، ومحيط دائرته ذراعان.
وفي وسط الحوض أنبوبة من النحاس يتفجر منها ماء صاف، لا يظهر مدخله أو مخرجه. وبالمسجد ميضأة عظيمة جميلة الصنع بحيث لا يوجد أحسن منها، وقد بنيت عمارات آمد كلها من الحجر الأسود وأما ميافارقين فعماراتها من الحجر الأبيض”(66).  إن اسلوب المبالغة يسود الكتاب كله ولا يقتصر على وصف مدينة أمد وحده، فهو على وصف مصر وصيدا أيضاً يقول إنه لم ير مثلها على وجه الأرض(67).وعن مدينة (آمد) من الناحية التاريخية، أسس باز أبو شجاع بن دوستك الحكومة الدوستكية المروانية في آمد(دياربكر) سنة 350 هـ ليمد سلطاته على مناطق وان ونصيبين والموصل. وبعد قتله على أيدي الحمدانيين في الموصل، استمرت الحكومة الدوستكية بالرغم من تعرضها لهجمات القبائل العربية، حتى أسدل الستار عام 486هـ على يد فخرالدين بن جهير الذي عينه ملكشاه والياً على أقليم دياربكر(68).
     تنسب هذه المدينة حسب بعض الروايات إلى آمد بن البلندي بن مالك بن زعر لأنه اول من بناها، إلا أن هذا الرأي لا يثبت أمام النقد، لأنه مجرد مقولة وليس هناك ما يدعمها من الأسانيد التاريخية. إلا أن تحريات علماء الآثار أثبتت أنها مدينة قديمة جداً يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، فقد كانت موجودة في عهد الآشوريين حيث توجه إليها الملك الآشوري تيجلات بليسر سنة 1116 ق.م، وقد ورد أسمها عند الآشوريين بآمد(69).
وتحدث ناصر خسرو في مدينة آمد عن كنيسة بالقرب من المسجد، يصفها بأنها عظيمة وغنية بالزخارف:” وبالقرب من المسجد كنيسة عظيمة غنية بالزخارف مبنية كلها من الحجر وقد فرشت أرضها بالرخام المنقوش وقد رأيت فيها على الطارم وهو مكإن العبادة عند النصارى بابا من الحديد المشبك لم أر مثله في أي مكإن”(70).
 وهذا يدل على التسامح الديني منذ القدم في كردستان، وقد كان يجري الصلح بين المسلمين وأهل الذمة في اداء الجزية وفتحت المدن على أن لا تهدم بيعهم ولا كنائسهم داخل المدينة ولا خارجها، ويبدو أن هذا التسامح الديني كان سبباً كافياً وراء بقاء تلك المنشآت الدينية، واستمرارها في اداء وظائفها الدينية، والعلمية، والثقافية في المدينة الكردية(71).   ومدينة (حران) هي إحدى المدن التي زارها الرحالة ناصر خسرو في يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الآخر سنة 438 (28 تشرين الثاني 1046)، وتحدث عن الطرق المؤدية اليها، وهما طريقان، الأولى ليس فيها عمران وأبنية، والثانية بها قرى كثيرة تعود للنصارى، وهذا يدل على أن النصارى كانوا يعيشون هناك، يصف هواؤها كهواء خراسان أيام اعياد النوروز. يقول ناصر خسرو:”ومن آمد إلى حران طريقان، أحدهما لا عمرإن فيه وهو أربعون فرسخاً، والثاني به أماكن معمورة وقرى كثيرة معظم أهلها من النصارى وهو ستون فرسخاً، وقد سرنا مع القافلة في هذا الطريق، وكانت الصحراء غاية في الاستواء، إلا أن بها أحجارا كثيرة بحيث لا تستطيع الدواب أن تخطو خطوة واحدة من غير أن تعثر بحجر تحت حوافرها. وقد بلغنا حران يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الآخر سنة (28 ديسمبر 1046)، كان هواؤها في ذلك الوقت كهواء خراسان أيام النوروز(72).
 و(حران) مدينة تاريخية شهيرة، تقع في جنوب مدينة الرها (أورفا) بمسافة حوالي (30كم)، وقد اشتهرت بعلمائها الكثيرين واطبائها النطاسين الذين خدموا البشرية، منهم العالم الفلكي الشهير ثابت بن قرة. كما كانت مركزاً لعقيدة الصابئة إلى جانب شأن كبير سواء في الألف الاول قبل الميلادي أم في العهد الآشوري أم في العهود الأخرى الى القرن الثاني والثالث للهجرة، غير أنها فقدت اهميتها بعد ذلك، وهي الآن قرية من ولاية الرها(73).    الاستنتاج:
 رحلة ناصر خسرو للمناطق الكوردية، كانت شبه دراسة اجتماعية اقتصادية تراثية، من خلال الدراسة والبحث في رحلته وخاصة المناطق التي زارها، نستنتج منها عدة نقاط، وأهم الأستنتاجات التي تم التوصل اليها من خلال تلك الدراسة فهي:
أولاً: علماً ان النسخة الأصلية من رحلته لم تصلنا أو لنقل لم تترجم بصورة كاملة، ولا نعلم هل ان النسخة الأصلية وهو بالغة الفارسية لم تتوفر لدى المترجمين، أم ان الترجمة لم تكن دقيقة، أختصرها لأسباب لم نعرفها. نرى بأن هذا النص مختصر والدليل الذي بين أيدينا هو حول مسجد الجمعة في مدينة ميافارقين. ثانياً: ان ناصر خسرو كان أميناً في كتابة رحلته، إذا رأى شيئاً، رأى العين نص على ذلك نصاً، وإذا سمع عن شيء رواه وجعل العهدة على راويه. ثالثاً: أن العديد من المدن الكردية ترجع إلى فترة ما قبل الإسلام، فمنها: خلاط وبدليس وميافارقين وآمد وغيرها، وهناك مدن استحدثت بعد الإسلام منها: النصرية. رابعاً: ازدهار المدينة الكوردية من ناحية المرافق العامة كالجوامع والمساجد والرباط (الخانات) والأسواق، كانت من أساسياتها، لذا اهتم الامراء والحكام الكرد ببناء وتوسيع هذه المرافق، منها الاسواق الموجودة على الطريق النصرية وفي مدينة أرزن. خامساً: الاهتمام بالطرق الخارجية، مما ادى إلى إنشاء محطات تجارية على تلك الطرق، منها رباط كروانسراي. سادساً: استخدام عملات مخلتفة في تلك الفترة من حكم الدولة الدوستكية، منها: الرطل والدرهم والدينار. ودرج الاوزان والمقاييس المستعملة في تلك الحقبة من المزن، منها الفرسخ والقدم والذراع. سابعاُ: وصف المسالك والمدن والجوامع والسور بصورة دقيقة، وخاصة الحجر المستعمل في ابنية السور الخارجي لمدينة آمد والجوامع التي فيها. ثامناً: وجود البرسيون في مدينة (أرزن)، وهي على ان قسماً من سكان المدينة, أو أطرافها كانوا زردشتيين، لأن لفظ البرسي أو البرسيين كان يطلق على اتباع الديانة الزردشتية.
 

المراجع

موسوعة الجغرافيا دراسات وابحاث

التصانيف

تصنيف :الجغرافيا