كتب: د. علي بن عمر بادحدح
08 ديسمبر, 2010 - 2 محرم 1432هـ
 
في الحياة مواسم ، والموسم عادة ما يستكثر فيه من أمر نافع ومفيد، وربح مضاعف وكثير، وفي وقتنا هذا موسم من المواسم الكبرى ، لكنه – مع الأسف - موسم الخسائر العظمى، موسم تضيع فيه ثروات ضخمة هائلة، وتبدد فيه كنوز قيمة ثمينة، وتهدر فيه ثروات لا يمكن أن تقدر بثمن !

ليس حديثي عن الثروات الطبيعية ، كالبترول والذهب والمعادن ، ولا عن الأموال الطائلة ، إنما عن ثروة أخرى هائلة ، والعجيب فيها أنها مقسمة على الجميع بالتساوي ، فكل واحدٍ عنده نفس الثروة من الله سبحانه وتعالى نعمة وعدلاً !!
إنها ثروة الوقت ، العمر ، الزمان ، فلكل منا يوم من 24 ساعة ، وكما أنه ليس بإمكان أحد أن يسرق منك بعض هذه الثروة لينقصها عن هذا المقدار ، فليس بإمكانك – في المقابل – زيادتها ولو أنفقت ما أحببت أو أهداك إياها من أحبك !
والوقت قيمة عظمى أقسم بها الله سبحانه في كتابه كثيراً : (والعصر) (والضحى) (والليل) (والفجر) والله يقسم بالعظيم من مخلوقاته لفتاً للنظر إلى قيمتها وعظمتها.

وقال سبحانه وتعالى {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } [الفرقان : 61 ، 62] فقد وهبك الله الوقت أياماً ولياليَ ليكون لك فرصة لذكره وشكره وحسن عبادته ، لتستثمر الليالي فيما فاتك من العمل الصالح في الأيام ، والأيامَ فيما فاتك منها في الليالي ، لتعظم رصيد الحسنات ، وتستغفر عن الزلات.

ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول في حديثه الصحيح الموجز: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) .
وإذا أردت أن تفهم الحديث وتستوعبه فاضرب 24 ساعة في 365 يوماً لترى كم ساعة في عامك ، ثم اضربها فيما مضى من عمرك ، فتعلم أنها بالفعل مغبون فيها كثير من الناس ، أي أنهم يضيعونها ولا يستثمرونها فيما يعود عليهم بالنفع !
وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة عند البخاري في كلمات موجزة بليغة : (أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ 60 سنة) أي أقام الله عليه الحجة وقطع عنه العذر إذا أعطاه هذا العمر المديد ، بعين تبصر، وعقل يفكر ، ويد تتحرك ، وقدم تسعى ، وقلب يخفق ، وقوى هائلة ، وإمكانات كثيرة ، ونعم وفيرة ، ثم يضيع كل هذا سُدًى !! أفلا يكون حقا مغبوناً يعض أصابع الندم؟!
وتظهر الخسارة الكبرى يوم يقف المرء بين يدي الله عز وجل ليحاسب على كل تلك الأوقات ، فيسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ، فيصيح متحسراً نادماً : {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [الكهف : 49] !

وفي تحريض من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على استغلال هذه الأوقات والثروات يقول : (اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك) .
وهكذا عقلت أجيال الإسلام قيمة هذه الثورة فاغتنمتها :
فهذا ابن عمر يروي الحديث ثم يقول: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك)
وهذا ابن مسعود يقول: "إني لأمقت الرجل أراه فارغاً ليس في أمر دنيا ولا في أمر آخرة " .
والحسن البصري يقول : "يا ابن آدم إنما أنت أيام فكلما مضى يومٌ ذهب بعضك ، وقصر عمرك ، واقترب أجلك".

وقال بعضهم: "من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله - أي ورثه - أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه وظلم نفسه".
وأبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي يقول: "لا يحل لي أن أضيع شيئاً من وقتي فإن فتر لساني عن المذاكرة وبصري عن المطالعة أعملت فكري في حال راحتي فلا ينقضي الوقت وانهض إلا وقد خطر لي ما أسطره ".

وأختم هذه الوقفات بحديث تطول معه النظرات ، بل وتعظم الحسرات ، وتسكب العبرات ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما جلس قوم مجلساً فقاموا عنه من غير ذكر الله عز وجل إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة) فكم هي المجالس التي نقضي فيها أوقاتاً كثيرة وساعات طويلة ليس لنا فيها حظ من ذكر الله عز وجل ، وينفض المجلس ويودع بعضنا بعضاً بابتسامة عريضة ووعد إلى لقاء آخر ، ولو تفكرنا كأن بيننا جيفة حمار ، وأن هذا المجلس سيكون حسرة علينا يوم القيامة - كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم - لما أضعنا فيه تلك الأوقات ، ولعمرنا فيه الساعات ، بل الأنفاس واللحظات.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بما ينفعنا في ديننا ودنيانا ، وأن يغفر لنا ما أضعنا من أوقاتنا ، وأن يوفقنا لطاعته فيما بقي من أعمارنا 

المراجع

hugedomains.com

التصانيف

ثقافة   العلوم الاجتماعية