تؤكّد كافة اشكال الادلّة المادية التي كشفت عنها اعمال التنقيب في المواقع المختلفة من الخليج العربي، مع الاشارات الواردة في الكتابات المسمارية، اهمية هذا الجزء الحيوي من منطقة الشرق الادنى القديم بصورة عامة والمنطقة العربية بشكل خاص. وقد برزت هذه الاهمية حديثا اكثر مما كان متصوَّرا في السابق لدى الباحثين خلال القرن الماضي، لذا يمكن القول ان عظمة الخليج العربي ودوره الحضاري العالمي، استمرّ في النشاط نفسه الذي عُرف عنه منذ بزوغ فجر الحضارة على شواطئه الغربية وجزره مرورا بفترات التاريخ المتعاقبة.
وحتى عندما حدث تغير في اقتصاديات منطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية ـ وتحديدا خلال منتصف وأواخر الالف الثاني قبل الميلاد ـ من الاعتماد على التجارة البحرية ومتطلّباتها الى اعتماد التجارة البريّة بما فرضته من مظاهر جديدة اتسمت بها عموم منطقة الجزيرة العربية، فإن الخليج العربي باسمه وهويته العربية ظل محافظا على تلك المكانة.
لقد ساهم الانسان الخليجي بمبتكراته الحضارية المحلية او الوافدة اليه من حضارة بلاد الرافدين في تعزيز وديمومة دوره الحضاري، حيث عمل على تدجين ومن ثم تربية الماعز والضأن وانواع اخرى من الماشية خلال الالف الثاني قبل الميلاد، وقد اكّدت ذلك التنقيبات الحديثة في اكثر من موقع في الخليج العربي، وخصوصا الادلّة الحديثة لموقع "سار" ( Saar ) في البحرين. كما زرع القمح وانواعا اخرى من الحبوب بشكل واسع، مع الإبقاء على اشجار النخيل المعروفة سابقا، خاصّة في مناطق الساحل الشرقي للجزيرة العربية، والتي عُدَّت منتجاتها ذات اهمية كبيرة كمصدر مهم للغذاء قديما وحديثا. ومما عزز المكانة الاقتصادية في مجال الزراعة، اكتشاف نظام الأفلاج لنقل المياه من الطبقات الصخرية المائلة الى الجنائن عبر قنوات، وقد ساعد ذلك على التوسّع في ريّ الاراضي الزراعية، ونجم عنه توجُّه حقيقي للاستيطان عبر اراضي شبه جزيرة "عُمان" و"الامارات" بشكل خاص. وكان لواسطة النقل المتمثلة بالجِمال دور رئيس في ازدهار الحضارة، فقد تمكن الانسان الخليجي من ترويض الجمل منذ فترة مبكرة من الالف الثاني قبل الميلاد إن لم نقل قبل ذلك بكثير والذي اكتُشفت آثاره المادية والفنية في مناطق متعدّدة من الخليج العربي ومنها "تل ابرق", في امارة "ام القوين" في دولة الامارات العربية المتحدة وجزيرة "ام النار"، حيث تمّ اكتشاف ما يقرب من مئتي جزء عظمي شملت عظام لجِمال بالغة وفتية وحديثة الولادة، كما تم تصويره عدّة مرات في قبور الجزيرة, وكان ذلك فاتحة لإمكانيات جديدة في مجال النقل البرّي لِما عُرف به الجمل، من قابليته لتحمُّل العطش والسير في الاراضي الرملية والصحراء لمسافات بعيدة.
لقد امكن تعقُّب جذور العمليات التي شكلت مجتمعة وساهمت في ظهور حضارة الخليج العربي بفضل نتائج التنقيبات الحديثة، حيث تبين ان لمنطقة الخليج العربي شأنا لا يقل عن مكانة حضارة بلاد واديي الرافدين والسند، بل كان الخليج حلقة الوصل بينهما.
وفي ضوء ما سبق، علينا ان نحدق بعمق لمعرفة هوية ذلك الانسان الخليجي الذي عرفت جغرافية ارضه واسمه انتماءً حضاريا لا يدع مجالا للشك في ان اسم الخليج وهويته العربية من بين الحقائق الجغرافية واللغوية التي لا مناص من ذكرها ليطلع عليها المتخصصون او غيرهم من الراغبين في معرفة الحقيقة التاريخية من وجهة نظر ثقافية، والتي سوف نعرض لها في دراستنا هذه.
( الفصل الأول ) : الطبيعة الجغرافية والاستيطان في الخليج العربي :
ليس من السهل فهم التاريخ الحضاري لأية بقعة جغرافية او اي بلد من البلدان من دون دراسة الموقع الجغرافي، والبيئة الطبيعية، وتفاعُل الانسان معهما، نظرا لما لهذين العاملين ( البيئة والموقع ) من تأثير مباشر في سير الاحداث السياسية والتاريخية لأية منطقة، ونخص بالذكر هنا، منطقة الخليج العربي بساحله الغربي ومنطقة شرق الجزيرة العربية وساحل خليج عُمان، وهي منطقة تتسم بأنماط ديمغرافية مستقلة فريدة من نوعها، خاصة عندما نقارنها بالساحل الشرقي للخليج، مع الأخذ بعين الاعتبار جوانب الديناميكيات الداخلية لكل اقليم على جهة.
( البيئة الطبيعية ) :
ان البيئة الطبيعية ( البيئة الجغرافية ) بما تشتمل عليه من موقع ومناخ وتضاريس وموارد مائية تشكل واحدة من اهم العوامل الفعّالة والمؤثرة في تحديد مسار الاحداث التاريخية وطبيعة الاحوال الاقتصادية والاجتماعية ( الا انه ليس من الصواب جعل موضوع البيئة وبالتحديد البيئة الجغرافية العامل الاساس في سير الحضارة والتاريخ )، بل ينبغي على الباحث ان يضع في حسابه اثر العوامل الجغرافية في حياة الانسان، وهذا يعني ان البيئة الطبيعية تساهم بشكل فاعل في نشأة الحضارة، دون اغفال دور الانسان وابداعاته الفكرية وجهوده الفعلية وصبره وكفاحه.
وفي ضوء ذلك فإن قيام الحضارة هي نتاج تفاعل الانسان مع البيئة الطبيعية وقدرته على تسخيرها واستغلال امكاناتها لمصلحته. حيث كان للموقع الجغرافي اثره البارز في تاريخ الانسان واتصالاته مع بني جنسه في المنطقة الجغرافية الواحدة من جهة، او مع غيرهما من مواطن الحضارات المجاورة من جهة اخرى. وكان للطقس والمناخ اثر مهم في تحديد هوية اقتصاد البلد، كما برز دور الممرات المائية، لاسيما بين الخليج العربي جنوبا ثم عبر مياه نهري"دجلة" و"الفرات" شمالا، بمثابة جسر يوصل بين طرق المواصلات البحرية في جنوب آسيا مع طرق المواصلات البحرية في جنوب اوربا عبر البحر المتوسط.
ومن الجدير بالذكر ان الاقسام الجنوبية من بلاد الرافدين ـ والتي سميت في تاريخ العراق القديم "سومر"، تمتد جغرافيا من جنوب بابل الى رأس الخليج ـ تشكل امتدادا طبيعيا لمنخفض الخليج العربي وتتأثر به طبيعيا ومناخيا، بدليل ان الدراسات الجيولوجية لقاع الخليج العربي ترى ان الوقائع الجيولوجية التي تعرّض لها الخليج تركت اثرها واضحا على الاقسام الجنوبية للعراق، كما تعزز الناحية الجغرافية والبيئية المشتركة للعراق والخليج باعتبارهما يتجاوران في ارض واحدة متشابهة في خصائص اقليمها ونشاط سكانها وارتباطهما الحضاري منذ الالف الرابع قبل الميلاد، ففي حدود منتصف الألف المذكور شهدت مياه الخليج ارتفاعا في مناسيبها، بسبب ذبذبات مناخية عالمية، وبالتالي تسببت نسبة المياه المرتفعة في الخليج في غمر مساحات من الاقسام الجنوبية الغربية للعراق، وقد اتاحت هذه العملية فرصة الاتصال الاوثق فيما بينهما، استمر وبحجم اكبر في الفترات اللاحقة التي اعقبت الغمر.
ان الحديث عن جغرافية وتاريخ الخليج العربي واستيطان الانسان وتكوُّن المجتمعات الحضارية على شواطئه يتطلّب مسح الطرق البحرية ومعرفة المواقع التجارية المناسبة في كلا الساحلين، اي مواقع الموانئ التجارية التي كانت باكورة قيام المدن الساحلية على الخليج العربي، لأن النقل البحري خلال عصور ما قبل الميلاد كان يمر عبر الطرق البحرية الساحلية اكثر من الطرق البرية، خصوصا في الالفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد، وهذه الحقيقة تجعلنا نطرح السؤال التالي:
على ايّ شاطئ استقر الانسان وانتسب وارتبط اسم وجغرافية الخليج به.. الشاطئ الغربي ام الشاطئ الشرقي للخليج؟
للاجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من ان نستعين بدلائل جيولوجية حديثة ودلائل اثرية مادّية وكتابات قديمة معاصرة لتلك الفترات الموغلة في القدم والتي صاحبت اول استيطان للانسان في الخليج او الفترات اللاحقة لها، ويمكن طرحها على النحو التالي:
1 ـ اكّد الجيولوجيون المعاصرون ان الشاطئ الشرقي للخليج العربي قد تغيّر قليلا عما كان عليه منذ اكثر من ستة الاف سنة خلت، ورغم هذا التغيير فإنه حتى وقتنا الحاضر لا توجد هناك موانئ مميزة على الشاطئ، خصوصا على الساحل المقابل لشرق العربية السعودية والبحرين اضافة الى عدم وجود مواقع استيطان ساحلية من فترة تسبق الالف الثاني قبل الميلاد، وحتى إن وُجدت في فترات لاحقة في اقصى الجنوب من الساحل الشرقي للخليج، فإنه لا يمكن الكشف عنها، باعتبار ان المواقع القديمة تقع الآن تحت مياه الخليج او داخل اليابسة، لذلك تبدو غير موجودة في كلا الجهتين، كما انه لم يتمّ العثور عليها حتى في المواقع البعيدة نسبيا عن الشاطئ, بيد ان الاعمال الجيولوجية الحالية في الشاطئ الغربي للخليج اظهرت وجود ترسبات سريعة ومكثفة، وهذا يعني ان الشاطئ للارض الرئيسة قد اتجه باتجاه البحر نحو 5 كم على الاقل خلال الـ4000 سنة الماضية، وفي اماكن اخرى تصل الى 20 كم، مما يعني ان الملاحة في فترات قبل الميلاد بين الجُزُر والخط الساحلي للارض اليابسة، كانت اكثر عمليّة مما هي عليه اليوم حتى بالنسبة الى القوارب ذوات الحجم المعقول، خاصة وان اكثر المرافئ الاساسيّة على السواحل الغربية للخليج ليست بعيدة عن الشاطئ، وليست مقتصرة على الجُزُر الرئيسة.
ان المعلومات التي توصّلت اليها جميع المسوحات الجيولوجيّة منذ بداية القرن المنصرم وحتى الوقت الحاضر تذكّرنا نتائجها بالحملات التي قام بها اليونانيون خلال القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، فقد اكّدت جميعا اهميّة الساحل الغربي في الملاحة مقارنة بالساحل الشرقي, والذي لم تسر بمحاذاته قديما سوى رحلة بحرية وحيدة، تتمثل في ابحار قوّات "الاسكندر المقدوني" في طريق عودتها من بلاد السند الى العراق، وهي الرحلة التي واجهت صعوبات كثيرة، بدليل ان حملات الاسكندر الاستكشافية اللاحقة في مياه الخليج العربي، سلكت باستمرار الطريق الساحلي الغربي، وهو الطريق التقليدي الذي نشط عليه العراقيّون والخليجيون القدماء منذ فترات تاريخية مبكرة من الألف الرابع قبل الميلاد.
2 ـ استواء سطح الساحل الغربي للخليج منذ تكوينه وتحوّله الى سهل تحتاني، امّا في الجانب الشرقي فتوجد فيه سلاسل جبال "زاغروس" العالية, والممتدة من الشمال الغربي الى الجنوب الشرقي ويبلغ طولها نحو 620 ميلا وعرضها 120 ميلا ويتراوح ارتفاعها بين 32801 و5570 قدماً، وسلسلة جبال "مكران" الوعرة في جهة الجنوب، اضافة الى سلسلة جبال "البرز" من الشمال، واعلى جبل فيها هو جبل "دماوند" الذي يبلغ ارتفاعه 19000 قدم، وبهذا لم يتبقَّ الا الهضبة التي حُصرت فيها حياة الانسان واستيطانه في ايران والتي تحدها سلاسل الجبال، خاصة من جهة الغرب والجنوب الغربي بمحاذاة ساحل الخليج، والتي كانت سببا في عدم استيطان الانسان واستقراره على سواحل الشاطئ الشرقي للخليج.
بينما تنعدم في الساحل الغربي السلاسل الجبلية ما عدا بعض المرتفعات المتناثرة والتي أُطلق عليها مجازا اسم الجبال، وابرزها "الجبل الاخضر" في "عُمان"، اما تلك المنافذ الطبيعية التي تخترق سلسلة جبال "مكران" في الساحل الشرقي للخليج فإنها قليلة وحديثة الظهور في الوقت نفسه،كما انها تفتقر الى وجود مراسٍ طبيعية للسفن او موانئ تؤسس لقيام مدينة مهمة، باستثناء مدن وموانئ "بندر عباس" والتي تقع في اقصى جنوب الساحل الشرقي للخليج العربي والمطلّة على مضيق "هرمز".
3 ـ قدّمت اقسام السواحل الغربية والجُزُر القريبة منها دلائل للاستيطان وبزوغ فجر الحضارة منذ الالف الرّابع قبل الميلاد- إن لم يكن اكثر من ذلك- على طول الساحل الغربي للخليج من "فيلكا" في الكويت شمالا وحتى موقع "رأس الجنيز" في عُمان جنوبا، في حين لم يُكتشف الى الآن، من حيث العدد على امتداد الساحل الشرقي او الجُزُر القريبة منه، اية معالم استيطانية قديمة مميزة على الاطراف الشرقية للخليج قياسا بالغربية.
وحتى مجاري الانهار ومصباتها التي تُستخدم للملاحة ويكثر فيها الاستيطان والتي كان من المفترض ان تلعب دورا مهما في الملاحة البحرية القديمة ومن بينها نهر "الكارون" ـ اقرب مجاري الانهار الى الساحل الشرقي للخليج ـ فإنه غير صالح للملاحة الى ابعد من 70 كم من مصبه الحالي، في حين ان مجرى نهري "الفرات" و"دجلة" اللذين يُعَدّان المكمّلين الرّئيسين للمسيرة البحرية الى الخليج العربي عبر وادي الرافدين، والقريبين من الساحل الغربي للخليج، ويُعَدّان من بين اكثر الممرات المائية التي ساهمت في تطور النشاط التجاري ليس بين العراق والخليج فحسب، بل بين مناطق الخليج وسواحل البحر المتوسط الشرقية خصوصا مع نهر الفرات الذي تبدأ السفن الخليجية في الولوج فيه عند مصبه في الخليج وصولا الى اعاليه عبر مناطق سورية القديمة، حيث يقترب كثيرا من السواحل الشرقية للبحر المتوسط التي لا يبتعد عنها سوى بضع كيلومترات عبر طريق بري.
4 ـ تؤدّي مناطق إرساء القوارب والسفن القديمة دورا رئيسا في تسهيل مهمة الإرساء، فاختيار السواحل التي تكثر فيها مناطق الإرساء التي تسمى بالاخوار او التعاريج والخلجان والالسنة البحرية، تشكل مراسي للسفن، وهي بالتالي عبارة عن السنة من الخليج تتوغل في الارض الساحلية وتمتدّ مخترقة اليابسة مئات الامتار، ونجدها في اكثر من مكان في الساحل الغربي للخليج، حيث تتوفر في مواقع "جبايل" و"رأس المشعاب" على طول ساحل دولة "قطر" شمالا باستثناء "الدوحة" و"سلوى"، وجنوبا حتى مضيق"هرمز" عند رأس خليج عُمان. ومع مرور الزمن اصبحت تلك المراسي مستوطنات حضارية متميزة على طول الساحل الغربي للخليج العربي وجنوبا حتى ساحل عُمان.
وهذا يعني ان السفن القديمة المبحرة من جنوب العراق الى سواحل "الهند"، قد انتقلت متّبعة الساحل الغربي حتى مضيق "هرمز"، ثم تدور حول ساحل "مكران" و"سوتخاكوه" و"لوثال".
5 ـ اهميّة الساحل الغربي للخليج العربي الممتدّ من جنوب العراق حتى الساحل الغربي لخليج عُمان مرورا بجزر "فيلكا" و"البحرين" في توفّر عيون المياه العذبة والمناطق الخصبة مع اعتدال في درجات الحرارة، والاكثر من ذلك ضحالة مياهه وهدوء امواجه قياسا بما يتصف به الساحل الشرقي من عمق مياهه التي تصل الى 100 م عند الاطراف، مع انعدام المياه العذبة على امتداده وفي الجزر القريبة منه.
6 ـ ان الادلّة على استعمال الطريق الملاحي البحري الغربي للخليج، يُستدلّ عليها من تجارة السومريين والاكاديين من جهة، والمجانيين والدلمونيين من جهة اخرى، سواء ما ذُكر في النصوص المسمارية، ام بالمعلومات الغنية التي اظهرتها نتائج التنقيبات في كل من جزيرة "البحرين" و"فيلكا" على الساحل الغربي للخليج.
وفي ضوء ما سبق يبدو الذراع البحري للساحل الغربي للخليج متمتعا بأهمية لا يمكن ان تقارَن بميزات الساحل الشرقي، ولا يخفى ذلك على الجيولوجي او الاثري او المؤرّخ او الجغرافي او التاجر او السياسي، ومن المعروف ان اهمية الخليج العربي هذه، وباعتباره المسلك الرئيس الذي كان يربط بين الغرب والشرق، قد تشكّلت عليه بداية المعالم الحضارية في العالم القديم، فكان ممرّه البحري لساحله الغربي العربي وارتباطه بجنوب بلاد الرافدين التي تطلّ على رأسه الشمالي، وما تسوده من نشاطات تجارية وملاحية، في تنافس شديد مع الممرّ البحري الآخر الذي يقع غربه، وهو البحر الاحمر، بيد ان مجريات الاحداث التاريخية والتجارية القديمة ترجّح ان السبق كان للخليج العربي, وتأثيره واهميته يتعلّقان بالدرجة الاولى بسكّان العراق والخليج القدامى الذين انجبوا عددا من التكوينات السياسة والحضارية كالسومريين والبابليين والاشوريين والمجانيين والدلمونيين، وكان يعمل كل هؤلاء باستمرار على تنشيط الحركة التجارية في الخليج العربي لاحتياجهم الى تصدير ما تنتجه منطقتهم من بضائع وسلع، الى جانب حاجتهم الى استيراد سلع اخرى مهمة لتنمية نهضة سكان الخليج من جهة، وسكان بلاد الرافدين من جهة اخرى. , (الإنسان والاستيطان الخليجي ) :
اتسمت منطقة الخليج العربي بالطابع المحلي في بيان هويتها الحضارية نتيجة لظروفها البيئية، التي سادت خلال استيطان واستقرار الانسان الخليجي الاول، مع تأثرها الواضح بالطابع الوافد من بلاد الرافدين، وكان لذلك كله بالغ الاثر في نشأة مراكز حضارية على طول ساحل الخليج العربي الغربي والجُزُر الموجودة فيه من "فيلكا" و"تاروت" و"البحرين" الى"ام النار" و"البريمي" وصولا الى ساحل "عُمان" الشرقي. لذا فإن التحديد الزمني الذي يمكن الاستناد اليه في معرفة تكّون المجتمعات الحضارية الخليجية ونواتها السياسية هو ما يتصل بحضارات جنوب العراق من سومريين واكاديين، والتي يمكن ترتيب المسيرة التاريخية للخليج العربي على ضوء تاريخها السياسي والحضاري المحدد وفق مقياس المخلفات الاثرية والنصوص الكتابية، خاصة ما يتعلق منها بفترات ما قبل الكتابة وظهور اولى الشواهد الكتابية من خلال النصوص المسمارية مع بداية الالف الثالث قبل الميلاد. ولأن مراكز حضارة جنوب العراق تكاد تكون متطابقة ومترابطة في تراثها الاثري، على عكس المراكز الحضارية الخليجية التي تتفاوت في تراثها كما ونوعا ابتداء من الالف الرابع قبل الميلاد. على الرغم من استمرار العطاء الاثري من فترة العصر الحجري القديم وحتى اواخر الالف الثاني ما عدا "مواقع قطر" فإن التقويم التاريخي سيقارن مع فترة بداية الاستقرار في جنوب العراق، وهي الفترة المعاصرة لحضارة عُرفت بحضارة "العُبيد" الثاني، اي نحو 4400 ق.م، بالنسبة الى الساحل الغربي من الخليج (منطقة شرق الجزيرة العربية)، يليها بعد ذلك منطقة "الامارات العربية" ثم "البحرين" فـ"الكويت". أما ما يخص بداية العصور التاريخية، فيمكن القول انها تحققت في مواقع "القلعة" و"باربار" في "البحرين" و"تاروت" في شرق الجزيرة العربية، و"فيلكا" في "الكويت"، و"ام النار" و"البريمي" في دولة "الامارات"، ومواقع قرى الوديان والساحل الشرقي في شبه جزيرة "عُمان".
استيطان إنسان الخليج الأول:
ان انتشار مئات المستوطنات القديمة على امتداد ساحل الخليج الغربي والجُزُر، يؤكد توفر الظروف البيئية الملائمة لمعيشة الانسان وتطوره، التي تشكلت على اساس الخبرة المتفاعلة مع البيئة و المحيط لانسان الخليج، خصوصا اذا عرفنا ان انسان الخليج لا يقل حضاريا عن انسان الحضارة السومرية المجاورة وللفترات الزمنية نفسها تقريبا، وتتواجد مواقع مستوطنات الخليج العربي في العصور الحجرية عند الحافات الصخرية للشاطئ او للجُزُر، او حول ينابيع المياه العذبة او في اطراف بقايا البحيرات القديمة، التي تُشكل قيعانها اليوم اراضي ملحية تُعرف محليا في مناطق الخليج بـ"السبخات"، و من المرجح ان الكثير من مواقع العصور الحجرية مختفية تحت الرمال، فالمعروف علميا ان الخليج يُعَد جزءا مكملا لارض الجزيرة العربية، وبالتالي فإن الشكل الصحراوي للارض والمتميز برماله المتحركة يُعَد ظاهرة طبيعية، وخاصة ما يأخذ منها شكل كثبان رملية، تؤكد الدراسات الجيولوجية انها ذات تكوين حديث.
ومن بين اهم مواقع الاستيطان المشترك بين جنوب العراق والخليج، مواقع الاستيطان العُبيدي، فمن مواقع "اور" و"اريدو" و"الوركاء" ومواقع في اعالي "الفرات" اكتُشف فخار "العُبيد" الذي يعود تاريخه الى سنة 4000 ق.م، وفي الخليج تزيد مواقع "العُبيد" الاستيطانية على اكثر من اربعين موقعا في الساحل الغربي ما بين جنوب حدود" الكويت" شمالا وحتى شبه جزيرة "قطر" جنوبا، وفي مناطق اخرى بعيدة عن الساحل، وبذلك يمكن حصر مواقع "العُبيد" بمساحة قُدرت من الشمال الى الجنوب لبلاد الرافدين والخليج بنحو 650 كم، يتطابق فخارها من حيث الصناعة واللون والزخرفة مع فخار موقع "العُبيد" جنوب العراق.
وفي الخليج العربي تحديدا نذكر مواقع عديدة اهمها موقع شمال مدينة "الظهران"، وموقع في الساحل الغربي لشبه جزيرة "قطر"، وموقع "المرخ" في البحرين، ومواقع عديدة لا تزال تنتظر معاول المنقبين، وتضم كل هذه المستوطنات لُقى اثرية تدل على حياة استيطان واستقرار، منها كميات كبيرة من الاصداف، آلات حجرية مختلفة، فخار عُبيدي ملون، اجزاء من مطاحن حجرية، كِسَر من شرائح طينية على احد وجهيها طبعات قصب، آلات رؤوس سهام من حجر الصوان وغيرها من المكتشفات، كل هذه المكتشفات تدل على استيطان الانسان وتطور اتصالاته مع المناطق الحضارية المجاورة، والاستفادة مما توفره الطبيعة من غذاء، خصوصا مع اكتشاف اصداف اللؤلؤ والعديد من الآلات الحجرية الصغيرة في مواقع متعددة، منها موقع "ابو خميس" على الساحل شرق العربية السعودية.
اما المستوطنات العُبيدية البرية بعيدا عن الساحل، فيبدو انها كانت تمارس صيد انواع من الحيوانات البرية، حيث تكون قيّمة للمبادلات التجارية، كما يُحتمل انها لعبت دورا في تجارة بعض المعادن والاحجار، ومن بين اهم هذه المواقع موقع "واحة جابرين" التي تبعد عن الساحل نحو 300 كم.
ان ما يسهِّل قيام وحدات استقرار واستيطان حضارية على ساحل الخليج العربي الغربي تميُّز شواطئه الغربية بامكانية قيام مستوطنات فيها، وذلك لعدم وجود موانع بين الساحل واليابسة، وقد اتاحت هذه الخاصية، بالاضافة الى خواص اخرى، فرصة ازدهار خطوط الملاحة الساحلية الغربية، وشجعت على قيام المستوطنات التجارية والملاحية على امتداد السواحل الغربية للخليج، وقامت عدة مراكز من الاستيطان منذ اقدم العصور الحجرية وتطورت قدرتها وامكانياتها مستفيدة من البحر وشؤونه، ومنها مستوطنات ساحلية واخرى على الجزر المتناثرة على مقربة من الساحل، حيث كشفت التنقيبات العديد من المستوطنات التي تعود الى العصر الحجري الحديث في المنطقة المحصورة بين حدود "الكويت" الجنوبية شمالا والى ساحل "الامارات العربية" و"عُمان" جنوبا. كما اثبتت نتائج التنقيبات تشييد سكان الخليج العربي منذ فترة العُبيد ( خلال الالف الخامس والرابع قبل الميلاد )، بيوتا من القصب مُلّطت من الخارج بطبقة من الطين. وهذا يماثل ما هو عليه الحال في ابنية القسم الجنوبي من العراق في تلك الفترة التي لا تزال حتى الآن في منطقة الاهوار. وان عدم عثور المنقبين في المواقع العُبيدية الخليجية مثل "ابو خميس" و"الدوسرية" في شرق الجزيرة العربية، على دلائل لاستمرار الاستيطان للفترة الزمنية التي اعقبت فترة العُبيد مباشرة، تقدم دليلا ماديا لعدم وجود سكن دائم ومتطور، فليس هناك ابنية معمارية كاملة، كما لم تُشخَّص طبقات اثرية تضم استيطانا واسعا، وبذلك تكون النتيجة المنطقية ان الاستيطان كان موسميا لفترات محدودة قد تكون مرتبطة بالجوانب الاقتصادية او المتغيرات البيئية والطبيعية وما يتصل بهما، بينما لا ينطبق ذلك على مواقع اخرى في كل من جزيرة "البحرين" و"قطر" وساحل "الامارات العربية" وصولا الى سواحل "عُمان" وبرّه، من حيث استقرار الانسان واستيطانه.
وفي ما يخص منطقة شبه جزيرة عُمان فإن التاريخ البشري العُماني يبدأ منذ العصور الحجرية، وذلك ان تاريخ اول نشاط زاوله الانسان في هذه البقعة من ارض الخليج يعود الى نحو 30 ألف سنة قبل الميلاد، اما اول دليل على النشاط الحياتي فمنذ عشرة الاف سنة مضت، فقد كانت حدود الصحراء الكبرى العربية على الجانب العُماني اقل جدبا، خاصة مع توفر المياه التي اتاحت الحياة للصيادين، كما تشهد بذلك الآثار التي تركها اولئك السكان في المناطق التي استوطنوها. وقد دلت الكشوف الاثرية على وجود مواقع تعود الى العصر الحجري الحديث، وكانت الملتقَطات عبارة عن شظايا معمولة من حجر الصوان، ورؤوس السهام وشفرات حجرية، تشبه تلك التي عُثر عليها في المواقع البحرية في "البحرين" و"قطر"، وقد كشفت لنا ادلة التنقيبات الاثرية الحديثة في مواقع سلطنة عُمان عن مجموعة من الحبوب الغذائية، وفي مقدمتها القمح والشعير، مع ادلّة تدجين الحيوانات ومنها الاغنام والماعز, ومن بين هذه المواقع موقع "رأس الحمراء"، والتي تعود الى الفترة المحصورة ما بين 4500 ـ 3800 ق.م، دلت على ان عظام الحيوانات ترجع الى فترة تسبق ما اقتُرح سابقا، مع دليل اكتشاف زراعة لنبات يشبه الذرة، عُرفت زراعته مع نهاية الالف الخامس وبداية الالف الرابع قبل الميلاد في الموقع اعلاه, ولا يبدو هذا الامر غريبا، لاسيما اذا عرفنا ان انسان عُمان على طول المنطقة الواقعة ما بين واحة "البريمي" شرقا الى حدود منطقة "صحار" في السهول المطلة على مسقط استقر في مستوطنات زراعية متطورة سواء في الجبال ام الوديان، حيث كانت له اساليبه في حجز مياه الوديان لتوسيع رقعة الاراضي الزراعية، ويشهد على تطور معيشتهم واقتصادهم عددٌ من المباني العامة المبنية من الحجر المهندم، ثم يبرز لدينا ومنذ اواخر الالف الرابع وبداية الالف الثالث قبل الميلاد جانب مهم لسكان هذه المستوطنات، هو اهتمامهم باستخراج النحاس، الذي اصبح فيما بعد العنصر المهم في اقتصاد المنطقة ككل، واشتهرت به حضارة بلاد "مگان" ( عُمان ) بكاملها لاسيما في تجارتها البحرية على طول الساحل الغربي للخليج العربي وصولا الى موانئ جنوب العراق خلال الالف الثالث قبل الميلاد، وقد اكدت هذه الحقيقةَ العديدُ من الكتابات المسمارية التي تذكر صلات مدن العراق، ومنها العاصمة "اكاد"، مع المراكز الحضارية في الخليج العربي (مگان ودلمون) والمركز الحضاري في بلاد وادي السند ( ميلوخا ).
المراجع
موسوعة الجغرافيا دراسات وابحاث
التصانيف
تصنيف :جغرافيا