"من قال لك أنني أريد أن أكبر"
أجابها بعينيه الشاردتين يمنة ويسرة...وفمه الضاحك بلا أي صدى في أعماقه المتصحرة من معنى لوجوده هنا في هذه الحياة...أو على قارعة طريقها... حيث يسترزق تحت أضواء حمراء وخضراء.. تمنع لحظة.. وتعطي أخرى... يبيع علكته أو بعض من جوارب للسيدات أو نكاشات للأسنان لم يفهم يوما كيف يستخدمها.. لمن خرجوا للتو من مطاعم الشهوة والرغبة وبين أنيابهم بقايا لحوم وشحوم أتخمتهم شبعا.... أستوحشت أضلعها.. التي تحمل في ثناياها قلب عصفور رقيق من تشاؤمه لسنواته القادمات... أرادت أن تستكمل حديثها معه غير أن إخضرار الإشارة الضوئية قد اعلنت لها أن بوابة رزقها أنفتحت وبامكانها الإنطلاق..عابرة كل ممرات الروح الى ما شاءت من أفنان الحياة وثمارها.. في عتمة ليلها... أقلقها هذا المتشرد الصغير نسيت أن تنام وهي تتذكر بنطاله المتقزم عن كاحليه...وقميصه الذي قد تلون ببقع الفقر وكثير من بصمات لئم
الأغنياء...أما وجههه الذي قد تعثر بطينية البشر وأغبر كثيرا من التصاقهم بالتراب...فكان أكثر ما يدعوها فيما يدعوها الى حبه حتى الثمالة.... عادت اليه في صباحها...ناغشته بالأمنيات...حدثته كثيرا كيف يتأمل الصغار... وكيف غدا كثيرا من الفقراء بجدهم وكدهم أغنياء ... لم يكن يفهم شيئا مما تقول ... واسترسلت همومه بين يديها يحدثها ويقول لها: "أخشى ان يقطعوني كما فعلوا بأبي"

باندهاش استفهمت منه...علمت أنهم يأخذون أباه كل أسبوعين لمشفى حكومي تنعق على بوابته بومة اللامبالاة والاهمال...خير طريق واسهله لتخليص احدهم من مرضه ..أن تُقطّع أجزاءه ارباً ارباً ما دام لا يستطيع ان يدفع ثمنا لعلاج... وأثمان... بكى بدموعه الجافة التي اعتاد ان لا تسيل ابدا... وخفقت خدوده المتقعرة على وجنتيه نبضا بالالامه التي شاخت من لياليه السوداء... أشار بيديه وعينيه وقلبه الى لا شيء في الحياة وهو يروي كيف يسمع كل ليل نحيب ابيه بعد أن قطعوا قدميه أولا ووقع مغشيا عليه من عجزه والألم.. ثم تركوه أسبوعين ليقطعوا بعدها يديه من الرسغين ووصل الأمر الى الركبتين ثم المرفقين حتى لم يتبقى من جسده اليوم الا نصفه الاعلى دون أفخاذ ولا أكتاف... حدثها كيف تشرق الشمس فيغفو أباه أمنة نعاسا...لتصحو أمه تواري مجرى عينيها بأكمامها عن صغارها ...وشهيق يخنقها يعلو في صدرها بركان لا يخمد أبدا... أياما وليالي ...وليالي وأياما...يخرج هو مهرولا لعمله ... يقف بباب الملحمة... سألها فجأة: "هل يشبه الطبيب اللحام"

نزلت من سيارتها...إحتضنته بذراعيها...قبلت جبهته...وضعت قلبه على صدرها انهكته حنانا...تتمتم بكلمات متقطعات بين تنهيدات انفاسها المتحشرجة في حنجرتها "أقسم لك أنك ستكبر واخوتك احلاما ونجوما مضيئة حتى لو أعتم ليلكم يوما" ترتجف كل أوصالها ...تحدثه ..لا زالت عن الأمل...وتذرف دموعا حارقات تتلقفهم أناملها التي تنغمس في رأسه ضما وحنانا.. عاد الضوء الأخضر يعلن الأنطلاق من جديد ولم يصبر اللاهثون بنزعات التسوق والإستهلاك على لحظة انفعال منساقة وراء عاطفة جياشة...جن جنونهم.. زعقت السيارات ... ولوحت لهما الأيادي منددة شاجبة مستنكرة... تركتهم في أزمتهم الروحية ... فليذهبوا الى الجحيم ...ما دامت هي تحتضن الجنة...
خالفت شرطة المرور قلبها المحزون...ورمى لها أحدهم صحيفة اليوم بعناوينها المتسولة للشهرة والتسويق "شحاد يبني قصراً في أرقى ضواحي المدينة" "أقضوا على ظاهرة التسول بالإمساك عن وعي الحب والإنفاق" أعطته ما قدرت عليه من الكرامة.... لعنتهم... ولعنت اقلامهم التي لم تُعبر الا عن ظاهر الظاهرة... ولعنت قلوبهم الخاملة الا عن جشعهم وآمالهم العريضة بالخلود... بعد أيام معدودات... كان الجميع يتحضر للاحتفال بعيد ميلاد أخاها الصغير ... خرجت لتشتري ما وعدت به بآخر ما تبقى معها من معاشها...قالب الكعكة المزهوة بصورة لأخيها أمير الأبرياء... رأته مشدوه النظرات... متلعثم الكلمات... يمسك بالمارة واحدا تلو الاخر... يشد بأكمام قلوبهم... املا في قلوب دافئة معطاءة يرجوهم 50 دولارا ليدفن أباه الذي مات منذ يومين وليستكمل أوراق وفاته ..ولا زال طريح الحصيرة...غطته أمه ووضعته تحت النافذة حتى لا يشتم اطفالها من ابيهم في آخر عهدهم به الا عفونة الرائحة... أمسكت بيديه بين يديها وقبلتهما ... وقفت على حيرتها تستدرك ما يمكن لها أن تفعله وعدته بالعودة اليه بما يحتاجه...ورجته الا يغادر مكانه قيد أُنملة... اشترت كعكة البرجوازيين بثمن دفن فقير... لم تستطع هي ايضا أن تقي نفسها شحها أو أن تخرج بكليتها من عباءة عالمها... عادت الى حفلة شقيقها...هرج ومرج...طرب ورقص وغناء...
Happy birthday to you.... وعيد ميلاد سعيد يا امير الأبرياء...وزينات... وبلالين...كلما فقع أحدها جفل فؤادها على عشق تركته على قارعة الطريق... لا تعدم حبه ولا هي تستطيع ان تتكفل كامل قضيته...أستكملت وقتها مع الأهل والأصدقاء..لكنها وبصدقها أظلم فؤادها...ولم تستكمل الرقص على الالام الفقراء... على سرعة محرك سيارتها ...وعلى قوة دفعها...كانت تصلها ابواق ناعقة بالاحتفالات من شبابيك ماكدونلز...وهارديز..وجولبي.. والبابيز...لم تستطع أن تصل اليه مع هرج المدينة...وانشغال كل بحبة فؤاده ولؤلؤة عينيه... ضاع في الزحام ...وأختفى... تحت جنح أشرطة طويلة وعناوين تعم البلاد..عن افتتاح جلالة الملكة مؤتمر التنمية ورعاية الطفولة... حفر وأمه التراب تحت عتبة البيت...جرا الحصيرة وما يرقد عليها... كان ذلك اليوم ايضا هو عيد ميلاده...لكنه قام بدفنه... وشتان في هذا الكون بين عيد ميلاد...وعيد ميلاد....
(ملاحظة:قصة الأب الفقير ووضعه الصحي ومعاناته بسبب مرضه امام أطفاله حقيقة ,نسجت حولها حكايتي)

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب