نعم، إنه رجل من رجال الكويت الذين أسهموا في كتابة تاريخها الحديث. كان له دور بارز في إدارة البلاد وعلى الأخص في فترة الخمسينيات من القرن الماضي. وتصدر للمسؤولية رئيساً لدائرة البلدية ومجلس الإنشاء ودائرة الأشغال العامة، في اليوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر لسنة 1951م، عُين رئيساً لدائرة الصحة العامة وبقي فيها حتى اليوم العاشر من شهر يونيو لسنة 1959م، وقد أنجز في هذه الدائرة إنجازات جمة تذكر له، ويذكر بها، وفي وقت عمله كان حريصاً على أن تؤدي دائرة الصحة العامة واجبها كاملاً تجاه المواطنين مقدمة العلاج والتوعية الصحية، وقام من أجل ذلك بإنشاء عدد من المستوصفات في كل أنحاء الكويت.
واستمر نشاط الدائرة باندفاعاته التي أثارها هذا الرئيس النشط، واستمرت على ذلك حتى تحولت فيما بعد إلى وزارة.
كان الشيخ فهد السالم الصباح محباً للأسفار ولكن أسفاره كانت لمصلحة مُعَينة ففي كل رحلة من رحلاته كان يستفيد علماً، أو دراية بأحوال بلد من البلدان أو معرفة بأشخاص لهم خبراتهم ومكانتهم في ديارهم التي يزورها. وهو في بعض الأحيان يقوم بزيارة طلاب الكويت الذين يدرسون في الخارج فيلتقي بهم ويتحدث إليهم عن آمال وطنهم، وعن نظرة حكومتهم للمستقبل وقد كشفت هذه الزيارات عن شخصية هذا الرجل فبدا محباً لوطنه ولأهل وطنه، وتبين حرصه على أن يكون مستقبل طلاب الكويت مستقبلاً زاهراً مما جعله محبوباً في نفوس أولئك الذين زارهم من أبناء البلاد.
ومما يلفت النظر في رحلاته أنه كان يحرص على لقاء رؤساء الدول التي يزورها، وكذلك كبار الموظفين فيها. وكان على استعداد لمخاطبة وسائل الإعلام في كل بلد يمر به فيعبر عن مشاعره تجاه ذلك البلد، كما يشرح للناس كل شيء عن مستقبل وحاضر وطنه الكويت.
لقد بدأ الرجل - كما نلاحظ - نشاطه وهو شاب يافع، استفزته الرغبة في التزود بالعلم فالتحق بعدة مدارس ورغب في دراسة اللغات فاتجه إلى أول مدرسة أهلية نشأت من أجل تدريس اللغة الإنجليزية، وكانت الإرسالية الأمريكية في الكويت قد أنشأت هذه المدرسة في سنة 1917م.
واهتم بمواصلة الدراسة كما رأينا، وقام بعدة رحلات شاهد خلالها عدداً من البلدان وعرف كبار المسؤولين فيها إلى غير ذلك مما مر بنا.
وإضافة إلى ذلك فإن تعدد مسؤولياته في العمل الحكومي يدل على ميزة لا نظير لها من حيث الإقبال على أداء الواجب وخدمة الوطن مهما تكن الصعوبات. أما صلاته بالناس فقد كانت متينة للغاية، وكان محبوباً من الجميع. وأذكر المرة الأولى التي شاهدته فيها، وكان في زيارة إلى القاهرة سنة 1957م ضمن زيارات عدة إلى هذا البلد العربي الشقيق، وقد حرص على لقاء كافة أعضاء البعثة الطلابية الكويتية، والتحدث إليهم ممضياً في ذلك وقتاً ممتعاً سر كافة الطلاب.
ورجل من هذا النوع تصعب الإحاطة بأعماله وبسيرته الذاتية الكثيرة الملامح المتعددة النشاط، فإنه لابد وأن نجد وسيلة للحديث عنه تضمن عدم التشعب الذي يضيع الفائدة على القارئ، إذ إن من المصلحة التركيز في حديثنا حتى نستطيع أن نلم بكافة ما نريد عرضه.
وسوف نرى أن تقديم ما قاله عنه معاصروه هو أهون السبل للإحاطة بكل شيء عن فهد السالم، وسوف نبدأ بهذه المقدمة اليسيرة ثم نتناول ما ورد عنه من أحاديث الكتاب المعاصرين له.
فهد السالم الصباح ابن أمير الكويت الأسبق الشيخ سالم المبارك الصباح هو أخٌ للأميرين السابقين عبدالله السالم الصباح وصباح السالم الصباح، وهو وقد ذكرنا ذلك آنفاً رجل من رجال الحكم المعدودين، تولى عدداً من المناصب، وأنشأ دوائر حكومية لا تزال بصماته عليها إلى اليوم.
ولد الشيخ فهد السالم المبارك الصباح في سنة 1909م، ودرس في بدايته الدراسية في المدرسة الأحمدية، وكان شاباً ذكياً لامع الذكاء، وقد درس في هذه المدرسة مبادئ الفقه والعقيدة، والنحو والصرف، والجغرافيا وغيرها من العلوم، وعندما سافرت بعثة لطلب العلم من أبناء الكويت، كان هو أحد أعضائها وقد درس في المدرسة الرحمانية في البصرة، ثم انتقل للحاق بزملائه في الكلية الأعظمية ببغداد، ولم تكن هذه الدراسة كافية لإشباع رغبته في العلم، ولم يجد فيها المستوى الذي يتطلع إليه فانتقل إلى بيروت والتحق بالجامعة الأمريكية هناك، في سنة 1932م، ثم عاد شاباً متعلماً متفهماً لأمور الحياة، مطلعاً على كل ما يحتاج إلى الاطلاع عليه من الشؤون العامة.
ذكر عبدالعزيز الرشيد الشيخ فهد السالم الصباح في كتابه تاريخ الكويت، وأثنى عليه كثيرا، فقال عنه: «ويعجبني من هذا الشاب طموح نفسه للرحلة في طلب العلم إلى البلاد القصية، فعسى الله أن يحقق أمنيته، فالشوق وحده يكفي لتذليل الصعاب، فكيف إذا انضم معه استعداد وذكاء؟»، وقد تحقق للشيخ فهد ما أراد وعاد إلى وطنه لكي يبدأ مسيرته في العمل الحكومي الذي قدم للكويت من خلاله أجل الخدمات، ويكفي أن نذكر من ذلك قيامه برئاسة مجلس الإنشاء والإسكان وهو المجلس الذي وضع الخطط العمرانية التي سارت عليها الكويت فيما بعد.
٭٭٭
بعد هذا فإن أولى الناس في الحديث عن هذا الرجل العامل لوطنه ولأمته زوجته التي عاشت معه فترة من حياته، وتوفي وهو زوجها. تلك هي السيدة بدرية السعود الصباح، التي كتبت في جريدة «الوطن» مقالا يوم السادس والعشرين من شهر نوفمبر لسنة 2000م، ترد فيه على مقال نشرته إحدى الكاتبات، ولا نجد اليوم داعيا لذكر المقال المردود عليه ولا صاحبته لأن الزمن تجاوز كل ذلك من جهة، ولأن الشيخة بدرية هي أولى الناس بالكتابة عن زوجها من جهة أخرى.
يضم المقال معلومات كثيرة من الصعب أن نعرضها كلها هنا، وبخاصة وأن بعضها كان له طابع شخصي يتعلق بأناس قد يهمهم ألا نعلن أسماءهم في هذا المجال، ولكن ما نود الإشارة إليه هو حديث الشيخة بدرية عن زيارة الشيخ وهي في معيته للمغرب، وتقول في ذلك: «إن الرحلة كانت في سنة 1958م بالسيارات من أسبانيا إلى طنجة بالمغرب وبواسطة العبارة. وكانت زيارتنا للمغرب الشقيق بدون علم السلطات المغربية المسبق ولكن عند وصولنا إلى طنجة وجدنا عامل طنجة «المحافـظ» ينتظرنا في الميناء بأمر من المغفور له الملك محمد الخامس ونيابة عن جلالته وقد استقبلنا المحافظ استقبالا حارا وبلغنا بأمر الملك بأن نكون بضيافة جلالته طوال وجودنا في المملكة المغربية وقد امضينا ثلاثة أيام في طنجة كنا خلالها موضع تكريم واحترام من جميع المسؤولين والقائمين على هذه المدينة الجميلة.
ثم انتقلنا إلى مدينة الرباط استجابة لدعوة جلالة الملك محمد الخامس وقد اقمنا في منزل رئيس الوزراء في ذلك الوقت المرحوم أحمد بلفريج، ثم استقبلنا جلالة الملك محمد الخامس في قصره الملكي وكان يرافقنا في هذه الرحلة المرحوم خالد الحمد وأصر الملك على وجودي مع المرحوم الشيخ فهد في دعوته إلى البلاط الملكي وأمر ولده الأمير عبدالله شخصيا بأن يكون مرافقا لنا إمعانا في التكريم والاحترام للشيخ فهد ومرافقيه طوال مدة وجودنا في المملكة المغربية ولا أريد أن أطيل في موضوع زيارتنا للمغرب لأن ما رأيناه وما لمسناه من كرم الضيافة وحسن الاستقبال ما يعجز عنه اللسان وما لا يخطه القلم وكنا نحتفظ بصورة جميلة عن هذه الرحلة التي لم ولن أنساها ما حييت، ولكن الغزو العراقي الغاشم لكويتنا الحبيبة لم يترك لنا أي شيء للذكريات بتدميره لقصرنا ومحتوياته».
ثم تحدثت السيدة بدرية عن وفاة الشيخ فهد السالم فقالت: «أما عن وفاته رحمه الله فقد كانت 1959/6/16 أول أيام عيد الأضحى المبارك في مدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية أثناء عودتنا من رحلة بحرية شملت أولا السعودية ثم ذهبنا إلى قطر ومنها الى البحرين ثم عدنا الى الدمام في طريق عودتنا الى الكويت للتزود بالوقود التي وصلناها صباحا وبعد تناول الغداء في الدمام شعر رحمه الله بوعكة صحية طارئة لم تمهله إلا دقائق محدودة وبعدها انتقل إلى رحمة الله تعالى في حدود الساعة الثانية بعد الظهر وكان معنا في هذه الرحلة الشيخ عبدالعزيز سعود الصباح والمرحوم الشيخ يوسف سعود الصباح والمرحوم خالد الحمد والمرحوم سعود عبدالعزيز العبدالرزاق والمرحوم سيد أحمد سيد الرفاعي وعدد اخر من المرافقين وفي نفس الليلة عدت الى الكويت بمفردي على طائرة خاصة أمر بها جلالة الملك سعود رحمه الله وفي نفس الليلة أرسلت طائرة من الكويت وعليها سمو الشيخ سعد وبعض الشيوخ وذلك لاحضار جثمان المرحوم رحمه الله وغمد روحه الجنة».
لقد توفيت السيدة بدرية السعود الصباح مأسوفا عليها بعد ان احتفظت مدة طويلة بذكرياتها عن زوجها الكريم وكانت – دائما – على استعداد للحديث عن مسيرة حياته رحمها الله.
٭٭٭
نبدأ الآن في استعراض ما كتبه الكتاب عن الشيخ فهد السالم الصباح منذ شبابه إلى حين وفاته.
وكنا قد اشرنا الى ما كتب عنه الشيخ عبدالعزيز الرشيد وكان أهم ما أشار إليه هو رغبة الشيخ فهد في طلب العلم والحرص على الاستزادة منه.
في الفترة من شهر فبراير إلى شهر مايو لسنة 1948م، زار الكويت رجل من اليمن هو أحمد محمد الشرماني، وكانت زيارته ضمن جولات ألف عنها كتابا عنوانه «الجناح الملحق في سماء المشرق، وقد طبع مركز البحوث والدراسات الكويتية الجزء الخاص بالكويت من هذا الكتاب ونشره في سنة 2008م، وفي هذا الكتاب معلومات لا بأس بها عن الكويت أثناء زيارته لها، وفيه حديث عن الشيخ فهد السالم الصباح، وعلاقة المؤلف به، وعلى الأخص بداية هذه العلاقة التي قويت مع الزمن حتى وصل بها إلى الكويت.
عرف الشيخ فهد السالم الصباح مؤلف الكتاب عندما كان في زيارة صيفية إلى سورية، ففي دمشق حيث كان يقيم في تلك الفترة من فترات الصيف تقدم إليه هذا الرجل مصحوباً بشخص آخر كان الشيخ فهد يعرفه من قبل. وقد ارتاح الشيخ للشرماني، وتوطدت صلته به. أما المؤلف فقد كتب عن الشيخ قائلاً: «وقد وجدت له من النبل وعلو الهمة وكمال الخلق ما جعلني أكبره في نظري إلى أبعد حد، وأجعل له في قلبي مكانة خاصة، هي به أليق، وبسمو صفاته أخلق، عرف الكثير عن رحلاتي والقصد منها، وفهم مغزاها ومرماها، فقدّر لي مجهودي، وأكبر أعمالي، وأثنى على ما أسماه بعزيمتي المتجددة، ودفعته طبيعته العلمية الإصلاحية وشغفه باستطلاع المجهول إلى أن يشاركني أشواطاً من رحلتي، ويقوّي من عزيمتي، وليس في الأمر غرابة، فتلك جبلّة وطباع آل الصباح….، وهي أخلاق العرب من نجدة ومروءة، وشهامة وإباء مع فطنة متأصلة وذكاء متوقد.
ولقد صحبته من دمشق إلى حلب لنتجول جولة أو جولتين معاً، وصح العزم على زيارة قلعة الحصن، ذات الآثار العجيبة الخالدة، وتجرد سمو الأمير عن حاشيته، وركبنا في سيارته الخاصة يصحبنا بعض الأدلاء، وبعض الأعيان من شيوخ العرب هناك، واستقبلنا لدى بابها مدير آثار المنطقة، واحتفى بقدومنا حفاوة عظيمة، ورافقنا مع عدد من موظفيه في جولات داخل القلعة، ولم يترك شيئاً مما وقع عليه نظرنا إلاَّ وعلّق عليه تعليقاً علمياً يدل على رأي ناضج وتفكير مستقيم».
وكان لابد للشرماني أن يأتي إلى الكويت، فقد دعاه الشيخ فهد السالم بعد أن أمضى في صحبته أياما بعضها في دمشق وبعضها الآخر في حلب، وعرف عنه أنه أديب رحالة، يريد أن يكتب عن البلدان التي يزورها.
وعندما بدأ في كتابته عن الكويت قال ما يلي: «كانت تلك أول مرة أزور فيها إمارة الكويت مستطلعاً مرتاداً، وكان عليَّ أن أقضي أول أيامي فيها متنقلاً بين الدوائر الحكومية لأداء المجاملات الودية لدى رجال الحكومة من زيارات وتحيات قوبلت معها بكثير من الإجلال والتقدير الذي كان يتخذ مظاهر كريمة حينما يقفون على صلتي بسمو الأمير فهد – بما له في نفوسهم من مكانة سامية -».
كل ذلك والشيخ فهد السالم لم يعد بعد من رحلته، ولكنه عاد في الأيام اللاحقة، وقام الشرماني باستقباله مصاحبا لعدد كبير من المستقبلين الذين بادروا إلى مطار الكويت من أجل أن يكونوا في الاستقبال.
ولقد تحدث الشرماني عن الكويت موقعا وتاريخا، وأفاض في الحديث عن السكان، وطبائعهم وأثنى عليهم ثناءً جماً، وإذا تأمل القارئ في كل ما كتبه المؤلف عن هذه النواحي فإنه يظن أن من كتب تلك الأقوال المسهبة والدقيقة قد عاش في الكويت مدة طويلة، فقد كتب عن مدينة الكويت، وعن نظام المنازل فيها، وموقع البلاد مع بيان أهميته، كما تحدث عن الدوائر الحكومية العاملة – آنذاك – فذكر دائرة الأمن العام ودائرة الشرطة، ودائرة البلدية، ودائرة المعارف، ودائرة المالية ودائرة التموين. وتحدث عن النفط ومنابعه، وعن عدد كبير من الأشخاص الذين التقى بهم وعرفهم وأعجب بما يتمتعون به من أخلاق وعلم واداب.
ولقد استل أخي الأستاذ الدكتور عبدالله يوسف الغنيم هذا القسم الخاص بالكويت من كتاب الشرماني: «الجناح المحلِّق في سماء المشرق» وأعده للنشر إعداداً يقرِّبه إلى ذهن القارئ، كما زوده بعدد من الصور المهمة التي توضح بعض موضوعاته، وقد مرت بنا الإشارة إلى ذلك.
وبعد أن أنجزنا ما يتعلق بما كتبه أحمد الشرماني عن الشيخ فهد السالم الصباح فإننا ننطلق إلى مجال آخر، فقد كتب عن الشيخ رجل آخر هو محمد بن خليفة النبهاني، وذلك ضمن كتابه (الموسوعة) المسمى: «التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية» وهو كتاب ضخم ولكنه في مجلد واحد طبع بالمطبعة المحمودية بمصر في سنة 1368هـ (1949م) وذلك على نفقة المؤلف. وكان مما ورد فيه فصل واسع عن الكويت تضمن تاريخها وحديثا عن عادات أهلها، وما يتميزون به من صفات حسنة. كما تحدث عن حكامها والمتعلمين فيها وغير ذلك كثير.
ومن ضمن الذين كتب عنهم النبهاني في كتابه المذكور الشيخ فهد السالم، وقد كتب عنه ما يلي: «نشأ على حب الكويت، وحب العلوم والمعارف، وارتحل في طلب العلم، وله فكر وقاد، وذكاء مفرط، مع بشاشة يخالطها وقار وهيبة، وهو حسن المجالسة، محب للتاريخ وأخباره، فلا تُحَلُّ مجالسته».
٭٭٭
في آخر شهر من سنة 1946م صدر العدد الأول من مجلة البعثة التي كان يصدرها بيت الكويت في القاهرة منذ ذلك الوقت حتى أوائل خمسينيات القرن الماضي، وكان الطلاب الكويتيون يسهمون في الكتابة بها بتشجيع ورعاية من مدير البيت الأستاذ عبدالعزيز حسين، ثم لما انتقل الأستاذ المدير ليشغل منصب مدير المعارف هنا، قام الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري مقامه، وتابع إصدار المجلة حتى توقفت لأسباب خارجة عن إرادته. وقد قام مركز البحوث والدراسات الكويتية مشكورا بجمع كافة ما صدر من هذه المجلة القيمة وأعاد طباعتها (تصويراً) فجاءت في ثمانية مجلدات بواقع سنة لكل مجلة، وأضاف إلى هذه المجلدات مجلدا كاملا ضم الفهارس المنوعة. وبذا فقد زاد نفعها، وأعادت إلينا تلك الأيام بتاريخها النَّيِّر المكتوب بأيدي أبناء الكويت المتميزين الذين يدل إنتاجهم الفكري على تميزهم.
يرد ذكر الشيخ فهد السالم الصباح كثيرا في مجلة البعثة وترد له صور متنوعة، وكان قد زار بيت الكويت عدة مرات ولقي الطلاب وتحدث إليهم وهذه بعض النقاط التي وردت في هذه المجلة بخصوص ذلك:
- في العدد السابع للسنة الرابعة للمجلة الصادر في شهر اغسطس لسنة 1951م. كان الشيخ ماراً بالقاهرة وقت أن كان طلاب البعثة يحتفلون بذكرى مرور خمس سنوات على إنشاء بيت الكويت هناك فزارهم، وشاركهم حفلهم والتقطت له وللعاملين في البيت والمرافقين له وعدد من الطلاب صورة تذكارية مهمة.
- ونشرت البعثة - أيضا - موضوعا يتعلق بالشيخ فهد السالم في العدد الأول من السنة الخامسة لها، وذلك في الأول من شهر يناير لسنة 1951م، وقد ذكرت - آنذاك - أن الشيخ كان في جولة واسعة حول الدنيا، زار خلالها سورية ولبنان ومصر وفرنسا، ثم ارتحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وجال في كافة أرجاء الولايات ثم عاد مرة أخرى إلى بريطانيا، وأخيرا غادر إلى فرنسا فمصر فالكويت.
وقد تحدث خلال رحلته الطويلة هذه إلى محطتين إذاعيتين هما محطة «صوت أمريكا»، والمحطة التي تديرها هيئة الإذاعة البريطانية B.B.C.
أجاب في حديثه الأول على أسئلة المحطة الإذاعية «صوت أمريكا» وتناول الأسئلة عدة جوانب كان الشيخ حريصا على أن يُغَطِّيها بالكامل، ووجه ضمن حديثه كلمة إلى أبناء وطنه في الكويت حياهم بها وأطلعهم على ما شاهد في رحلته.
وهذه هي الأسئلة وإجابة الشيخ عليها:
س: ما الأثر الأول الذي تركته في نفسكم هذه الزيارة للولايات المتحدة؟
جـ: إن الأثر الذي تركته في نفسي هذه الزيارة هو لطف الشعب الأمريكي وإيمانه بالحرية الفردية لكل قاطن في هذه الديار، ثم إعجابي بنظم التعاون التجاري أو ما يسمونه بنظام صناعة البلاد وتجارتها العظيمة.
س: هل تنوون القيام بزيارة للأرجاء الأمريكية؟
جـ: هذا أول ما خطر ببالي، وزاد في رغبتي ما رأيته من تشجيع المسؤولين في نظارة الخارجية وتسهيلهم أمامي سبل الرحلة، ولا يخفى عليكم أنه في أثناء دراستي بالجامعة الأمريكية ببيروت من سنة 1932 - 1936 تمكنت من الاطلاع على تاريخ وجغرافية هذه البلاد ونهضتها الجبارة وتوثبها الدائم للاستقلال، ونشر الفكرة الديموقراطية، لذلك أرغب في تطبيق ما درسته بالكتب عن طريق المشاهد العيانية، وقد زودتني نظارة الخارجية بكل ما أحتاج إليه لدى السلطات المسؤولة في الولايات المتحدة، وانني بهذه المناسبة أقدر بعاطفة شريفة حسن التعاون الذي يسود العلاقات التجارية المتبادلة بين الكويت وهذه البلاد.
س: ما النقط الرئيسية التي ترغبون في دراستها أثناء زيارتكم؟
جـ: إني أهتم بصورة مخصوصة بالتطور الصناعي والوسائل الفنية الزراعية والحركة التجارية، فأستطيع بعدها أن أفيد بلادي بما في وسعها الإفادة منه خدمة للشعب الكويت والترفيه عنه، لأننا لا نريد الحكم لمجرد الحكم، ولكننا نريده لخدمة إخواننا الكويتيين وخيرهم.
س: ما الانطباعات التي تركها في نفسكم المغتربون العرب الذين تعرفتم بهم؟
جـ: وجدت من حفاوة إخواني المغتربين العرب ما يجعلني أفخر وأمجد هذه النخبة الفتية التي سبقت سفراء العرب الرسميين إلى رسالتهم الحاضرة، فهم في أنديتهم وصحافتهم، وتجارتهم الواسعة عنوان الرجولة العربية والنهضة المتوثبة، وأرجو إن يكونوا لوطنهم في مستقبل الأيام خيرا وبركة.
س: هل اجتمعتم بسفراء العرب وبموظفي نظارة الخارجية الأمريكية؟
جـ: إن سفراء العرب ووزراءهم المفوضين فور علمهم بوصولي شرفوني بزيارتهم ورحبوا بي بحفاوة وكرم، وفي طليعتهم سعادة الشيخ أسعد الفقيه سفير المملكة العربية السعودية وبقية شباب العرب الموظفين في القارة، وزارني من نظارة الخارجية السيد ماكجي مساعد ناظر الخارجية والسيد ويلكنز رئيس إدارة الشؤون العربية، وسواهما من كبار الموظفين الذين رحبوا بي باسم الحكومة الأمريكية وأظهروا كل مؤانسة ولطف، وزودوني بكل الامتيازات السياسية مع العلم أن زيارتي لا صفة رسمية لها.
فإلى سفراء العرب ومساعديهم ومغتربي العرب والحكومة الأمريكية وموظفي نظارة الخارجية، أطيب تحياتي وامتناني وشكري.
س- هل من رسالة تبعثون بها إلى بلادكم الكويت؟
جـ- إن رسالتي إلى الكويت وإخواني أبناء الكويت وعاهل الكويت سيدي صاحب السمو الأمير عبدالله السالم الصباح، تنحصر في إرسال تحية عاطرة مزجاة بالشوق، متمنيا لهم ولبلادي الخير والسلام؛ وإنني من وراء هذه البحار ورغم المسافات البعيدة التي تفصلنا ما يزال الوفاء يشدني إليهم والذكريات القومية تراود خيالي ليل نهار، وإنني أرجو أن أرجع إليهم بما يفيدهم عن تطور الحياة بهذه البلاد.
إن الشعب الأمريكي يجهل الكثير عن بلادي الكويت فاستطعت أن أعطيه عنها نظرة عامة، وحيثما كنت اغتنمت الفرص لأعرّف بلادي للأمريكيين الذين مهما جهلوا ما يربطهم بالعرب من روابط ومصالح، سيظلون يحملون فكرة الديموقراطية إنسانية عالية، مهما يتجنَّ عليها ويشوهها المغرضون.
أما المحطة البريطانية فقد ألقى من خلالها كلمة تحدث فيها عن الكويت، وعن آمالها في الوصول إلى منتهى التقدم والرقي، وذكر كفاح الآباء في سبيل كسب العيش، وأنهم لم يجدوا الراحة إلا بعد أن ظهر النفط في البلاد، ولذا فإن الحكومة حريصة على أن تقدم للشعب كل ما يحتاج إليه ويعوضه عن شظف الماضي وقد جاءت الكلمة هكذا:
انتهز فرصة مجيئي إلى هذه البلاد لأبعث على موجات الأثير من وراء البحار إلى سيدي ومولاي حاكم الكويت المعظم بأطيب التحية وخالص الولاء، راجيا لسموه مديدا من العمر وخالصا من السعادة.
إن الكويت الحديثة التي أخذت تشق طريقها في عزيمة وصدق نحو الإصلاح والأخذ بوسائل التقدم، تستمد من قائدها القوة التي تكلل مسعاها بالنجاح، ولها من ثاقب رأيه وحسن توجيهه ما يجنبها الزلل ويحميها من العثرات، ولقد شمل سمو الأمير المعظم كل نهضة فكرية أو عمرانية أو اقتصادية بعطفه وتشجيعه، فأصبح بتأييد من اخواني أبناء الكويت الأعزاء الرأس المدبر العامل على توفير وسائل الحياة الكريمة لشعبه الكريم، والمشجع لكل مشروع يهدف إلى رفع مستوى الحياة وتحقيق أسباب التقدم، حتى أصبحت الكويت وقد قدمت على عهد جديد توافرت فيه وسائل النهوض. وتضافرت فيه القوى على الأخذ بأيدي المواطنين إلى ما فيه الخير والصلاح للجميع، يتعاون كبيرهم وصغيرهم في ذلك، شاعرين بما هم فيه شعور الجسم الحي الواحد.
لقد مضى على الكويت ردح من الزمان كافح فيه أبناؤها حياة فيها الكثير من الصعوبات، حتى تحققت لهم في هذه السنوات الأخيرة أسباب الحياة، فحق لهم والحال هذه أن يهنأوا بما تدره عليهم بلادهم من خيرات، وأن ينال العاملون منهم جزاء ما قدموه ويقدمونه للبلاد من جهود، وأن من دواعي فخرنا أن نرى أن عاهل البلاد المعظم يدرك هذه الحقيقة ويقدرها تمام التقدير، ويؤمن أن خير ما يقدمه لشعبه هو أن تكون خيرات بلاده لأبناء بلاده، وأن تستغل هذه الخيرات على الوجه الأصلح فيما يعود على إخواننا أبناء الكويت بأطيب النتائج.
وقد نحقق في هذا العهد المبارك للكويت الكثير من آمالنا ولا زلنا بتأييد وعطف أميرنا المعظم وبتكاتف إخواني أبناء الكويت، نتطلع إلى الكثير مما تصبو إليه نفوسنا وتهفو إليه قلوبنا لكي تحتل بلادنا مكانها في مقدمة الصفوف.
وقد شعرت وأنا أحل بهذه البلاد بما وصلت إليه بلادنا من تفكير ناضج عندما التقيت بعدد من أبنائنا الكويتيين الذين أرسلتهم معارفنا إلى انجلترا لطلب العلم من منابعها الغزيرة، ومن قبل ذلك أرسلت عدداً آخر إلى مصر لهذا الغرض، ونأمل أن تتتابع البعثات ويزداد عددها حتى يتوافر المواطنون الذين يسدون الفراغ الذي نشعر به الآن.
ولا أريد أن أختم كلمتي قبل أن أشيد بما لقيته من حفاوة من أبناء هذه البلاد العريقة، وما شملني به رجالها المسؤولون من تكريم. مما أعتبره خير تحية لبلادي تستحق الشكر والامتنان، وكذلك لا يفوتني أن أشكر محطة الإذاعة البريطانية على إتاحة هذه الفرصة لكي أتحدث إلى أميري وإخواني من أبناء وطني العزيز.

المراجع

alwatan.kuwait.tt

التصانيف

مواليد 1909  وفيات 1959  آل صباح   العلوم الاجتماعية