أوداغست
مملكة أودغست الإسلامية اسست في جنوب المغرب الأقصى في المنطقة الموجودة بينه وبين السودان، فيما يعرف اليوم بموريتانيا، وقد سكنت هذه المنطقة مجموعات أمازيغية تعرف بالملثمين.
قبائل صنهاجة (الملثمين) مؤسسة الدولة
ينتسب الملثمون إلى الطبقة الثانية من قبيلة صنهاجة الأمازيغية [2]، ومن ابرز فروعها التي استقرت في هذه المنطقة لمتونة، وجدالة، ومسوفة، ولمطة [3]، ويذكر ابن خلدون أن مساكن هذه القبيلة قد امتدت في الصحراء من البحر المحيط غربا إلى غدامس في الشرق، ووصلت إلى حدود دولة غانا في الجنوب، وأصبح نهر السنغال ونهر النيجر حدا لمساكن هذه القبائل في الجنوب. وقد عاشت هذه القبائل عيشة بدوية، تعتمد على التنقل والترحال، في الصحراء [4]، ولم يعرفوا الزراعة ولا الحرث بل يعتمدون على الأغنام فيشربون ألبانها ويأكلون لحومها، ويكتسون بجلودها [5]، وقبائل صنهاجة من القبائل الأمازيغية القوية اشتهر أفرادها بالقوة والشجاعة وشدة البأس واتقان فنون الحرب المختلفة.
انتشار الإسلام بين قبائل صنهاجة
كانت قبائل صنهاجة قبل الإسلام تدين بالوثنية، غرضهم غرض بقية الأمازيغ ، وانتشرت بينهم عبادة الكائنات والظواهر الطبيعية، وبخاصة بين البدو الذين ينتشرون في الصحاري والبادية.
وحينما شرعت الفتوحات الإسلامية اتجهت جيوش المسلمين إلى شمال إفريقية، تزيل العوائق من إمام الدعوة الإسلامية، وانتشر الدعاة المسلمون من الصحابة والتابعين ينشرون تعاليم الإسلام السمحة التي لاقت قبولا لدى هؤلاء الأمازيغ، بل إن الأمازيغ رحبوا بالفتوحات الإسلامية التي أزاحت عنهم اضطهاد الرومان وعبودية الكهان، وقد أبلى عقبة بن نافع الفهري بلاء حسنا في ميدان الجهاد، ونشر الإسلام بين الأمازيغ، ووصل في ولايته الثانية على أفريقية (62 – 64 هـ) إلى ديار الملثمين، فبعد أن وقف على المحيط وقفته المشهورة انحدر جنوبا في الصحراء، يخضع القبائل الأمازيغية، وينشر بينهم الإسلام، وقد قاومته قبيلتا مسوفة ولمتونة، لكن هذه المقاومة لم ترهبه فهزمهم، ووصل إلى مدينة تارودانت [9]، وخضعت له القبائل فجد في نشر الإسلام، وبنى المساجد وبنى مسجدا في ماسة مما يدل على أن الإسلام بدأ ينتشر بين الملثمين، وأنهم اعتنقوه طواعية، ويظهر أن عقبة حينما قرر العودة ترك عندهم من يعلمهم الإسلام، ويلقنهم تعاليمه.
هذه أولى الكرق لنشر الإسلام بين الأمازيغ الملثمين، أو قبائل صنهاجة في غرب أفريقية وقد حذى الولاة الذين تعاقبوا على المغرب حذو عقبة بن نافع في نشر الإسلام بين الأمازيغ، وبرز بينهم موسى بن نصير الذي أتم فتح المغرب، وكان له دور كبير في إسلام الأمازيغ وخاصة الملثمين، حيث وصل ديارهم وبنى فيها المساجد، وبث بينهم العرب يعلمونهم القرآن. وحينما قامت دولة الأدارسة (172 – 364 هـ ) دخلت ديار الملثمين الشمالية في حكمهم، واستمرت عملية نشر الإسلام بين الأمازيغ.
إقامة الدولة
اشتغل الملثمون على إقامة دولة خاصة بهم، ووسعوا نفوذهم نحو الجنوب ليصلوا إلى حدود دولة غانا في إقليم السودان.[12] وقد اتخذوا مدينة أودغست عاصمة لدولتهم ومركزا لها وظلت تحكم فيها فترة من الزمن. وكانت نشأة هذه المدينة تحت حكم دولة غانا الزنجية، لكن اتحاد الأمازيغ بعد إسلامهم في القرن الثالث الهجري دفعهم لمهاجمة هذه الدولة، وذلك لنشر الإسلام بين الزنوج فاستطاعوا بقيادة زعيمهم المسلم يَتْلُوثان بن تكلان هزيمة الزنوج والاستيلاء على مدينة أودغست وضمها لمناطق نفوذهم، ومنذ ذلك الحين اتخذوها حاضرة لدولتهم المسلمة.
وقد عرف من ملوكهم في تلك المرحلة الملك " يتلوثان" وهو أول ملك للصحراء من لمتونة، ويذكر عنه أنه كان يركب في مئة ألف نجيب وكانت وفاته سنة 222 هـ [14]، وقام بالأمر بعده "يلتان".
ومات عام 287 هـ، وأعقبه الملك تميم، الذي قتل سنة 306 هـ ، ويظهر أن مقتله كان نتيجة لخلاف بين قبائل صنهاجة حول زعامة القبيلة، وانتهزت مملكة غانا هذا الخلاف فهاجمت أودغست لكنها لم تستطع رد أملاكها السابقة بعد استقرار الملثمين فيها، وإن كانت قد ظفرت ببعض النفوذ على أودغست مكتفية بتحقيق مصالحا التجارية فقط [16]، إلا أن هذا التفوق لمملكة غانا لم يدم طويلا، وذلك أن قبائل صنهاجة قد اتحدت على ما يبدو وأزالت النفوذ الغاني، وربما كان ذلك سنة 350 هـ أيام أبي محمد بن تيلات اللمتوني ملك أودغست [17]، ويؤيد ذلك ما أورده ابن حوقل عن أودغست حينما زارها في هذا التاريخ تقريبا، وذكر أن لها ملكا قويا اسمه تنبروتان بن اسفيشر تخضع له كل قبيلة صنهاجة، وأن ملوك غانا يهادونه لحاجتهم الماسة إليه وأن حكمه استمر أكثر من عشرين سنة ولا شك أن هذا الملك هو الذي ذكره البكري باسم " تين بروتان بن ويسنو بن نزار "، والذي كان يحكم أودغست في عشر الخمسين وثلاث مائة، وكان من أقوى ملوك صنهاجة حيث دان له أكثر من عشرين ملكا من ملوك السودان يؤدون له الجزية، واتسعت دولته كثيرا حتى وصلت إلى مسيرة شهرين في مثلها، وكان يركب في مئة ألف نجيب، وبلغ من قوته أن الأمازيغ من غير صنهاجة يستعينون به ضد بعضهم البعض [19]، ولم تستمر هذه القوة طويلا، فمع مطلع القرن الخامس الهجري تفرقت كلمة الملثمين، وخاتلفوا مرة أخرى، فاستعادت دولة غانا نفوذها في الصحراء، وسيطرت على طرق التجارة، وانسدت مصادر الرزق في وجه الملثمين، فعادوا للوحدة من جديد، وذلك حوالي عام 424هـ بقيادة إبي عبد الله بن نيفاوت، المعروف بتادشت اللمتوني، لكن هذا الحلف لم يدم طويلا فلم يستمر أبو عبد الله في الحكم إلا ثلاث سنوات، حيث قتل في معركة مع ملك غانا [20]، وكان أبو عبد الله آخر ملوك أودغست من لمتونة، فقد حكم بعده يحيى بن إبراهيم الجدالي من قبيلة جدالة، وكان توليه تمهيدا لقيام دولة المرابطين في المغرب.
أودغست العاصمة
قد اختلف في في اسم عاصمة المملكة "أودغست" فلقد وردت بصيغ متعددة فابن حوقل – الذي كان ربما أول من أشار إليها – يسميها بهذا الاسم "أودغست" [22]، ويتابعه البكري في ذلك [23]، أما ابن سعيد المغربي فقد وردت في كتابه الجغرافيا ( أوداغست) ، أما ياقوت فقد أوردها (أودغست) بالفتح، ثم السكون، وفتح الدال المعجمة، والغين المعجمة، وسكون السن المهملة، والتاء فوقها نقطتان، ونقل ما ذكره عنها ابن حوقل [25] ، أما الحميري فقد أوردها (أودغشت) معتمدا في ذلك على الإدريسي.
وكما وقع الاختلاف في صيغة اسمها اختلف في موضعها فابن حوقل يذكر على أنها على مسيرة شهرين من سجلماسة منحرفة محاذاة عن السوس الأقصى، بحيث تكون هذه المدن الثلاث مثلث أقصر أضلاعه من السوس إلى أودغست [22]، ويتابعه البكري، ويزيد عليه بذكر المسافة بينها وبين غانا وهي خمسة عشر يوما.[27] ويذكر الحميري أن بينها وبين واركلان إحدى وثلاثون مرحلة [28]، ومكانها الآن غير معروف وظهرت بعض الاجتهادات لتحديده حيث يفترض بارث أنها تقع بين خطي طول 10 – 11 غربا وبين خطي عرض 18 – 19 شمالا أي أنها جنوب غربي تجكه.
نظام الحكم
كان نظام الحكم في مملكة أودغست الإسلامية قبليا حيث كان الحكم المطلق لرئيس القبيلة، وكان في الغالب زعيم قبيلة لمتونة الصنهاجية، فقد ظلت هذه القبيلة منذ انتشار الإسلام بين الملثمين، وحتى قيام دولة المرابطين هي المترأسة على قبائل صنهاجة الجنوبية، تدين لها بالولاء، وتطيع زعيمها في أدوغست [30]، ولا نجد هناك تنظيما معينا لهذه الدولة، أو موظفين يساعدون الملك، ولعل مرد ذلك هو عدم الاستقرار الذي اتسمت به هذه القبائل، حيث كانت كثيرة التنقل والترحال.
وقد جائت معلومات عن بعض ملوك هذه الدولة ومنهم أبو عبد الله ابن نيفاوت اللمتوني الذي كان من أهل الفضل والدين وأدى فريضة الحج وقتل في جهاد كفار السودان [31]، ويشكل الحكام طبقة مميزة في مجتمع هذه الدولة حيث يتمتعون بالأموال ويأكلون أفضل الطعام كالقمح الذي لا يجده غيرهم.[28]
المراجع
areq.net
التصانيف
مدن موريتانيا تاريخ الأمازيغ أماكن مأهولة بالسكان تأسست في القرن الخامس الجغرافيا