الريف والأسبان
منطقة النفوذ الإسباني موجودة في شمال المغرب وتكون مطلة على البحر وهذه المنطقة تسكنها مجموعات وقبائل أمازيغية مسلمة. كانت منطقة النفوذ الأسباني حسب اتفاقية (1322 هـ = 1904 م) مع فرنسا تضم القسم الشمالي من المغرب، التي تنقسم إلى كتلتين: شرقية وتعرف بالريف الشرقي، وغربية وتشتهر بالريف الغربي أو جبالة، وتكاد بعض جبال الريف تتصل بمنقطة الساحل.
وتعرف مناطقها الجبلية بوعورة المسالك وشدة انحدارها، غير أنها أقل خصوبة من منطقة الجبالة في الغرب. وتمتد بلاد الريف بمحاذاة الساحل مسافة 400 كيلومتر طولا و100 كيلومتر عرضا، وتسكنها قبائل مسلمة ينضم أغلبها إلى أصل أمازيغي، ومنها قبيلة أيت ورياغل التي ينتمي إليها الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي. وعندما بدأ الأسبان ينفذون سياسة توسعية في المغرب، صادفوا معارضة قوية داخل إسبانيا نفسها بسبب الهزائم التي تعرضوا لها على يد الأمريكيين في الفليبين وكوبا، فعارض الرأي العام الأسباني المغامرات العسكرية الاستعمارية، إلا أن المؤيدين احتجوا بأن احتلال المغرب ضروري لتأمين الموانئ الأسبانية الجنوبية، وضَمَّ رجال الدين صوتهم إلى العسكريين.
وكان الأسبان يعرفون شدة مقاومة المسلمين من أهل الريف الأمازيغ لتوسعهم، فاكتفوا في البداية بالسيطرة على محيط ضيق حول سبتة ومليلية المحتلتين منذ القرن 15، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى سيطرة على أغلب الموانئ الساحلية المحيطة بمنطقة نفوذهم، وكانت خطتهم تقوم على أن تتقدم القوات الأسبانية عبر منطقة الجبالة لاحتلال مدينة تطوان، التي اتُّفق على أن تكون عاصمة للمنطقة الأسبانية، لكن ظهر في الجبالة مجاهد محلي قوي هو "أحمد بن محمد الريسوني" الذي حمل لواء الجهاد منذ عام (1330 هـ = 1911 م).
إلا أن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي كان له الأثر الأعظم في المقاومة الأمازيغية.وقد اصطدم الريسوني بالأسبان عندما احتلوا ميناء أصيلة الذي كان يعتمد عليه في استيراد الأسلحة، وبعدها ساروا إلى احتلال مدينة تطوان، فوقعت مصادمات بينهم انتهت بصلح اتفق فيه على أن تكون الجبال والمناطق الداخلية للريسوني، والساحل للأسبان، غير أن الأسبان نقضوا العهد، وطاردوه، وتوغلوا في بلاد الجبالة، واستطاعوا أن يحتلوا مدينة الشاون أهم مدينة في تلك البلاد في (صفر 1339 هـ = أكتوبر 1920 م).أما في الريف الشرقي بمنطقة الناظور فبرز قائد مقاومة آخر هو المجاهد الشريف محمد أمزيان الذي قاد المقاومة الأمازيغية ضد الإسبان قبل الأمير الخطابي نفسه. إلا أنه مقاومته اصطدمت بقلة الإمكانات والأسلحة.الأمير الخطابيكانت الثورة الثانية ضد الأسبان هي ثورة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، زعيم قبيلة بني ورياغل، أكبر قبائل الأمازيغ في بلاد الريف، وقد وُلد الأمير سنة (1299 هـ = 1881 م) في بلدة أجدير Ajdir، لأب يتولى زعامة قبيلته، فحفظ القرآن الكريم صغيرا، ثم أرسله أبوه إلى جامع القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم الدينية، ثم التحق بجامعة سلمنكا بأسبانيا، وبذلك جمع بين الثقافة الإسلامية وبعض النواحي من الثقافة الأوروبية، ثم عُين قاضيا في السلطة الإسبانية بمدينة مليلية التي كانت خاضعة لأسبانيا، وأثر فيه عندما كان قاضيا مشهد ضابط أسباني يضرب أمازيغيا بالسوط في شوارع مليلية، ويستغيث ولا يغاث، عندها رأى الوجه القبيح للاستعمار، وأدرك أن الكرامة والحرية أثمن ما في الحياة.وكان الأسبان قد عرضوا على والد الأمير أن يتولى منصب نائب السلطان في تطوان التي تحت الحماية الأسبانية، وأن يقتصر الوجود العسكري الأسباني على المدن، إلا أنه اشترط أن تكون مدة الحماية محددة فلم ينفذ هذا العرض.وبعد سيطرة أسبانيا على مدينة الشاون وإخضاع منطقة الجبالة، استطاعت أن تركز جهودها وقواتها في بلاد الريف، أعلن معارضته للاستعمار، ورفض تقديم الولاء للجنرال الأسباني غوردانا؛ فما كان من الجنرال إلا أن عزل الخطابي عن قضاء مليلية، واعتقله قرابة العام، ثم أطلق سراحه، ووضعه تحت المراقبة، وفشلت إحدى محاولات الخطابي في الهرب من سجنه، فأصيب بعرج خفيف لازمه طوال حياته، ثم غادر مليلية ولحق بوالده في أجدير، وفي هذه الأثناء توفي والده سنة (1339 هـ = 1920 م) فانتقلت الزعامة إليه.
من القضاء إلى الثورة
تولى الأمير المسلم الخطابي زعامة قبيلة أيت ورياغل، وقيادة المقاومة في بلاد الريف المسلمة. زحف الجنرال سلفستر قائد قطاع مليلية نحو بلاد الريف، واحتل بعض المناطق دون مقاومة تُذكر، واحتل مدينة أنوال، وتقدم اثني عشر ميلا بعدها؛ فظن أن قبائل بني ورياغل خضعت له، ولم يدرِ أن الأمير الثائر أراد أن يستدرجه إلى المناطق الجبلية ليقضي عليه تماما، وأنه ادخر رجاله لمعركة فاصلة. بلغ قوام الجيش الأسباني بقيادة الجنرال سلفستر 24 ألف جندي استطاع أن يصل بهم إلى جبل وعران قرب أجدير مسقط رأس الأمير، وعندها قام الخطابي بهجوم معاكس في (25 شوال 1339 هـ = 1 يوليو 1921 م) استطاع خلاله أن يخرج الأسبان من أنوال، وأن يطاردهم حتى لم يبق لهم سوى مدينة مليلة، وكانت خطة هجومه في أنوال أن يهاجم الريفيون الأسبان في وقت واحد في جميع المواقع؛ بحيث من الصعب عليهم عليهم إغاثة بعضهم البعض، كما وزع عددا كبيرا من رجاله في أماكن يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارين. إلا أن خطة المقاومين الأمازيغ كانت الأقوى رغم بساطة أسلحتهم الخفيفة.
واستعمل الأمير خطة حرب العصابات الغير النظامية واستدرج الإسبان إلى فخ محاط بتضاريس وعرة فوجد الإسبان أنفسهم محاصرين.وقتل أو أسر معظم الجيش الأسباني بما فيهم الجنرال سلفستر الدي انتحر هروبا من الهزيمة. واعترف الأسبان أنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيرا. وهو نصر عملاق بالمقاييس العسكرية المحايدة يصعب تحقيقه من طرف الجيوش الكبرى. أما المجاهدون الأمازيغ فقد أنجزوه في بضع ساعات. واستولى المجاهدون على 130 موقعا من المواقع التي احتلها الأسبان، وحوالي 30 ألف بندقية، و129 مدفعَ ميدان، و392 مدفعا رشاشا.
ولم يوسع عبد الكريم الخطابي عملياته إلى مليلية المحتلة، لأنه فضل تنظيم صفوفه وتحصين مواقعه وعدم الاستعجال للمحافظة على انتصاره. وتمكن الأسبان من حشد ستين ألف مقاتل، وقاموا بهجوم معاكس في (10 محرم 1340 هـ = 12 أيلول 1921 م)، استرجعوا بعض ما فقدوه، وبلغ مجموع القوات الأسبانية في ذلك العام ببلاد الريف أكثر من 150 ألف مقاتل، ورغم ذلك أصبح وجود الأسبان مقصورًا على مدينة تطوان والموانئ وبعض الحصون في الجبالة، أما المجاهدون الأمازيغ فقد استولوا على أغلب بلاد الريف. ويفسر الأسبان وقوع هذه الهزيمة إلى طبيعة البلاد الصعبة، والفساد الذي كان منتشرا في صفوف جيشهم وإدارتهم، وأرسلت حكومة مدريد لجنة للتحقيق في أسباب هذه الكارثة المدوية، تعددت أن الأسباب تكمن في إقامة مراكز كثيرة دون الاهتمام بتحصينها تحصينا قويًّا، كما أن العمل على تعبيد الطرق التي تربط بين هذه المراكز كان خطأ كبيرًا من الناحية العسكرية، ويعترف التقرير بأنه لم يكن أمام المجاهدين المغاربة إلا أن يلتقطوا الأسلحة التي تركها الجنود الفارون، وكشف التقرير حالات بيع بعض الضباط لأسلحة الجيش.
من الثورة إلى الولاء وتقديم البيعة
بعد الانتصار العظيم الذي حققه الخطابي في أنوال عرفت شهرته في بلاد الريف وخارج بلاد مملكة المغرب حتى وصلت أصداء انتصاراته إلى الصين وأميركا. وأعلن الأمير المسلم الخطابي جمهورية مستقلة تحت اسم جمهورية الريف. وأرسل وفودا رسمية إلى بريطانيا وفرنسا للتعريف بالجمهورية وإقامة علاقات ديبلوماسية. وشجع الأجانب وخصوصا البريطانيين على تعاطي التجارة مع بلاد الريف. وقد أعلن عن جمهورية الريف بسبب عدم دعم سلطان المغرب لهم لمقاومة الإسبان والفرنسيين.ولم يعترف بسلطان المغرب، حتى تم نفي الخطابي إلى جزيرة لارينيون أواخر عام 1926. وفي عام 1947 وحين كانت السفينة كاتومبا الأسترالية متوجهة به إلى فرنسا، والتي توقفت بمصر، فإنه لجأ إلى السلطة المصرية، وبعد نضال استمر ضد الاستعمار بشمال أفريقيا والعالم العربي والإسلامي، وبكل أنحاء العالم. وبها توفي عام 1963، ولا زال ضريحه في مقبرة الشهداء بمصر.
المراجع
areq.net
التصانيف
تاريخ المغرب الريف حروب الريف تاريخ الأمازيغ التاريخ