وافقت المحكمة الإسبانية على البحث عن رُفات الشاعر العظيم فيديريكو غارثيا لوركا والتعرف عليها. ومعروف أنّ لوركا لقيَ مصرعه في بداية الحرب الأهلية الإسبانية في آب/أغسطس 1936 على أيدي رجال الجنرال فرانكو من غير تحقيق أو محاكمة. ويرقد جثمانه في قبر جماعيّ بالقرب من مدينته الأمّ غرناطة. فقد عاين الخبراء يوم 20/10/2008 موقعين يُحتَمل أن يكون جثمان لوركا مدفوناً في واحد منهما. وقال الخبراء إنّ عملية البحث عن رُفاته سوف تبدأ في منتصف الشهر الجاري (تشرين الأول/نوفمبر 2008). ومهما بدا الأمر غريباً، فإنّ ما كان يحول دون التعرف على رُفات الشاعر لوركا حتى وقت قريب هو الرفض القاطع لهذه العملية من جانب ورثته. غير أن هؤلاء الورثة تراجعوا عن رفضهم مؤخراً، في شهر أيلول/سبتمبر المنصرم.

ينبغي القول إن موقف أقرباء لوركا من هذه المسألة لم يكن يلاقي قبولاً من جانب الرأي العام الإسباني، ولا سيّما في هذا الوقت لذي تتسع فيه لتشمل إسبانيا كلّها حركةٌ تدعو إلى القيام بدفن مشرِّف يليق بعشرات الألوف من أنصار الجمهورية الذين قتلهم أعوان فرانكو دون محاكمة خلال الحرب الأهلية (1936-1937) وسنوات دكتتورية فرانكو. فهناك كثيرون من أبناء وأحفاد ضحايا التنكيل في عهد فرانكو يجازفون، على مسؤوليتهم الخاصة، ويحفرون القبور الجماعية تحت إشراف الخبراء لتحديد هويّات أقربائهم المغدورين بغية مواراتهم الثرى بطريقة لائقة، وَفقاً للقوانين الإلهية والبشرية. زِدْ على ذلك أنّ هذه المبادرة الشعبية اتّخذت الآن صفة قانونية، بعد أن سنَّ البرلمان الإسبانيّ يوم 31/12/2007 قانوناً بخصوص إحياء ذكرى قتلى ذلك العهد. وقد أُنيط تطبيق هذا القانون قبل مدّة قصيرة بالمحقّق الشهير في القضايا بالغة الأهمية بالتثار غاستون.

فما الذي كان في الحقيقة سبباً لذلك الرفض الذي كانت تبديه أسرة لوركا ثم راجعت عنه مؤخّراً؟ إنّ مفتاح هذا اللغز يكمن في واقعة مفادها أنّ أقرباء الشاعر الذين غادروا إسبانيا تفادياً للتنكيل، ولجأوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تلقّوا منذ عام 1955 عرضاً من قبل الدكتاتور فرانكو عن طريق كاتب من حاشيته هو خوسيه ماريا بيمان يُسمَح بمقتضاه الكشف عن رُفات لوركا ودفنها كما ينبغي.

يومها ردّ أقرباء لوركا على ذلك العرض برفض قاطع قائلين إنهم لا يرغبون بالمشاركة في هذه اللعبة القذرة التي يديرها الدكتاتور (الذي تشير معطيات كثيرة إلى أنه يتحمل المسؤولية المباشرة عن تصفية لوركا جسدياً، وتؤكّد دوره شخصياً في محاولات الإساءة إلى سمعته وشرفه في السنوات الأولى التي أعقبت قتله). وتتلخّص تلك اللعبة في أنّه، بعد أن أدرك الدكتاتور فرانكو ما خلّفه مقتل لوركا من أثر رهيب في العالم كلّه، وبعد أن رأى صدى هذه الجريمة يزداد دويّا واتساعاً، حاول أن يصوّر عملية قتل الشاعر على أنها "غلطة سبّبتها الحرب"، وبذلك يسترضي أقرباء المغدور ليصبحوا أداة لمحو ذكرى تلك الفِعلة النكراء من أذهان الناس. على أنّ أقرباء الشاعر أشاروا في ردّهم على فرانكو يومها إلى أنه يرقد إلى جانب لوركا آلاف من ضحايا التصفيات الفرانكوية، ولذلك فإنّ بقاء رُفات لوركا بينهم سيزيد من شحذ تذكير الناس جميعاً بجريمة الجنرال فرانكو ونظامه.

لقد انقضى في إسبانيا زمن طويل على تلك الجريمة. ورغم أنّ والد لوركا قال على متن السفينة المبحرة إلى نيويورك يومها، وهو يغادر وطنه بعد مقتل ابنه بوقت قصير، إنّ قدمه "لن تطأ يوماً هذه الأرض اللعينة"، فإنّ جميع أقرباء الشاعر عادوا إلى وطنهم، وبذلوا قُصارى جهدهم من أجل تخليد ذكرى سلفهم العظيم. فقد أنشأوا صندوق لوركا الذي يتولّى الحفاظ على إرثه الأدبيّ وحماية الأماكن التي ترتبط به في غرناطة وضواحيها. وتمكّنوا، بفضل مساعدة الناس لهم، من أن يمنعوا بناء (فيلات) غنية في منطقة القبور الجماعية في فيسنار، حيث أُقيم نصب تذكاريّ متواضع يشير إلى أنّ رُفات لوركا موجودة بين آلافٍ ممن سقطوا ضحايا إرهاب فرانكو. إلا أنّ أقرباء الشاعر أصرّوا على موقفهم قائلين: قلتبقَ رُفاته حيث قُتِل".

وكان له أنصار يؤيّدون هذا الموقف، أمثال الكاتبة الفرنسية الشهيرة مارغريت يورسِنا التي كتبت بعد أن زارت وادي فيسنار عام 1960: "يصعب التفكير بمكان أبدع من هذا المكان لدفن الشاعر". غير أنّ كثيرين لم يوافقوها الرأي. قالأغلبية كانت تؤيّد الرأي الذي عبّر عنه أبرز الباحثين في إبداع لوركا وكاتب سيرته، وهو الإرلندي إيان غيبسون المقيم في إسبانيا، إذ قال: "إنّ لوركا ملْك إسبانيا والبشرية جمعاء، وليس ملْك أسرته وحدها، لأنّه غدا رمزاً قومياً عندما دفع حياته في سبيل الحرية والديمقراطية في إسبانيا".

ولم تغير عائلة لوركا موقفها الذي استمرّ سنوات طويلة إلا مؤخّراً، بعد خطاب إلى القاضي غارسُن توجّهت به حفيدة معلّم قرويّ جمهوريّ هو ديوسكورو غاليندو الذي أُعدِم رمياً بالرصاص في وقت واحد مع لوركا واثنين من مصارعي الثيران كانا ينتميان إلى التيار الفوضويّ. ذلك أنّ نيِفيسا، حفيدة المعلّم المقتول، طالبت المحقق باتخاذ قرار يسمح بالتعرف على رُفات جدّها كي تتمكّن من دفنه في قبر انفراديّ. وتوجَّه بطلب مماثل إلى القاضي غارسن ورثة فرانسيسكو غالادي، أحد المصارعَين اللذين قُتِلا مع لوركا. على أن رفض هذين الطلبين مستحيل من وجهة نظر القانون. ولكن من الواضح أن عملية البحث عن الضحيتين لا بدّ أن تمس رُفات الشاعر أيضاً، مادام الجميع يرقدون جنباً إلى جنب. وهذا ما جعل عائلة لوركا ترتعد. ففي مقابلة أجرتها صحيفة El Pais مع لاورا، بنت أحد إخوة الشاعر، مديرة صندوق لوركا والناطقة باسم جميع أقربائه، قالت: "إنّ جميع القتلى يرقدون الآن في قبر واحد لأنهم سقطوا جميعاً ضحايا جريمة همجية ظالمة. ونحن لا نريد أن يوضع لوركا أعلى من أيّ منهم، فليرقدْ معهم على قدم المساواة، وليأخذِ اسمُه مكانه في قائمة أسماء الضحايا وَفقاً للترتيب الأبجديّ. لقد كنّا في الماضي نكتفي بالتعبير عن رأينا نحن، ولا نرغب اليوم في التسبّب للآخرين بما يمنعهم من البحث عن رُفات أقربائهم الذين قتلهم رجال فرانكو، وذلك احتراماً لهم وتفهُّماً لمشاعرهم".

على أنّه من غير المتوقَّع أن يكون البحث عن رفات القتلى سهلاً، وذلك نظراً لأن مكان رفات الشاعر والمعلم ومصارعَيْ الثيران الفوضويَين ليس معروفاً حتى الآن، أهي موجودة في المكان الذي أشار إليه عضو من فرقة الدفن شارك في دفن القتلى في قبر جماعيّ وضعوا عليه الآن حجَراً للذكرى، أم على بعد 450 متراً عن ذلك المكان، كما يقول شهود عيان آخرون. إلا أنّ عُربون نجاح البحث هو أنّ مَن يبدي استعداده للقيام بهذه العملية هم علماء الجينات في جامعة غرناطة، أصحابُ الخبرة الواسعة في هذا المجال. فهم الذين كشفوا عن رفات البحار العظيم كريستوف كولومبوس ومئات من ضحايا التصفيات الجسدية التي اقترفتها الدكتاتوريات العسكرية في الأرجنتين وتشيلي.

ما الذي سيحدث عندما يعثرون على رفات الشاعر لوركا؟ ويتساءل الكاتب فرانسيسكو ريكو عمّا إذا كان "لوركا سيرقد في الضريح الذي أُعِدََّ له في فيسنار، ويرقد الضحايا الآخرون غير بعيد عنه في مقبرة أُعدَّت لهم؟". وردّاً على هذا السؤال قالت لاورا غارثيا لوركا إنّ العائلة لم تتّخذ بعدُ قراراً بهذا الشأن، ولكنّها ذكرت أنّ رفات لوركا قد تدفَن في ويرتا دي سان فيسينتا.

وهكذا، فليس مستبعداً أن يصبح في مقدور عشّاق الشاعر العظيم فيديريكو غارثيا لوركا أن يزوروا قبره في المدى المنظور.


المراجع

موسوعة الاوان

التصانيف

تراجم