حتى وقت غير بعيد ساد مفهوم تقليدي عن الحركة بمقتضاه لا بد وأن تعتمد هاته نقطة انطلاق، نقطة "أصل" هي مصدر الحركة والمتكأ الذي تستند إليه. هذه هي النقطة التي يطلق عليها الفيزيائيون نقطة الارتكاز. بيد أن الأمر لا يقتصر على التصور الفيزيائي وحده. يلاحظ دولوز أن جل الرياضات التقليدية تعتمد هذا المفهوم عن الحركة مثل رياضة رمي الرمح و قذف الكرات بمختلف ألوانها، وحتى العدو الريفي يقوم على هذا المفهوم و يجد نقطة ارتكازه في المتسابق نفسه حيث يكون العداء مصدر حركته.

ليست هذه حال الرياضات الجديدة التي يحاول فيها الرياضي أن يتسلل وينخرط ضمن اهتزازة سابقة كأن يحشر نفسه في حركة موجة عالية على سبيل المثال. بدل أن يرتكز على نقطة فهو يتسلل، ينسل بين، انه يقتحم دوامة، وينخرط فيما هو قيد الحركة.

وهكذا، مقابل مفهوم عن الحركة يؤكد على" الانطلاق فالوصول"، يقوم مفهوم مغاير يشير إلى "ما يجري بين". بيد أن هذا المفهوم المغاير ما ينفك يلاقي صعوبات في أن يفرض ذاته. لذا فنحن نلحظ حنينا متزايدا وعودة ما تنفك تظهر إلى مفهوم الارتكاز والانطلاق من أصل والاستناد على مرجعيات قارة. صحيح أن المرجعيات قد تتبدل إلا أن الحنين إلى "أرضية صلبة" لا ينفك عن الظهور.

هذه الأرضية نلمسها خصوصا فيما يتعلق ب "الحركة" الفكرية. وغالبا ما يتم ذلك تحت قناع وهم فلسفي يزعم أنه يولي الحركة كبير عناية، وأنه ما ينفك يعمل فكره "في" التاريخي. بيد أننا وكما يلحظ دولوز، كلما أولينا عنايتنا إلى التاريخ فإننا لا نقوى على بعث الحركة. إذ لا يكفي الجزم بأن المفاهيم تتحرك، وإنما ينبغي إبداع مفاهيم قادرة على إحداث الحركة.

أميل إلى الاعتقاد أن التمييز الذي أشرنا إليه بين المفهومين عن الحركة هو التمييز عينه الذي يضعه دولوز، بعد نيتشه، بين الصيرورة والتاريخ. يقتبس دولوز نصا لشارل بيجي من كتابه كليو يميز فيه بيجي بين طريقتين للنظر إلى الحدث: إحداهما تتعلق باستعراض الحدث والوقوف على تحققه في التاريخ ومعاينة شروط حصوله وذوبانه، أما الأخرى فتروم الإقامة في الحدث كما لو كان صيرورة، والوقوف على مركباته وخصائصه المتفردة.

الصيرورة ليست هي التاريخ: الصيرورة حركة من غير "حكاية كبرى"، حركة لا تتكئ على سند ولا تعتمد "مرجعية"، أما التاريخ فيكتفي بأن يعين مجموع الشرائط التي ينبغي أن نوليها ظهرنا كي نخلق شيئا جديدا، أي كي نصير. الصيرورة ليست حركة تنطلق من لتتجه نحو، بل حركة تتسلل بين الفجوات كي تقوم "ضد الراهن".


المراجع

موسوعة الاوان

التصانيف

حياة