بالأمس القريب ودعنا رجلاً صالحاً - نحسبه كذلك والله حسيبه - خطف فجأة من بين أهله زوجه وعياله وأحفاده ... لا يشتكي من أي مرض صحته ولا أحلى ولا أجمل ... عابداً حامداً شاكراً فضل الله عليه ومنه وكرمه ...
وكما هي العادة أستيقظ وأتجهز للذهاب للمكتب ... جاءني ذلك الهاتف من شقيقتي وهي تبكي وقالت لي لقد مات أبو عماد وعماد في المستشفى انكسرت رقبته ... لم أستوعب ما قالت إلا بعد فترة وأحسست بالاختناق لعدم التصديق ... تظل تنظر للموت في الآخرين أنه شيء عادي وتترحم بهدوء واطمئنان ... وما أن يكون الحدث فيك وفي خاصتك حتى تصعق وتتبلم وتصبح لا تفهم لا تعرف لا تعي ولا تصدق ... واتجهت إلي منزلهم الذي يبعد عن منزلي ما يقارب الربع أو الثلث ساعه كارهة للسيارات ومن يقودها ومن يستخدمها ومن صنعها وابتكرها ولمن تهور بقيادتها ...
نسيبنا له محل بقاله قريب من منزله كل يوم في الصباح يصل إليه في حافلة أكبر أولاده .. وهذا الأخير شاب لم يصل الثلاثين متدين يلتمس سنة نبيه في كل أمره - اللهم دائماً وأبداً إن شاء الله - متزوج وله أربع أطفال أكبرهم في سن الثامنة ... وكعادته يوصل والده إلى محل البقالة مع أن المكان ليس ببعيد ولكنه على سفح جبل فحتى لا يتعب الوالد من الصعود يقوم الابن بتوصيله لمكان عمله الذي يقع على دوار كبير في وسط تلك المنطقة .. كانت الساعة قبل السابعة صباحاً عندما أصبحوا قرب المحل وما أن وقفت حافلة الابن الصغيره قرب المحل ونزل الأب منها إلا وحدث ما كتبه الله لهذه العائلة في تلك اللحظة المقدرة دون تأخير ولا تقديم ... سبحانه مقدر الأقدار ومحدد الآجال ومسبب الأسباب ومدبرها ألطف بنا وتوفنا وأنت راض عنا أللهم آمين يا عظيم ...
شيء ضرب بقوة هائلة تلك الحافلة الصغيره وهي واقفه عند الرصيف بعدما هبط الوالد منها تبين لاحقاً أنها حاوية بضائع كبيرة ضخمه تزن (37 طناً) مليئة بالبضائع ومع أنه سائقها على دوار والذي يستخدم السيارات يعلم جيداً أن السرعة لا يجب أن تكون عاليه أثناء الدوران إلا أنه كان يقود تلك الحاوية بسرعة جنونية مع حملها الثقيل فما كان منه إلا أن انحرف عن مسار الشارع وارتطم بحافلة الابن الصغيرة ودفعت تلك الحافلة كبينة هاتف عمومي ارتطمت بالوالد وأردته قتيلاً على الفور ... حصل هذا الأمر بلحظة واحده لم يستوعبها الابن ولم يعرف مالذي حصل ... إلا أنه وفجأة وجد نفسه منقولاً من كرسي القيادة إلى الكرسي الآخر وقد كسر كتفه وليست رقبه والحمد لله على كل شيء... وأصابته بعض الخدوش إلا أن إصابته كانت قويه بحيث لم يستطع أن ينهض والحافلة مقلوبة على جنبها الأيمن وكادت تسقط في الهوة القريبة من محل والده لولا تلك السيارة التي كانت تقف كالسور الذي منعه من الانزلاق للمنحدر .. فجأة وجد نفسه كومة على ذلك الكرسي وهاتفه النقال بين يديه بتقدير من الله حتى يستخدمه لطلب النجده ... كانت الأفكار تراوده باستغراب لماذا لم يأتي والدي لإنقاذي ..الآن سيأتي .. لماذا تأخر علي .. وكل ذلك في لحظات طبعاً فاللحظة في هذه الأمور تبدو كالسنة المملة الطويلة .. وبتقدير المولى العلي القدير تناول الهاتف وأخذ يتصل على أشقائه في المنزل يطلب منهم العون والنجده ... أخذ يردد وهو في ذلك الوضع لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. وأخذ يرفع من صوته لعل أحداً يسمعه لا إله إلا الله محمداً رسول الله ... وفي تلك الأثناء سمعه بعض من تجمع حيث أنهم لم ينتبهوا لوجود مصابين في الحافلة وما أن اقتربوا منه ووجدوه ملقاً دون حراك تفاجأوا بوجود الأب بالقرب من الحافلة والذي كان قد أصيب إصابة قاتله أخرجوه من الحافلة فوجد والده ملقاً على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيره وقال أن روحه خرجت بكل سهوله ويسر ... أللهم تقبله في جناته واغفر له واعف عنه وارحمه وجميع أموات المسلمين أللهم آمين ... هنا خنقتني العبرة الحره عليه راضية بهادم اللذات ومفرق الجموع المأمور من قبل المقدر القادر المقتدر صاحب الآجال وصاحب الأرواح ومرجعها إليه سبحانك لا إله إلا أنت قهرت عبادك بالموت .. إلا أن من يؤمن بك حقاً لا يخاف لقاءك ويتمنى رؤيتك أللهم اجعلنا ممن يفرحون للقائك والذين يسعدون برؤية وجهك الكريم أللهم آمين .. اللهم آمين .. اللهم آمين ...
نظر الابن لأبيه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ... قال لهم اذهبوا به للمستشفى ليتم غسله ودفنه دون تأخير أبداً ... وكان أخوته قد وصلوا لمكان الحادث ونقلوهم للمستشفى ...
يقول الذي قام بالدفن ... دفنت الكثير من الناس لكنني لم أشعر بهذا الشعور من قبل أولاً عندما أخذنا جثمان هذا الصالح - نحسبه كذلك اللهم آمين - ووضعناه في القبر كنت دائماً أدخل إلى القبر وأنا أرتدي نعالي ولكن هذه المره دون وعي مني نزعت نعالي وأنا أهم في النزول للقبر وشعرت بأن المكان واسع ورحب بشكل لم أشعر به من قبل ونزل معي أيضاً ثلاث أشخاص ... فتخيلوا مساحه لا تتعدى المتر بالمتر تتسع لخمس أشخاص من ضمنهم فقيدنا وشعور ذلك الرجل باتساع القبر جعل الله قبره روضة من رياض الجنة اللهم آمين ..
تحسر الابن وهو قابع في المستشفى ونزلت منه دمعة حره ... قال أنا من غسل أمواتاً كثر تشاء الأقدار أن لا أكون ممن غسلوا والدي ... ؟؟
| | |
رحمة الله عليك يا أبا عماد ... الحمد لله الذي لطف بنا وبهذه العائلة الطيبة أن رد لهم أخاهم الأكبر سالماً معافاه بين أطفاله يلهون من أمامه وهو بصحة وعافية الحمد لله اللطيف الرحمن الرحيم ...
أللهم لا تجعلنا من الغافلين
أللهم لا تجعلنا من اللاهين
أللهم لا تجعلنا من الخاسرين
أللهم واجعل يوم قبضنا سهلاً سلساً سعيداً مفرحاً لنا
أللهم واجعل قبورنا روضة من رياض جنانك
أللهم وتقبلنا في رحمتك وجنتك
أللهم واغفر لميتنا وارحمه
أللهم اغفر وارحم جميع أمواتنا وأموات المسلمين
أللهم واجمعنا مع أحبتنا في جنانك على سرر متقابلين
أللهم آمين
أللهم آمين
أللهم آمين
المراجع
الموسوعة الإلكترونية العربية
التصانيف
قصص مجتمع الآداب قصة
login |