" انفجر (أيمن) .. لينفجر معه كل شىء .. انفجر بعد أن تراءت أمام ناظريه صورة الفدائي المقاتل (أبو يحيى) يقفز من بيت لآخر وصواريخ الاحتلال تدك المنازل تحيلها ركاماً وأطلالَ ، ثم ترمي جسد (الشيخ زكريا) نموذجه الفذ الحي بقذيفة الظلم و الجبروت ... وتراءى أمامه قسمه بالثأر (لأبي يحيى) وها هو يدفع ضريبة الوفاء لدماء المجاهدين من دمه " في حي الدرج الصابر المرابط وبجوار (مسجد عز الدين القسام) علم الجهاد والاستشهاد في فلسطين ، كان القدر يرسم خطوطه بعناية حيث أطلت شمس الثامن عشر من مايو من العام

ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين .. ومعها أطلت شمس (أيمن) .. وهذا الوليد الميون كان الوالد (صلاح عطا الله) متفائلاً بهذا الوليد الجديد ، فأسماه (أيمن) .

نما (أيمن) في أحضان والديه ونشأ على كل خصال الخير ، فوالداه يحملان الحرص الكامل والكافي لهذه التربية العميقة وإلى جواره (مسجد القسام) يرتاده في كل الصلوات يؤدي فريضة ربه ويحفظ من كتاب الله تبارك وتعالى ويتفقه علوم الفقه والتشريع والأصول والتفسير والحديث حتى نشأ فتىً عالماً جاداً ، ومارس إضافة إلى ذلك كافة الأنشطة الرياضية وتخصص في ألعاب القوى والننشاكو والكراتيه حتى اكتملت فيه عناصر القوة .. قوة الإيمان وقوة الساعد. فكان هذا الأيمن منذ طفولته الناعمة الهادئة راغباً في منهج القوة والعسكرية حيث كانت جميع ألعاب طفولته .. الملابس العسكرية .. وقطع السلاح البلاستيكية .

وإلى جانب كل ذلك كان الفتى مجتهداً في دراسته ، فالطلبة المتفوقون (أيمن) لهم عنوان وارتقى في مراحل دراسته حتى الثانوية العامة أنهاها بنجاح من (مدرسة فلسطين الثانوية) .. ولم يشغله هذا التفوق المتنوع من أن يمارس نشاطه الدعوي في كافة ميادين الدعوة ومجالاتها.

فقد مثل (أيمن) أمام أقرانه القدوة الإسلامية الصادقة عبر قيادته الكفؤ لنشاط (الكتلة الإسلامية) في مدرسة فلسطين الثانوية ، فحيثما جال بصرك في مدرسة فلسطين وجدت (الأمير أيمن) في مواقع العمل والدعوة والدراسة يؤم طلاب المدرسة في الصلوات .

ويعقد حلقات الدعوة إلى دين الله تبارك وتعالى فترى عشرات الفتيان يلتفون في صعيد واحد يستمعون إلى كلمات (أيمن) الموجهة نحو الارتقاء بمعاني الخير والفوز والعطاء .. ونحو تربية المثل العليا في أذهان الجيل الثائر المنتفض . إضافة إلى نشاط أيمن الملوس في مسجده (عز الدين القسام) ومن ثم (مسجد فلسطين) بعد انتقال سكنه إلى الرمال .

فقد كان يعقد أيمن الجلسات التعليمية للأشبال والفتيان في المسجد يلقنهم أبجديات العقيدة الإسلامية وأسس التوحيد السليم إضافة إلى الفكر الحركي النير المتزن .

كان كل هذا النشاط الدائب مولداً أساسياً لفضل الشهداء وأجر الشهادة ، لذلك لا ترى (أيمن) إلا متحدثاً عن الشهيد وما أعد الله له من الأجر الجزيل أو عن الشهادة والاستشهاد ودورها في رفع الظلم والعدوان عن المسلمين .

وكم حدّث والدته عن الشهادة وكم أنه يتمناها .. وعن (كتائب القسام) ودورهم المحوري في العمل الجهادي العسكري وفي تفعيل ساحة فلسطين بالنار والبارود ، وإغراق المحتل بالدماء .. وأنه يتمنى أن يلقى الله شهيداً وهو في صفوف (كتائب القسام) .

والدافع لكل ذلك هو رفع راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله) خفاقة عالية ، لا تعلوها راية.. ولا تدانيها فكرة .. ولا تقف أمام جحافلها قوة من قوى الأرض الظالمة المستبدة . كم كان يحلم بتحرير الأرض من دنس الاحتلال الصهيوني الجاثم على هذه الأرض الطهور .

كانت الأم الحنون تستمع الى الابن العزيز بكل شغف وحب وحنان ، فهي ترى في (أيمن) مهجة القلب وقرة العين ، فما رد لها كلمة وما تأخر في تلبية طلب لها .. عدا عن مساعدته لوالده من خلال ممارسته لأعمال الدهان والطراشة .. كل ذلك كان دافعاً لأن يكون (أيمن) قريباً جداً من قلب والديه .

كل هذا الحب وهذا العطاء كان كافياً لأن يلتحق بجماعة الإخوان المسلمين .

وقد سبق ذلك مواكبته الفعاليات المتنوعة التي أداها (أيمن) بوجوده في صفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) شعلة الإنتفاضة الفلسطينية ليمثل أيمن وقوداً إضافية لحرب التحرير الشعبية التي خاضتها الجماهير الفلسطينية بكل قوة وعنفوان في تحدٍ واضح لجبروت إسرائيل وظلمها المتغطرس . فمارس كافة الأنشطة الميدانية بدءاً برجم الحجارة وملاحقة جنود الفرار أمام جنرالات الحجارة وأطفالها الميامين إلى تنفيذ فعاليات الإضراب بنصب المتاريس وإشعال النيران في الإطارات .. إلى أن يخط بعلبة طلائه شعارات الإنتفاضة والجهاد والمقاومة .

ولكن التخصص المتميز (لأيمن) كان في إعداد (الزجاجات الحارقة والعبوات الناسفة) ، وقد تتلمذ في ذلك على يد القساميين (بشير حماد ، وعماد عقل) حيث كان (أيمن) ساعداً أيمنَ لهما ينقل السلاح ويرصد أمن الطريق .

وفي أبريل من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين وبينما كان يخوض عدد من شباب حركة حماس ومجاهدوها حرباً حقيقية داخل أقبية التحقيق في سرايا غزة كان (أيمن) يترقب .. فأخبر أهله برغبته في وداع أحد إخوانه وغاب عن البيت عشرة أيام كاملة دون أن يعلم عنه أحد شيئاً.. خلالها حضرت قوات معززة من جنود الاحتلال داهمت بيت (أيمن) بكل عنف وقوة وبحثوا عن (أيمن) في كل مكان .

كان قد أختفى .. قذفوا كل شىء .. حطموا كل ما وقع تحت أيديهم وهددوا (آل عطاالله) أنهم سينسفوا المنزل كاملاً إذا لم يقوموا بتسليم (أيمن) .

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة (أبي مصعب) وخطوة جريئة نحو المواجهة والتصعيد والتحدي .. وزادت هذه المرحلة ضراوة بعد استشهاد البطل القسامي (زكريا الشوربجي) .. حينها أعلن (أيمن) أنه جندي من (كتائب الشهيد عز الدين القسام) وعلى درب (أبي يحيى) الشهيد العملاق حيث أشهر (أيمن) مسدسه وأقسم على الثأر لدم (أبي يحيى) الغالي .. وفي أشهر المطاردة الأربعة (لأبي مصعب) ، لم تكف قوات الاحتلال عن ملاحقته ومداهمة منزله ليلاً ونهاراً ، يأتون ليلاً يطرقون البيت ويدّعون أنهم أيمن قادماً لزيارة أهله ويأتون ليلة أخرى يدعون أنهم (أكرم) شقيق (أيمن) المبعد في (مرج الزهور) .

كانت هذه مرحلة نوعية جديدة في حياة (أيمن) محدودة في عمرها الزمني ، عظيمة في جزيل الأجر من الله تبارك وتعالى فيها للصابرين المجاهدين ، كان (أبو مصعب) يتمنى في كل صباح جديد أن يكون هذا آخر أيامه ، على هذه الأرض وأولها إلى جوار الملك العادل ذي الجلال والإكرام .

وكم أرسل لوالدته يطلب منها أن تكثر له من الدعاء ويرجوها المسامحة كما يرجو والده وكل من يلقاه أن يسامحه .. فقد كان على سفر قريب .

وأرسل لأهله أن يرسلوا من يؤدي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام نيابة عنه وأن يزور قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم - نيابة عنه - وأن يدعو له هناك أن يقبله الله شهيداً ..

كل ذلك كان يثبت بشكل قاطع كم كان يرحل (أبو مصعب) إلى جوار ربه في خلواته .. في أهازيج قلبه الآزف للرحيل كل حين ، ولم يكن يغفل (أبو مصعب) على حداثة سنه أن استشهاد إخوانه واستشهاده كذلك ما هو إلا مرحلة محدودة في طريق الصعود للعملاق الإسلامي .

وأن الخطوات لابد أن تتكامل وتتواصل عبر شلالات الدم المهراق وعبر تواصل أجيال المسلمين الناشئة على مائدة القرآن العظيم لأن ذلك هو الضمان الأكيد لتحقيق الهدف الأعظم ببناء دولة الخلافة الراشدة . وكان في كل هذا الوقت لا يغفل عن تواصل الجهاد القسامي على أرض الرباط ، كان يحلم بذاك اليوم الذي يرتقي فيه إلى عليين في جوار (زكريا وياسر ومروان) بإذن الله تبارك وتعالى .

فساهم في هذه المرحلة بفاعلية في إعداد العبوات وتجهيز المقاتلين بالعتاد ، والتخطيط الدائم لملاحقة أعداء الله تبارك وتعالى .

وكان من ضمن العمليات التي شارك في التخطيط لها (عملية مسجد مصعب بن عمير) في (حي الزيتون) الشهيرة والتي قتل فيها جنديان .

ولما نشطت خطوات عقد اتفاقية بين إسرائيل والفلسطينيين كان أيمن له رأي آخر .. فلا يريد عيش تلك المرحلة ولا رؤية هذا التعايش غير المتوازن بين مغتصبي الأرض ينهبون كل شىء وبين شعب مظلوم مضطهد تتقاذفه الفتن وتمضي به الأحداث بعيداً عن حقيقة الصراع .

وما كاد يقترب الثالث عشر من سبتمبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين ، حيث يسود الضجيج الإعلامي بالمؤتمر المنشود لتوقيع إتفاقية أوسلو في البيت الأبيض الأمريكي ، وقبل الاحتفال بيوم واحد كان (أيمن) يختار طريقه ويرحل .

استقل سيارته (504) وجهزها وعلى طريق الشيخ عجلين انطلق أيمن يبحث عن فريسته المنشودة وما أن ظهرت سيارة إسرائيلية عسكرية تتبع مصلحة السجون ، إضافة إلى سيارة عسكرية أخرى تقدم أيمن منهما بكل عزم وثبات ، وملاصقة بهما انفجر أيمن لينفجر معه كل شىء .. انفجر بعد أن تراءت أمام ناظريه صورة الفدائي المقاتل (أبو يحيى) يقفز مطارداً من بين إلى آخر .. وصواريخ الاحتلال تدك المنازل وتقصف البيوت الآمنة لتحيلها ركاماً وأطلالاً.. ثم تقذف جسد (الشيخ زكريا) نموذجه الفذ الحي بقذيفة تحمل كل الظلم والجبروت .

وتراءى أمامه قسم الثأر (لأبي يحيى) .. وها هو يدفع ضريبة الوفاء لدماء المجاهدين من دمه ويذيقهم بعض ما أصاب المسلمين من كمدٍ ومشقةٍ .

انفجر (أيمن) لتهوى معه فتات بني يهود يمزقها أشلاء ويقذف فيهم الرعب لتهوى جنودهم المدججة المغرورة صاغرة أمام عمالقة مجاهدي القسام ، وما أن تناقلت أنباء استشهاد أيمن عطاالله ، وتفجير سيارتين إسرائيليتين حتى سادت صورة جديدة أطفأت جزءاً من أهازيج الإعلام المزيف ، بحلول السلام على أرض السلام وسادت أجواء المنطقة غمامة تصاعدت من نيران (أبي مصعب) الثائرة وانفجاره المدوي .. غمامة حجبت أكاذيب الإعلام وأزاحت غيوم الكذب والنفاق لتبرز حقيقة الواقع المر الذي يعيشه شعب فلسطين .

وفى رحيله الحر الأبى الكريم كتب (أبو مصعب) لأهله آخر هذه الكلمات أوصاهم فيها بتقوى الله تبارك وتعالى

وسلوك درب المرابطين ، وما إن وصل الخبر إلى آل الشهيد حتى حمدوا الله تبارك وتعالى وفرحوا لزفاف ولدهم إلى الحور العين ، فقد كان يرغب بهذا الزفاف الميمون وأنه كان راغباً في الشهادة محباً لدرب الشهداء العظام .

وقامت والدته بأداء ركعتي شكر لله تبارك وتعالى أن قر عينها برؤية ولدها شهيداً ثم رددت مراراً قول " إنا لله وإنا إليه راجعون " .

لم يفاجأ أحد باستشهاد (أبي مصعب) ، فقد كان قراره مصيرياً راسخاً بالشهادة وكان التنفيذ مسألة وقت ، وكل من علم باستشهاده أيقن أن القطاع فقد شاباً خلوقاً يذكرونه بالخير العميم والصفات الحميدة ... فقد كان مثالاً للمعاملة الطيبة يقابل كل من يلقاه بابتسامة وبشاشة وود .

أما إخوانه في (مسجدي القسام وفلسطين) فقد انهمرت الدموع من عيونهم حزناً على فراق (أيمن) الغالي وفرحاً باستشهاده ، فقد كان يحدثهم دوماً عن حبه للقاء الله تبارك وتعالى وحبه للقاء الصحابة الأجلاء في جنات النعيم ثم دعوا له بالمغفرة والرضوان ..

ونصب سرادق كبير عزاء للشهيد الذي زاره الشبان من كافة أرجاء القطاع تقديراً للشهيد العزيز ، وقد أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) احتفال تأبين للشهيد أمه الآلاف إكراماً للشهيد الغالي ، وحضرت إلى الاحتفال خلية قسامية أطلقت الرصاص في الهواء تحية للشهيد القسامي (أيمن عطا الله) .

وفي ليالي سبتمبر قدمت قوات معززة من جيش الاحتلال تصطحب أشلاء الشهيد الغالي وبرفقة عدد محدود من أبناء العائلة وورى (أبو مصعب) الثرى ليرقد رقدته الأخيرة هانئاً .. باسماً .. فقد حقق ما يريد .. ونال ما تمنى بإذن الله تعالى .


المراجع

موقع مملكة القصص الواقعية

التصانيف

قصص