الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم » مسألة بقاء معنى هذه الآية أو ارتفاعه فإن عثر على أنهما استحقا إثما

- الجزء الثاني - المسألة الثامنة والثلاثون : في بقاء معنى هذه الآية أو ارتفاعه - ( قوله فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) - . قال ابن عباس حكمها منسوخ . وقال الحسن : حكمها ثابت ، فمن قال : إنها منسوخة قال : إن اليمين الآن لا تجب على الشاهد ؛ لأنه إن ارتيب به لم تجز شهادته ، وإن لم تكن هناك ريبة ولا في حاله خلة لم يحتج إلى اليمين ، وعلى هذا عول جمهور العلماء ونخبتهم . وقد قرر الله تعالى ذلك وحققه بأمره في قوله تعالى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .

و ( ممن ترضون من الشهداء ) . فوقعت الشهادة على العدالة ، واقتضيت اليمين منها إن كانت فيها . وأما من قال : إنها ثابتة فاختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : إن شهادة أهل الذمة جائزة في السفر ؛ منهم أحمد كما تقدم يجوزها في السفر عند عدم المسلمين بغير يمين ، وصار بعض أشياخنا إلى أن ذلك باق باليمين ، وهو خرق للإجماع ، وجهل بالتأويل ، وقصور عن النظر ، وإذا أسقط أحمد اليمين فلا حجة له في الآية ولا في الحديث ؛ لأن اليمين تثبت فيهما جميعا . والصحيح أن الشهادة اليمين ، وهي هاهنا يمين الوصيين ،

كما سميت اليمين في اللعان شهادة . وقال الطبري : إنما حكم الله سبحانه باليمين على الشاهدين في هذا الموضع من أجل دعوى ورثة الميت على المسند إليهما الوصية بالخيانة ، أو غير ذلك ، ما لا يبرأ فيه - ص 252 - المدعي ذلك قبله إلا بيمين ؛ فإن نقل اليمين إلى ورثة الميت إنما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين في أيمانهما بإثم ، وظهر على كذبهما في ذلك بما ادعوا من مال الميت أنه باعه منهما ، وهذا بناء على أن الخيانة ظهرت في أداء المال ، ولذلك حلفا مع الشهادة .

قال القاضي ابن العربي : وهذا يصح على إحدى الروايات التي ذكر فيها أنهما ادعيا بيع الجام منهما . وأما على الرواية الأخرى فلا يستقيم هذا التأويل لأن الشاهدين أديا التركة فيما ذكر فيها ، وانقلبا على ستر وسلامة ، ثم بعد ذلك ظهرت الخيانة في الجام ؛ إما بأنه وجد يباع ، وإما بتحرج تميم الداري وتأثمه وأدائه ما كان أخذه منه .

وتحقيق الكلام فيه أن كل رواية من تلك الروايات عضدتها صيغة القصة في كتاب الله وسردوها فإنها صحيحة ، وكل ما لم يعضده منها فهو مردود . أما إنه إذا فسرت الكلام في كتاب الله فاحتجت إلى تجويز أو تقديم أو تأخير فكلما كان أقل في ذلك من التأويلات فهو أرجح ، وكلما كان من خلاف الأصول فيه أقل فهو أرجح ،

كتأويل فيه إجازة شهادة الكافر وإحلاف الشاهد على شهادته ؛ فإن التأويل الذي يخرج عنه هذا هو أرجح ، ولا يسلم تأويل من اعتراض ؛ فإن البيان من الله تعالى في هذه الآية للأحكام جاء على صفة غريبة وهو سياقه على الإشارة إلى القصة ؛ ولذلك جاء بانتقالات كثيرة ، منها أنه قال : ( فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما ) . وربما كان المدعي واحدا ، فليس قوله تعالى : ( فآخران ) خارجا مخرج الشرط ، وإنما هو كناية عما جرى من العدد في القصة ،

والواحد كالاثنين فيها ؛ فيطلب الناظر مخرجا أو تأويلا للفظ لا يحتاج إليه ، فيدخل الإشكال على نفسه من حيث لا يشعر به ،

فلا يساحل عن هذا البحر أبدا ؛ وكذلك ما جرى من التعديد لا يمنع من كون - ص 253 - الشهادة بمعنى اليمين كما في اللعان . وإن كان لم يذكر في اللعان عددا ، وجرى ذكره هاهنا لاتفاقه في القصة ؛ لا لأنه شرط في الحكم . وكذلك ذكر العدالة تنبيها على ما يجب ؛ لأنه إن أشهده وجب أن يكون عدلا لتحمل الشهادة ، فإن ائتمنه وجب أن يكون عدلا لأداء الأمانة.


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة الفقه   الدّيانات