- الجزء الثالث - - ص 394 - باب حد القذف قال الله عز وجل : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) قال أبو بكر : الإحصان على ضربين - في الزنا والقذف - ، أحدهما : ما يتعلق به وجوب الرجم على الزاني ، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما قد تزوج امرأة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك ، والآخر : الإحصان الذي يوجب الحد على قاذفه ، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا . ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى . قال أبو بكر : قد خص الله تعالى المحصنات بالذكر ، ولا خلاف بين المسلمين أن المحصنين مرادون بالآية ، وأن الحد واجب على قاذف الرجل المحصن كوجوبه على قاذف المحصنة .
واتفق الفقهاء على أن قوله : ( والذين يرمون المحصنات ) قد أريد به الرمي بالزنا ، وإن كان في فحوى اللفظ دلالة عليه من غير نص ، وذلك لأنه لما ذكر المحصنات وهن العفائف دل على أن المراد بالرمي رميها بضد العفاف وهو الزنا . ووجه آخر من دلالة فحوى اللفظ ، وهو قوله تعالى : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) يعني : على صحة ما رموه به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود إنما هو مشروط في الزنا ، فدل على أن قوله : ( والذين يرمون المحصنات ) معناه : يرمونهن بالزنا .
ويدل ذلك على معنى آخر ، وهو أن القذف الذي يجب به الحد إنما هو القذف بصريح الزنا ، وهو الذي إذا جاء بالشهود عليه حد المشهود عليه ، ولولا ما في فحوى اللفظ من الدلالة عليه لم يكن ذكر الرمي مخصوصا بالزنا دون غيره من الأمور التي يقع الرمي بها ؛ إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر وسائر الأفعال المحظورة ، ولم يكن اللفظ حينئذ مكتفيا بنفسه في إيجاب حكمه بل كان يكون مجملا موقوف الحكم على البيان ، إلا أنه كيفما تصرفت الحال فقد حصل الاتفاق على أن الرمي بالزنا مراد ، ولما كان كذلك صار بمنزلة قوله : والذين يرمون المحصنات بالزنا ؛ إذ حصول الإجماع على أن الزنا مراد بمنزلة ذكره في اللفظ ، فوجب بذلك أن يكون وجوب حد القذف مقصورا على القذف بالزنا دون غيره .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة الفقه الدّيانات