- الجزء الثالث - باب شهادة القاذف قال الله عز وجل : ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) قال أبو بكر : حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه به بثلاثة أحكام : أحدها جلد ثمانين ، والثاني بطلان الشهادة ، والثالث : الحكم بتفسيقه إلى أن يتوب .
واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له وثبوتها عليه بالقذف بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا ، فقال قائلون : " قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه " وهو قول الليث بن سعد والشافعي .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك : " شهادته مقبولة ما لم يحد " وهذا يقتضي من قولهم أنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد ؛ لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته ؛ إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق الفعل لا من جهة التدين والاعتقاد ، والدليل على صحة ذلك قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) - ص 400 - فأوجب بطلان شهادته عند عجزه عن إقامة البينة على صحة قذفه ، وفي ذلك ضربان من الدلالة على جواز شهادته وبقاء حكم عدالته ما لم يقع الحد به : أحدهما قوله ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) الآية ،
فكان تقديره : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأولئك هم الفاسقون فإنما حكم بفسقهم متراخيا عن حال القذف في حال العجز عن إقامة الشهود فمن حكم بفسقهم بنفس القذف فقد خالف حكم الآية وأوجب ذلك أن تكون شهادة القاذف غير مردودة لأجل القذف ، فثبت بذلك أن بنفس القذف لم تبطل شهادته . وأيضا فلو كانت الشهادة تبطل بنفس القذف لما كان تركه إقامة البينة على زنا المقذوف مبطلا لشهادته وهي قد بطلت قبل ذلك والوجه الآخر : أن المعقول من هذا اللفظ أنه لا تبطل شهادته ما دامت إقامة البينة على زناه ممكنة ، ألا ترى أنه لو قال رجل لامرأته " أنت طالق إن كلمت فلانا ثم لم تدخلي الدار " أنها إن كلمت فلانا لم تطلق حتى تترك دخول الدار إلى أن تموت فتطلق حينئذ قبل موتها بلا فصل ؟ وكذلك لو قال : " أنت طالق إن كلمت فلانا ولم تدخلي الدار " كان بهذه المنزلة وكان الكلام وترك الدخول إلى أن تموت شرطا لوقوع الطلاق ولا فرق بين قوله " وأنت طالق إن كلمت فلانا ثم دخلت الدار " وبين قوله :
" إن كلمت فلانا ثم لم تدخليها " وإن افترقا من جهة أن شرط اليمين في أحدهما وجود الدخول وفي الآخر نفيه ولما كان ذلك كذلك . وكان قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) مقتضيا لشرطين في بطلان شهادة القاذف أحدهما : الرمي والآخر عدم الشهود على زنا المقذوف متراخيا عن القذف وفوات الشهادة عليه به ، فما دامت إقامة الشهادة عليه بالزنا ممكنة بخصومة القاذف فقد اقتضى لفظ الآية بقاءه على ما كان عليه غير محكوم ببطلان شهادته وأيضا لا يخلو القاذف من أن يكون محكوما بكذبه وبطلان شهادته بنفس القذف أو أن يكون محكوما بكذبه بإقامة الحد عليه ،
فلو كان محكوما بكذبه بنفس القذف ولذلك بطلت شهادته فواجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا ؛ إذ قد وقع الحكم بكذبه والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف زانيا فلما لم يختلفوا في حكم قبول بينته على المقذوف بالزنا ، وأن ذلك يسقط عنه الحد ثبت أن قذفه لم يوجب أن يكون كاذبا فواجب أن لا تبطل شهادته ؛ إذ لم يحكم بكذبه ؛ لأن من سمعناه يخبر بخبر لا نعلم فيه صدقه من كذبه لم تبطل به شهادته ،
ألا ترى أن قاذف امرأته بالزنا تبطل شهادته بنفس القذف ولا يكون محكوما بكذبه بنفس قذفه ؟ ولو كان كذلك لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين - ص 401 - امرأته ولما أمر أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه ولما وعظ في ترك اللعان الكاذب منهما ، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما لاعن بين الزوجين : " الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ " فأخبر أن أحدهما بغير عينه هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف دون الزوجة ، وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب تفسيقه ولا الحكم بتكذيبه .
ويدل عليه قوله عز وجل : ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط بل إذا لم يأتوا بالشهداء ، ومعلوم أن المراد إذا لم يأتوا بالشهداء عند الخصومة في القذف ، فغير جائز إبطال شهادته قبل وجود هذه الشريطة وهو عجزه عن إقامة البينة بعد الخصومة في حد القذف عند الإمام ؛ إذ كان الشهداء إنما يقيمون الشهادة عند الإمام فمن حكم بتفسيقه وأبطل شهادته بنفس القذف فقد خالف الآية . فإن قيل : لما قال تعالى : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ) دل ذلك على أن على الناس إذا سمعوا من يقذف آخر أن يحكموا بكذبه ورد شهادته إلى أن يأتي بالشهداء . قيل له : معلوم أن الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها وقذفتها ؛ لأنه قال تعالى : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) إلى قوله : ( لولا إذ سمعتموه ) وقد كانت بريئة الساحة غير متهمة بذلك ، وقاذفوها أيضا لم يقذفوها برؤية منهم لذلك وإنما قذفوها ظنا منهم وحسبانا حين تخلفت . ولم يدع أحد أنهم أنه رأى ذلك ، ومن أخبر عن ظن في مثله فعلينا إكذابه والنكير عليه . وأيضا لما قال في نسق التلاوة : ( فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) فحكم بكذبهم عند عجزهم عن إقامة البينة ، علمنا أنه لم يرد بقوله : ( وقالوا هذا إفك مبين ) إيجاب الحكم بكذبهم بنفس القذف ، وأن معناه : وقالوا هذا إفك مبين ؛ إذ سمعوه ولم يأت القاذف بالشهود . والشافعي يزعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم ، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فوجب أن لا يقبلها بعد ذلك وإن شهد معه ثلاثة ؛ لأنه قد فسق بقذفه فوجب الحكم بتكذيبه ، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف . ويدل على صحة قولنا من جهة السنة ما روى الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف » ، فأخبر صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد .
ويدل عليه أيضا حديث - ص 402 - عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في « قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين » فأخبر أن بطلان شهادته معلق بوقوع الجلد به ، ودل بذلك أن القذف لم يبطل شهادته .
المراجع
موسوعة الإسلام
التصانيف
المعرفة الفقه الدّيانات