- الجزء الثالث - فيمن يقيم الحد على المملوك فيمن يقيم الحد على المملوك قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد : ( يقيمه الإمام دون المولى وذلك في سائر الحدود ) ، وهو قول الحسن بن صالح . وقال مالك : ( يحده المولى في الزنا وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود ، ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام ) ، وهو قول الليث بن سعد .

وقال الشافعي : ( يحده المولى ويقطعه ) . وقال الثوري : ( يحده المولى في الزنا ) رواية الأشجعي ، وذكر عنه الفريابي : ( أن المولى إذا حد عبده ثم أعتقه جازت شهادته ) . وقال الأوزاعي : ( يحده المولى ) .

وروي عن الحسن قال : ( ضمن هؤلاء أربعا : الصلاة والصدقة والحدود والحكم ) رواه عنه ابن عون ، وروي عنه بدل الصلاة الجمعة .

وقال عبد الله بن محيريز : ( الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان ) . وقد روى حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن مسلم بن يسار عن أبي عبد الله رجل من أصحاب - ص 416 - النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه وهو عالم فخذوا عنه فسمعته يقول : ( الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان ) ؛ وقد قيل إن أبا عبد الله هذا يظن أنه أخو أبي بكرة واسمه نافع . فهؤلاء السلف قد روي عنهم ذلك ، ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه .

وقد روي عن الأعمش أنه ذكر إقامة عبد الله بن مسعود حدا بالشام ، وقال الأعمش هم أمراء حيث كانوا . وجائز أن يكون عبد الله بن مسعود قد كان ولي ذلك لأنه لم يذكر أن المحدود كان عبده . فإن قيل : روي عن ابن أبي ليلى أنه قال : أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم .

قيل له : يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على وجه التعزير لا على وجه إقامة الحد ؛ لأنهم لم يكونوا مأمورين برفعها إلى الإمام بل كانوا مأمورين بالستر عليها وترك رفعها إلى الإمام . والدليل على أن إقامة الحد على المملوك إلى الإمام دون المولى قوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ) وقال : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وقال في آية أخرى : ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) وقد علم من قرع سمعه هذا الخطاب من أهل العلم أن المخاطبين بذلك هم الأئمة دون عامة الناس ، فكان تقديره : فليقطع الأئمة والحكام أيديهما وليجلدهما الأئمة والحكام .

ولما ثبت باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على الأحرار هم الأئمة ولم تفرق هذه الآيات بين المحدودين من الأحرار والعبيد ، وجب أن يكون فيهم جميعا وأن يكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالي .

ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ثم يرجع الشهود عن شهادتهم أن يكون له تضمين الشهود ، ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة ؛ لأنه لو لم يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئا ، فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان عليهم ، ومعلوم أن أحدا من الناس لا يجوز أن يحكم لنفسه ، فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه . وأيضا فإن المولى والأجنبي سواء في حد العبد والأمة ، بدلالة أن إقراره به عليه غير مقبول وأن إقرار العبد على نفسه بذلك مقبول وإن جحده المولى ، فلما كانا في ذلك في حكم الأجنبيين وجب أن يكون المولى بمنزلة الأجنبي في - ص 417 - إقامة الحد عليه ، وإنما جاز للحاكم أن يسمع البينة ويقيم الحد لأن قوله مقبول في ثبوت ما يوجب الحد عنده فلذلك سمع البينة وحكم بالحد .

فإن قيل : يجوز إقرار الإنسان على نفسه بما يوجب الحد ولا يملك مع ذلك إقامة الحد على نفسه . قيل له : إذا كان من يجوز إقراره على نفسه ولا يقيم الحد على نفسه فمن لا يجوز إقراره على عبده أحرى بأن لا يقيم الحد عليه . فإن قيل : فلا نجعل قول الحاكم عليه علة جواز إقامة الحد عليه .

قيل له : إن قول الحاكم : ( قد ثبت عندي ) لا يوجب عليه الحد وليس بإقرار منه ، وإنما هو حكم ؛ وكذلك البينة إذا قامت عنده فإنه يقيم الحد من طريق الحكم ، فمن لا يقبل قوله في الحكم فهو لا يملك سماع البينة ولا إقامة الحد . فإن قيل : إن أبا حنيفة وأبا يوسف لا يقبلان قول الحاكم بما يوجب الحد لأنهما يقولان : ( لا يحكم بعلمه في الحدود ) . قيل له : ليس معنى ذلك أن قول الحاكم غير مقبول إذا قال : ( ثبت ذلك عندي ببينة أو بإقرار ) لأن من قولهما أن ذلك مقبول ، وإنما معنى قولهما : ( إنه لا يحكم بعلمه في الحدود ) أنه لو شاهد رجلا على زنا أو سرقة أو شرب خمر لم يقم عليه الحد بعلمه ، فأما إذا قال : ( قد شهد عندي شهود بذلك ) أو قال : ( أقر عندي بذلك ) فإن قوله مقبول منه في ذلك ويسع من أمره الحاكم بالرجم والقطع أن يرجم ويقطع .

واحتج المخالف لنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » ، وقوله : « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وإن عادت فليجلدها وإن عادت فليجلدها ولا يثرب عليها فإن عادت فليبعها ولو بضفير » وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث : « فليقم عليها الحد » قال أبو بكر : لا دلالة في هذه الأخبار على ما ذهبوا إليه ، وذلك لأن قوله : « أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » هو كقوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) وقوله : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ومعلوم أن المراد رفعه إلى الإمام لإقامة الحد ، فالمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة وسائر الناس مخاطبون برفعهم إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود ؛ فكذلك قوله عليه السلام : « أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » هو على هذا المعنى .

وأما قوله عليه السلام : « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » فإنه ليس كل جلد حدا ؛ لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير - ص 418 - فإذا عزرناها فقد قضينا عهدة الخبر ولا يجوز أن نجلدها بعد ذلك ؛ ويدل على أنه أراد التعزير قوله : ( لا يثرب عليها ) يعني : ولا يعيرها . ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس ليكون أبلغ في الزجر والتنكيل ، فلما قال : ( ولا يثرب عليها ) دل ذلك على أنه أراد التعزير لا الحد . ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الرابعة : ( فليبعها ولو بضفير ) ولم يأمر بجلدها ، ولو كان ذلك حدا لذكره وأمر به كما أمر به في الأول والثاني والثالث ؛ لأنه لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها عند من يقيمها ، وقد يجوز ترك التعزير على حسب ما يرى الإمام فيه من المصلحة . فإن قيل : لو أراد التعزير لوجب أن يكون لو عزرها المولى ثم رفع إلى الإمام بعد التعزير أن يقيم عليها الحد ؛ لأن التعزير لا يسقط الحد ، فيكون قد اجتمع عليها الحد والتعزير .

قيل له : لا ينبغي لمولاها أن يرفعها إلى الإمام بعد ذلك ، بل هو مأمور بالستر عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهزال حين أشار على ماعز بالإقرار بالزنا : « لو سترته بثوبك كان خيرا لك » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله » . وأيضا فليس يمتنع اجتماع الحد والتعزير ، وقد يجب النفي عندنا مع الجلد على وجه التعزير . وروي أن النجاشي الشاعر شرب الخمر في رمضان فضربه علي كرم الله وجهه ثمانين وقال : ( هذا لشربك الخمر ) ثم جلده عشرين وقال : ( هذا لإفطارك في رمضان ) فجمع عليه الحد والتعزير ؛ فلما كان ذلك جائزا لم يمتنع لو رفعت هذه الأمة بعد تعزير المولى إلى الإمام أن يحدها حد الزنا .


المراجع

الإسلام

التصانيف

المعرفة الفقه   الدّيانات