من خط النار جاء .وصل الحارة و البندقية تتأرجح مقلوبة على ظهره,كان جنديا مذبوحا , مقصوص الحلم ,حلم طويلا؛ فابتعدت مجدل عسقلان غماما مبتورا .كان جنديا مطفوءا .عند الصنبور توقف, على مرأى الحاضرين, و الذين أطلوا من النوافذ الواطئة .عند الصنبور, و هم يرقبون انكساره, طأطأ يائسا, و يده, إلى قبعته امتدت, صفقها بالأرض, ثم داسها, أصابعه تحسست الجعبة على الصدر, ثمّ أخرج الرصاصة، و ألقم بيت النار .عند الصنبور لحظة التفاف المذهولين, الغارقين في بحر السؤال . تقدمت سبابة الكف اليمنى إلى القصبة, عبرت الفوهة العميقة, أما اليسرى فتحسست الزناد, ثم ضغطت, وحدث الانفجار أفئدة الخلق وقعت . والنسوة لطمن .ــ المنجد خليل طخ إصبعه رددها الصغار خلف الولد العفريت, اخترقوا الحارات و البلدة المجاورة, و صلوا المركز و أعولوا :ــ المنجد خليل طخ إصبعه عبروا الشرق إلى الثكنات, داسوا الحفر و السلاح, و لهث الولد العفريت في وجه الضابط العربي : ــ المنجد خليل طخ إصبعه و أما الناس عويلهم ما انقطع . و الدمع بلل ألسنتهم الراجفة .رقبوه افترش بطن الكينيا لتتعلق عيناه بالإصبع المغدور, جاء الشيخ قدوحة, ليتجاورا في إصفرار الشمس الغاربة . والناس ناحت بلا صوت, راقبوا مكوثه الدامي, عينيه المعلقتين, زرقة شفتيه, تيبسهما, صراخ الشيخ قدوحة في أذنيهتجمعوا في بيت الحاج صالح .العجوز صفية أقسمت, أن الأمر لا يحتمل التأجيل, قالت :ــ نزور الشيخة تهاني .عمّ الصمت, اختنقوا, الحاج صالح ألقى رأسه. و عادت العجوز صفية تحثهم :ــ عند الشيخة نجد الحل .زحفوا إلى مأواها, و في زقاقها انصدموا بعباس يرمقهم و يهرول بعينين حائرتين .قادتهم العجوز صفية يتقدمها ظهرها, و لما رأتهم الصبية تهاني هرولت إلى ثوبها, و بدنها يرتج ,ــ خير يا جماعة تحلقوا حول الصغير, و تأملوه, قبلته العجوز صفية, فاستكانت الصبية, ثم تفرست في العيون, و عادت بصوت قوي : ــ خير يا جماعة .مسحت العجوز صفية برفق على جبين الصغير و قالت :ــ يا شيخة يا مبروكة تتركين ربعك في حيرة ؟عاد القلق إلى حلقها, فتمتمت :ــ لا أفهم فخاطبها الحاج صالح برأس منخفض :ــ ألم تسمعي بما حصل للمنجد خليل ؟دقت صدرها و شهقت :ــ خير؟ سلامته من كل شر ؟لكن الحاج صالح لم يعد للحديث. قالت العجوز صفية :ــ المنجد خليل التلمس يا شيخة صار في دنيا غير الدنيا .شهقت و لطمت صدرها .ــ أريحوني حرام عليكم .قالت العجوز صفية :ــ يا شيخة المنجد خليل ترك الجبهة, و طخ إصبعه قدامنا, و جلس تحت الكينيا لا يصد و لا يرد .هزت رأسها بأسى, و عيناها صعدتا السقف , بعدها قالت كمن يعود من البعيد :ــ ربما نام في الجبهة, فضربه شيخ من طوارق إبليس فأورثه ثقلا في بدنه, وكانت عليه ريح, فيصحو مرة و ينعكس مرة .فصاحت الأرملة عزيزة الساكتة :ــ يا لطيف, الشر بعيد .صمتت فصمتوا و ثم عادت الصبية تهاني تقول :ــ أو به نظرة من الإنس, أورثته همدانا , فلا يقوم و لا ينام .هزوا الرؤوس صاغرين .ــ أو به غيظ أو حمق, فأورثته سقما و وجعا في القلب .همس الحاج صالح :ــ بركاتك يا شيخة و إذا بها تقف و تقول :ــ اتبعوني .لحقوا بها إلى الكينيا . كان الرجل على جلسته, الركبتان داخل الساعدين, و القدمان حافيتان, عيناه في اللاشيء, و إصبعه المبتورة ثابتة في الفراغ .تنطط الشيخ قدوحة, و حام معترضا جمع المتطفلين, أما هم فتعلقوا بيد الصبية تهاني الحائمة على العينين الثابتتين .صاحت ثم زمجرت, فانخلعت القلوب, أما عينا المنجد خليل فلم تهتزا, تغير لونها فوقه وارتعشت, ثم بدأت تزعق :ــ بحق التهطيل لهطهطيل, ويداغ فهطهطيل, بارخطائيل قهطهطيل, ششفار فهطيل, شيفوفال تهطيهطيل, أرشيال مهطهطيل, يا درغال لجهطهطيل, لمقنفجل, أجب أيها الملك المعظم ميططرون, أنت و أعوانك .ثم ابتلعت ريقها, وانفجرت :ــ و أنت يا شرنطائيل, توكلوا بطرد كل عارض, و جنى وجنيه, وروح و سحرة, ولطمة أرض, وريح جني, و نظرة إنس, وقرين و قرينة, و تابع و تابعة, و عامر و عامرة, و ساكن و ساكنة, و متسلط و متسلطة ...سكتت, مسحت خديها, و عادت إليها عيناها.خيم الذهول, ثمّ قالت :إنه مرض من أرياح الجن, من نقلة في الأرض, يوم السبت, و الجن اليهودي أورثه تهديدا في رأسه, وفي مفاصله وجعا وأثقل عليه قلبه, ورمى رأسه صداعا و شقيقة .صاحوا :ــ يا لطيف, يا لطيف .عيناه الجامدتان لم تتحركا, جلسته الثابتة, أصابع قدميه العالية, شعرات استطالت بعد حلقة الجيش تطايرت في نسمات هبت تحت الكينيا . الشيخ قدوحة صرخ من خلف الجذع كما لم يصرخ من قبل :ــ خراب يا دنيا خراب .صاحوا عليه فسكت .رفعت يدها و عددت :ــ يبخر بكمون و شمع أبيض, و لبان ذكر ثلاثة أيام, و يكتب له حجاب بمسك و زعفران, و ماء ورد يوضع في جيبه .أمرتهم أن ينقلوه إلى دارها, فحملوه كخشبة, و عبروا الزقاق, و خلفهم الشيخ قدوحة يمارس الهيجان, أما أرض شجرة الكينيا ففرغت إلا من الولد العفريت. ظل تحتها, و عيناه يغشاهما الثبات, كأنما مسٌّ دخلهما فجأة, فرضخ إليه و استكان .قيل : أن الشيخة مكثت مع المنجد خليل التلمس لا يدهمهما أحد واحدا وعشرين يوما, أوصت الناس ألا يأكلوا فيها ما خرجت منه روح, أما هي فأكلت فطيرا من غير خمير, و زبيبا منقوعا في الزيت الطيب, تعاون أهل الحارة في شرائه .كما صلوا فرادى, وكل متفرد يتبع صلاته ببرهتين يستغفر فيهما ربه و يقول :أقسمت عليكم أيها الأرواح الروحانية, خدام العهد الشريف, بقدرة الله و بعزة سلطان الله, و بحق العهد المأخوذ عليكم من سيدنا سليمان بن داوود عليهما السلام, عند باب الهيكل الكبير ببابل, فلا تخونوا عهد الله و ميثاقه, إني استحلفتكم ببرهتية, كرير كرير, برهش برهش, تمر شلخ تمر شلخ, هاتوا خادم هذا اليوم ليكون عونا في شفاء المنجد خليل التلمس . و طال بهم الانتظار, لا يسمرون و لا يتحدثون, و لا الأطفال استمعوا إلى الحكايات, و المذيع لم يزعق في الحارة لأيام طوال, وبيت الصبية تهاني لا ينفرج بابه إلا لإدخال الفطير و الزيت و الزبيب.و قيل أنه في اليوم الحادي و العشرين, بينما العيون معلقة, صر الباب ثم انشرع, و خرج المنجد خليل التلمس .قيل جر قدميه, بطيئا منحنيا, ومشى دقيقا كأنه على صراط مستقيم, بلا تحية منه ولا سلام, عابسا كما كان, و قيل الجني قاده بإحكام إلى شجرة الكينيا, و في ذات النقطة أجلسه .و عاد يجمع ركبتيه بساعديه, و حوله الشيخ قدوحة يطلق و يصيح :ــ خراب, خراب .و قيل ذهول الناس استفحل, و هم يرون الولد العفريت يأتي؛ ليبصق في الفراغ المجاور و يجاور المنجد خليل, و يتعلق في عينيه .و قيل أنهم عادوا إليها يهرولون, فأشاحت عنهم و هي تقول :ــ ربما ألقى شيء في طعامه, أورثه قلة الشهوة و انكسار الفؤاد ’أصبح المكوث تحت الكينيا طقسا يوميا, اعتادوا عليه, فعاد الحاج صالح يهرول على نوله, ليتصل على الفور بمجدل عسقلان, فلا يقطع وصاله صياح الديك, ولا نقيق الدجاجات, ولا حتى نداءات الزوجة الآتية إليه بكؤوس الشاي, أما الولد العفريت فجاء إلى الكينيا وعاد ببقايا طعام, فقيل أن جنيّة هو الآخر امتطه, و كلفته بإطعام المنجد خليل .أما العجوز صفية فزاولت عملها, و حمّلت على ظهرها المنكسر فرشها, وعادت إلى باب المدرسة تفترشه لتنش عن قطع الحليب المنشفة بالملح الذباب, فما أن يدقّ الجرس؛ حتى يأتيها الأولاد كالصاعقة, تدلقهم أبواب الفصول، وتطاردهم عصي الخيزران .الخبزة بقطعة جبن, و تضعف العجوز, و يبدأ الملاعين يأخذون؛ و لا يدفعون, ولا ينقذها إلا الجرس, فيعبسون و يغادرون , و يبقى حربي .ــ عد يا حربي .لكن حربي لا يعود فتمسح على شعره .ــ صاحبك جاور المنجد خليل , و أنت تجاورني و يخيم صمت, و شمس شتاء, و يلاصقها حربي و يقول :ــ حدثيني كيف ظهرك انكسر ؟تهتز الروح , و ترن كناقوس, و نسيم يأتي لينملها, و مرأى رجل يبتسم, يداعبها صبية بعمر الورد, يصحبها للكرم, فتراوغه على الرمل, يمنحها فرصة الانفلات, ليقبض عليها, يوثقها بذراعين سمراوين, يضغط خصرها و يرفعها, يقذفها كدمية ليلقفها, ثم يمتص الشفتين . هبت الذكرى كإعصار, أطلقها الولد حربي و نام, عيناها تغيمان, و القلب يهف فيه نسيم, و بطاح ملساء, ناعمة كخدها الضاحك في الشمس الخالية, كان يأخذها إلى شجرة، وعلى فيئها الفتان يكون الأمر . لكن ذئبا عوى, طيرها إلى طفلها الممزق جوار الأب خلف السياج, و يأتي صوت الشؤم :ــ يا سكان المجدل, التجول ممنوع الناس في البيوت, و نفذ الطعام, فنفذ حليب الثدي, قالت اليهود من تبقى في البلدة يمكث فيها, لكنهم زعقوا بعد أيام بمكبر الصوت, أمطروا سماء الأسطح بالرصاص, فصرخ الصبي, هدّه الخوف والجوع؛ فانفلت, بكت, فأخذه أبوه، وركض في الفناء, لم يسكت الصبي, الباب مقفل، ودنيا الخالق تحولت إلى خازوق, فجأة انفجر الرجل، ثم ثار,و فتح الباب, صرختِ فلم يسمعك, لطمتِ فلم يعبأ, في لحظة كان في الشارع يشهر لهم الطفل في السماء, فكانت الصلية, ولم تصدقي, لكنك رأيتهما يهويان, ثمّ يتدحرجان, والكون يسكن, إلى أن جاءوا, جروهما و قالوا :ــ خذي صفقوا الباب و ذهبوا .زحفت حول الجثتين طويلافعادوا إليكِ ثانية, جروهما إلى الخارج, فوقفتِ, لكن الظهر لم يقف, درت منثنية في صحن الدار, وأنتِ تلطمين ولا أحد
  • -bbbbbb
    bbbbbb-
    • هبّ الربيع طريّا, فتراقصت شجرة الكينيا, ناثرة عناقيد حنونها, سحاقا أصفر, مبللا وجوه المجاورين بالندى, احتضنتهم الكينيا كمقام ضارب في التاريخ, الشيخ قدوحة لا يعرف الاستقرار, والولد العفريت يرقب عيني المنجد خليل, كان كمن يفهم ما سكن وجه خليل التلمس الشاحب، وما تنوح به العينان المعلقتان, فهم أيضا صراخ الشيخ قدوحة, والسباب و النذير, رأى أمرا مبهما يمتدّ, لا جنيا ولا عفريتا فوق المنجد خليل, بل هو أقوى من عفاريت السماءِ والأرض, رآه يحمل الراجمة, و يتفجر حماسا, هذا الإصبع المقطوع الآن كان قد تعطش للزناد, وكان هاتف الضابط لا يجيب, ألقى الراجمة، و هجم عليه, قبض على صدره, هزه و هو يصرخ :ــ البلاد بلادناو لما خلصت الجنود الضابط من قبضتيه؛ مشى مطأطئا الرأس, بندقيته قد انقلبت, و مضى غير عابئ بأوامر الضابط العربي :ــ عد يا عسكري .لكن العسكري لم يعد, ترك الجبهة ليفجر سبابته على الصنبور .-bbbbbbbbbbbb
      bbbb-لاعبت الصبية تهاني صغيرها, حتى نومته, فهدأت الدار, لتهيج حمى الأنوثة الضاربة فيها, داعبت صدرها المفتوح, فانتفضت فيه كرتان, فركته, فنفرت لوزتان, و تنفس جسدها بصوت مسموع, كانت بحاجة إلى شريك, إلى قبضتي خبير, المنجد خليل التلمس لم يصح لثلاثة أسابيع, فعلت الأعاجيب و لم يصح, رمت الفحم و البخور جانبا, و انهالت عليه, دلكته صباحا و مساء, قبلته في كل جسده, كان أمنية على الدوام, تجرفها الرغبة لصدره و كتفيه, تمنته و انتظرته, عاكسته بعينيها و هو في الدكان, غنجت تحت جرتها, أوقعتها لتنكسر, فلم يهتم, أرسل نظرات لم تفهمها, حدثته فلم يجب, صخرة كان يسكنها الخواء, عاشت تنتظره, ولما جاء تسلمته غنيمة صافية مصفيةقالوا :ــ خذيه .فأخذته,طلبوا شفاءه, فقالت: أشفى به نفسي, هذا هو بعظمه و لحمه, تقفلين عليكما الباب, تعرينه, تلبسينه, أنت حرة, توقظينه, تنوميه, تمتطينه, ترضعين منه, و ترضعينه, قلت, تمتصينه قطرة، قطرة, تجلدينه بصدرك, بهمسك في أذنيه, وبصراخك تحت إبطيه, وقلت: أمنية الأماني تفتّح بابها, تحققت في وقت عزفت فيه عن عباس, قرفت فمه الملوث بدخان الشيشة، وبروائح الثوم, فقررت أن تطرديه, تعلني أمام عباس توبتك؛ ليغادر, قلتِ: إن استعصى طرد عباس تفضحينه, لم تتصوري أن ترتمي تارة في حضن المنجد خليل وأخرى بين فكي عباس .أقفلت بابك, واعتصمت خلفه للمهمة, أعلنت على الملأ حظر الدخول, و أثقلت الرتاج, ولكنّ عباس في أواخر الليل جاءك, طرق الباب خفيفا, فلم تردي, و لما هاج, همست :ــ يا عباس, أنا دخيلة على عرضك, تتركني .فصاح :ــ يا ملعونة مالك و مال عرضي ؟قلت :ــ عندي في الداخل رجل .فقهقه فاجرا :ــ رجل ولا كل الرجال .فهددتِه :ــ إن لم تذهب سأجمع الحارة بصراخي, أنت نسيت أنني الشيخة المبروكة ؟لم يجب, و خطواته ابتعدت .استلقيت على المنجد خليل, خلعت ثيابه فلم يعترض, قلت: سمع عباس فعاودته ذكورته, دلكته, فلم يعترض, قلتِ: عادته روحه, هجتِ عليه, لكنه لوح ثلج كان, لا تتسمعين منه سوى أنفاسا تتخلل بكاءك الخافت

--

-عمر_حمّش
-الجزء الرابع

المراجع

موسوعة الصداقة الثقافية

التصانيف

تصنيف :فنون   أدب  أدب عربي