التخطيط التربوي educational  planning:

يعد التخطيط التربوي أحد فروع العلم الحديث، التي واكبت التفجر المعرفي في القرن العشرين، وظهر على أنه تقنية من تقنيات معالجة المشكلات التربوية المعاصرة، غير أن حداثة التخطيط التربوي لا تنفي الجذور التاريخية للتخطيط التربوي.

ذكر إكسينوفون في دستور إسبرطة بعض أهداف التعليم لديهم لتحقيق أهدافهم العامة، كما عرض أفلاطون في كتابه «الجمهورية» نوعاً من الخطط التعليمية التي تخدم الاحتياجات اللازمة للقيادة والأغراض السياسية والعسكرية في أثينة.
وكانت تهدف آنذاك إلى وضع المدرسة في خدمة المجتمع، كذلك خططت الصين في عهد هان Han، والبيرو في عهد لانكاس Lancas وغيرهما من الحضارات المتعددة تخطيطاً تربوياً يخدم أهدافهم.

وظهرت في القرن الثامن عشر أعمال عدة تحمل عنوان «خطة التربية» أو «إصلاح التعليم» وأهمها كتاب «خطة جامعية لحكومة روسية» الذي أعده ديدرو بطلب من كاترين الثانية.

وتعود أولى المحاولات الحديثة المنظمة لاستخدام التخطيط التربوي في منهج علمي إلى عام 1923، وهو التاريخ الذي وُضِع فيه أول خطة خمسية في الاتحاد السوفييتي السابق.
وبفضل التخطيط استطاع الاتحاد السوفييتي أن يكيف التأهيل التربوي بدقة مع حاجات سوق العمل، وقد ظهرت في فرنسة تجارب محدودة وجزئية حول التخطيط، مثل:
خطة تارديو (1929) Tardieu
وخطة ماركيت (1934) Market،
كما ظهر في الولايات المتحدة تخطيطاً لمشروعات تربوية حكومية منذ عام 1933.
وفي سويسرة خطة واهلن Wahlen التربوية عام 1941، وأخذ اهتمام عدد من البلدان بالتخطيط للتربية يتضاعف بعد الحرب العالمية الثانية من جراء التغيرات الناجمة عن الثورة التقنية، وتصاعد المشكلات الاجتماعية، والتفجر السكاني غير المتوقع، فصار التعليم في معظم الدول من مهمات السلطات العامة، وازدادت الحاجة إلى التخطيط التربوي بسبب الفترات الزمنية التي أُعدّ فيها الأفراد المؤهلون. وظل مبدأ التخطيط التربوي مقبولاً بشكل عام لدى تلك البلدان مع ما فيها من تنوع في البنى السياسية، كما أخذت البلدان الحديثة الاستقلال العناية بالتخطيط للإسراع في تطوير التربية.

وبدأت الدول العربية بالتخطيط التربوي منذ أن صار التعليم فيها مسؤولية الدولة في عدد من البلدان العربية مثل:
تونس والجمهورية العربية المتحدة سابقاً، ومصر وسورية والعراق.

أصدرت وزارة التخطيط بالإقليم الشمالي (القطر العربي السوري في دولة الوحدة مع مصر) الخطة الخمسية الأولى للتربية والتعليم، وذلك ضمن الخطة التي سميت مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنوات الخمس، إلا أن التخطيط التربوي الفعال الذي أحدث نقلة نوعية في التربية في القطر العربي السوري يعود إلى بداية الخطة الخمسية الثالثة التي واكبت بداية الحركة التصحيحية عام 1970، والخطط الخمسية التي تلتها والتي وضعت ضمن خطط التنمية الشاملة، وتشرف عليها وزارة التخطيط بالتعاون مع مديريات التخطيط في الوزارات المختصة.

التخطيط التربوي

هو عملية التوجيه العقلاني للتعليم في حركته نحو المستقبل، وذلك عن طريق إعداد مجموعة من القرارات القائمة على البحث والدراسة تمكيناً لهذا التعليم من تحقيق الأهداف المرجوة منه بأنجح الوسائل وأكثرها فاعلية وكفاية في استثمار الوقت والجهد والمال.

عناصر التخطيط التربوي

تتركز القرارات عادة في التخطيط التربوي على الأهداف المرجوة من التعليم.
وأنجح الوسائل وأكثرها فاعلية في تحقيق هذه الأهداف تبعاً للموارد المالية المتاحة.
وهنا لابد من الإحاطة بمكونات أو عناصر التخطيط التربوي انطلاقاً من الأهداف التربوية والأولويات والبدائل تبعاً للموارد المتاحة.

  • تحديد الأهداف: لكل نظام تعليمي أهدافه ولكننا نلحظ أهدافاً مشتركة يمكن حصرها في ثلاثة محاور لمختلف الأنظمة التعليمية:
    آـ تحقيق الكفاية الاجتماعية:
    بمعنى إعداد القاعدة المعرفية من المواطنين الذين لم يعد في الإمكان نجاحهم ونجاح مجتمعاتهم في الحياة العصرية من غير تعليم، ويتضمن هذا الهدف تقديراً لقيمة العلم ودوره في المجتمعات، والتنمية للفرد والمجتمع.
    ب ـ تحقيق العدالة الاجتماعية:
    وذلك بتوفير الفرص التعليمية المتكافئة للجميع دون استثناء، وهذه استراتيجية عالمية لعقد التسعينات.
    ج ـ تحقيق الكفاية الاقتصادية:
    ويعني توفير العمالة الماهرة في شتى قطاعات الإنتاج والخدمات وعلى مختلف المستويات بالقدر والكيف اللازمين لنمو اقتصادي حديث.
    وتتبنى معظم دول العالم هذه الأهداف بصورة أو بأخرى إلا أنها تتفاوت فيما بينها في درجة تأكيدها واحداً أو أكثر منها، وكذلك في درجة تحديدها وتوضيحها فضلاً عن التفاوت في حقيقة تجسيدها.
  • وسائل تحقيق الأهداف: وتشتمل على مدخلات النظام التعليمي من معلمين ومنهج وبناء وخدمات وإدارة ويرتبط النجاح في تحقيق الأهداف بتوافر كافة المدخلات الضرورية من جهة والتوصل إلى فاعلية وكفاية في الناتج التعليمي، وهذا ما يحرص عليه التخطيط السليم فيحقق بذلك الاستخدام الأمثل للموارد المالية المتاحة والناتج الأحسن للنظام التعليمي.
  • زمن التخطيط التربوي: يعمل التخطيط حساباً دقيقاً للوقت عند تحديد الهدف ليصير هذا الهدف موقعاً زمنياً مثلما هو إنجاز بعينه، وهذا التحديد الزمني لا يُحسب ولا يُقدر اعتباطاً، وإنما يتم بالتفكير والأساليب العلمية تمييزاً للتخطيط من غيره من الوسائل غير العلمية.
  • التنفيذ والمتابعة: التخطيط لا يكون مجرد عملية إعداد مجموعة من القرارات العقلانية بشأن مستقبل التعليم فهو لا يستقيم من دون تنفيذ و متابعة، إذ إن هذا التنفيذ والمتابعة يعد اختباراً للقرارات في الواقع وما يترتب على هذا الاختبار من كشف لمزيد من الحقائق والأخطاء والتي تشكل تغذية راجعة feed  back للخطة فيُعاد النظر فيها وفي تعديلها.
    ومن هنا يكون مبدأ المرونة في الخطة بتعديل أولوياتها وبدائلها في أثناء التقويم المرحلي للخطة التربوية.

الاتجاهات المعاصرة للتخطيط التربوي وتقنياتهـا

يتميز التخطيط التربوي المعاصر بالسمات الآتية:

  • شمول التخطيط التربوي واتساع مجاله إذ صار يشمل كل أشكال التعليم النظامي وغير النظامي والعرضي والمفتوح والتدريب والتربية المستمرة.
  • تكامل التخطيط التربوي مع التخطيط التنموي الشامل خصوصاً في البلدان التي هي في طور النمو، وإعداد الخطط التربوية في سياق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية بنظرة شمولية نظمية.
  • التحول من التخطيط قصير الأجل إلى التخطيط متوسط الأجل أو طويل الأجل، ومن ثم تجزئة هذه الخطط إلى خطط قصيرة الأجل في سياق استراتيجية عامة للتخطيط التربوي. 
  • الجمع بين المركزية واللامركزية في التخطيط والتنفيذ. 
  • استخدام التقنيات الحاسوبية في جمع المعلومات واستخلاص نتائج الدراسات اللازمة للتخطيط والتنبؤ بالحاجات بدقة، وكذلك في سرعة متابعة تنفيذ الخطة وتقويمها.
  • المرونة في الخطط بحيث يمكن التعديل في البدائل والأولويات وفقاً لمقتضيات التغير المستمر في الحاجات والتطور المتسارع في كل جوانب الحياة.
  • بدأ استخدام التخطيط المحلي المكاني بما يسمى بالخريطة المدرسية، التي تراعي التفاعل بين التخطيط المحلي والقطري، وتسهم في تطوير التخطيط التربوي للمستقبل.

صعوبات التخطيط التربوي في البلدان النامية

يعاني التخطيط التربوي في البلدان النامية مشكلات منها:

1ـ الافتقار إلى تعداد صحيح للسكان والافتقار إلى البيانات الإحصائية الدقيقة والكاملة للجوانب الاجتماعية والاقتصادية والطاقة العاملة وأوضاعها وتوزعها.
2ـ عدم توافر المتخصصين المؤهلين في التخطيط التربوي.
3ـ انفصام التخطيط التربوي عن خطط التنمية الشاملة.
4ـ انخفاض مستوى الوعي التخطيطي لدى أجهزة التنفيذ، الأمر الذي يجعلها لا تتقيد بالخطة وبرامجها في مهامها التنفيذية.
5ـ قلة استخدام الأساليب التقنية المتطورة وإداراتها (كالحاسوب، ونظام المعلومات الإلكتروني الدقيق والسريع) ليستخدم في عمليات التخطيط.

6ـ قلة التمويل والمركزية في التخطيط وتأثر التخطيط بالضغوط الشعبية والسياسية مما يحرف الخطة أحياناً عن مسارها التنموي. ولذلك يصعب ضبط عملية التخطيط الشامل لتعدد المتغيرات وسرعة التغير التقني والاجتماعي.
7ـ قد تحدث تقلبات سياسية واقتصادية وحروب تربك المخططين والمنفذين.
8ـ تغفل بعض أجهزة التخطيط التشاور مع الأجهزة العاملة في مجالات السكان والقوى العاملة والاقتصاد حول الحاجات السكانية والاقتصادية من القوى العاملة المتعلمة وحول توزيع التعليم وفقاً لمقتضياتها الأمر الذي يسهم في إبعاد الخطط عن الحالات الواقعية لقطاعات المجتمع.
9ـ تخلف نظام المعلومات، وعدم مواكبة المعلومات الحديثة لتيسر اتخاذ القرارات المواكبة للتغيرات التقنية والاجتماعية والاقتصادية


المراجع

ency.com.sy

التصانيف

التربية   تربية وعلم نفس   التخطيط