المذاهب الفقهيةلما انتقل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى أهتم أصحابه بتكوين شخصيتهم وجمع كلمتهم فولوا أمرهم رجلاً منهم وأخذ كل منهم يعمل بما في وسعه لإعلاء كلمة الاسلام لأن الروح التي كانت لديهم من ذلك أعلى روح دينية ظهرت لذلك الحين. فأخذ بعضهم يحفظ القرآن ويجوده ويبحث في اتقان مخارج حروفه وأقامة تلاوته كما سمعت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وأخذ البعض الآخر يهيمن على الكلام العربي ويضع له القواعد الصائنة له عن اللحن وشرع فريق أكبر في جمع كلمات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأفواه وحفظها واستنباط الاحكام منها فبرع فيها رجال عدوا من النوابغ فاخذوا يقررون منها أصول الشريعة ويستنبطون أحكامها من الكتاب والسنة وسيرة من تقدمهم. واشتهر منهم في القرن الأول عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمرو بن العاص والحسن البصري والشعبي والأوزاعي والزهري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم كثيرون، كان لكل منهم أتباع يتلقون العلم عنهم ثم نبغ بعدهم في القرن الثاني أكثر منهم أشهرهم أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وداود الظاهري والليث وغيرهم ممن لا يحصون كثرة كان لكل منهم اتباع يذهبون مذاهبهم وينشرون تعاليمهم. ومما يجب التنبيه إليه أن هذه المذاهب المتعددة كلها لم تختلف في أصل من أصول الدين وانما اختلفت في فروع الفقه أي في الشريعة وفروع العبادة، وسبب اختلافهم اختلاف مآخذهم فربما استند أحدهم على حديث لم يصح عند غيره ولم ينطبق على أسلوبه النقدي وصح عنده خلافه فيأخذ مما صح عنده ويترك ما لم يصح وهكذا. من هنا اختلفت مذاهبهم اختلافاً بيناً وفضلاً عن أن هذا الاختلاف لا يقدح فيهم فإنه يدل على أن دين الاسلام دين فهم وعقل لا دين سيطرة وحجر على الأفكار وعبودية للرؤساء الأعلين، ومن العجيب أن بعض المفكرين يود لو توحدت المذاهب وما درواً أن في توحدها حجراً على العقول وضغطاً على الافهام وخروجاً عن أسلوب القرآن وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفيه سد لباب الاجتهاد الذي هو باب الرحمة على هذه الأمة وأن الأمم ما تركت أديانها واستعاضت عنها بالنظامات الموضوعة إلا لإستبداد الرؤساء بها وإقفالهم أبواب الفهم في وجوه الأمم فتضيق الدوائر التي رسمها السابقون عن شمول حاجات اللاحقين فلا يجدون مناصا من تجاوزها الى غيرها مما يرضونه لأنفسهم.يذهب أكثر الذين لا يعرفون الإسلام إلى أن هذه المذاهب الأربعة مثلها كمثل الفرق المذهبية عند غيرنا ويتخيلون أن أولئك الأئمة الأربعة أتوا بمذاهبهم والزموا الناس اتباعها بنوع من السطوة، والحال انهم كانوا افرادا من العلماء كغيرهم وكان بأزائهم من رجال العلم من يقول بغير قولهم بل ويثبت لهم خلاف ما يذهبون اليه من الاصول ولم يهجس بخاطر واحد منهم هاجس بالزام أحد من المسلمين باتباع مذهبه وإنما بقيت مذاهبهم دون بقية المذاهب لفضيلة فيها وكثرة من نشر أقوالهم، ولأجل أن تدرك مقام هؤلاء الأئمة من التواضع والبعد عن الزام أحد باتباع مذاهبهم ننقل لك نبذاً من أقوالهم لتتحقق ان الإسلام مبناه حرية الفكر واستقلال الارادة.كان الإمام أبو حنيفة يقول »حرام على من لم يعرف دليلي ان يفتي بكلامي» وكان إذا أفتى يقول »هذا رأى أبي حنيفة وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب».وكان الإمام مالك اذا استنبط حكما يقول لأصحابه »انظروا فيه فإنه دين وما من أحد الا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة» يعني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.وقال الإمام الشافعي للربيع »يا أبا اسحق لا تقلدني في كل ما أقول وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين».وقال الإمام أحمد »انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم مذموم وفيه عمي للبصيرة».هذه أقوال من وضعوا المذاهب الاربعة ومنها يتضح لك مقام حرية الفكر في الإسلام وإن آنست من بعض المتأخرين جمودا فسوف يزول مع توالي الزمان واللّه ولي الإحسان.
المراجع
الموسوعة.كوم
التصانيف
الفقه العلوم الإسلامية