أنتزعُ الخاتم من يده وأكتم صرخة كادت تخرج من بركان فمي لتذيب ما حولي، يتراجع قليلا، يحدق بي مذهولا وينتظر رد فعل امرأة مرتبكة وكأنها لص يعرض بضاعته المسروقة
ألملم أعصابي واستدرك بأن لا ذنب لهذا المشتري أنا من دخلت متجره وأنا من تبيع.
أضع يدي على السلسال الثمين المعلق في عنقي (الذهب ليوم عسر، وقد جاء) ما تبقى لي من عبق الماضي. والخاتم المنقوش بحروف وتاريخ، برهان ودليل مرور اسم رحل وآخر بقي على هذه الأرض ليكمل المسير.
بصوت هامس أعتذر، وأكتفي بما بعت، أقبض المبلغ وأغادر.
وجهتي وأين أمضي أعرفها، لكني أجهل كيف ومن أين، فتلك المرة الأولى التي تطأ قدمي منطقة شعبية مترامية الأطراف تدعى مخيم (الوحدات) سكنها أخواننا الفلسطينيون بعد النكبة.
أعلق الحقيبة على كتفي ويتعلق معها حمل تعب الأيام، يثقل الجسد، يتعب الخطوات، ويرهق الأعصاب.
(من في فمه لسان لا يضيع) وكما دخلت تلك المنطقة كي لا يعرفني أحد سأتدبر أمري وأخرج منها.
هواء جاف يلسع وجهي، وجفاف دمعي لا يكف |
أتلفت حولي، خطواتي تسير بي دون اتجاه محدد، أين موقف الحافلات وأنا التي لم تركب يوما إلا حافلة المدرسة الخصوصية؟
أسمع صوت صفير، زوامير، يمر بجانبي شاب يصطدم بذراعي، وآخر يغمز بعينه، سيارات صفراء وملونة تقف في طريقي.
ما الذي يجذب نظر هؤلاء لامرأة تبكي، وجهها بلا مساحيق، ملابسها عادية: قميص، بنطال، جاكيت خفيف، حذاء رياضي، وشعرها معقوص ذيل حصان؟
هل أبدو ارستقراطية إلى هذا الحد؟
أم من عالم آخر هبط في منطقة مأهولة بالسكان البسطاء؟
أهي شفقة تخفيف من ألم المصاب، أم إثارة مكامن فحولة انتصاب؟
أختار بسرعة تاكسي سائقه كهل، أتفاوض معه يقلني حيث أريد وينتظر، وافق على مضض وهو يرمقني بريبة واستهجان، لعله حسبني مختلة العقل أو بي لوثة من جنون |
يراقبني في المرآة، يتحدث .. ويتحدث .. الطريق طويل، والصمت جوابي على كل ما سمعت ولم أسمع، فقد انشغلت بذلك الجزء الشرقي من العاصمة الذي أجهله ولم أره يوما أو أكتشف روعة شوارعه ومبانيه، من يدري ربما أكون مررت به لكن في سيارة زجاج نوافذها أسود |
نصل بعد نصف ساعة إلى البوابة الكبيرة، وندخل. يرتجفُ صوتي وأنا اقرأ (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون).
رهبة المكان لا ترعبني. ترهبني تلك السكينة وهذا العالم المختلف، المشحون بالهيبة، التفكير، النهاية، وبأن كل شيء إلى زوال.
صوت الآذان، تلاوة القرآن، صرخات، شهقات، ومنظر نساء يتوشحن بالسواد، رجال يغالبون الدمع، يتماسكون أمام قضاء الله وقدره. وحده الموت .. يقهر، يكسر ويحني رقابا.
حسرة في القلب، لوعة في الفؤاد، وروح تئن تعانق روحا تصعد للسماء.
من فارق حبيبا، أما، أبا، أخا، عزيزا عليه أو قريبا، ومن يحمل نعشا يسارع إلى دفنه ومن يتساءل متى دوري وفي أي أرض أموت |
وجوه حزينة، شاحبة، وأخرى مقنعة تقف في طابور الواجب والمصلحة |
قلوب تنزف ألما وأخرى قاسية لا تعتبر من إلقاء نظرة على المسكن الآخير |
أوقف التاكسي وأطلب منه الانتظار لمدة مفتوحة مدفوعة الاجر.
أخرج المفتاح، ملابس الصلاة، سجادة صغيرة، المصحف الشريف من حقيبتي، أصعد درجة، أفتح الباب
أنظر إلى القبر وأجهش بالبكاء.
- تأخرت، مضت أسابيع شغلتني عن زيارتك لكنها لم تشغلني عن الصلاة والدعاء لك والتحدث إليك في ليالي الألم والمرارة. يقال إن الروح تطوف في السماء وتحرس وتراقب من تحب، فهل كنت هناك، تراني، ولا تملك القدرة لحمايتي |
أتبكي عليّ؟ أم تبكي لأنك تركتني أواجه قدرا غافلني دون سابق إنذار وظروفا فاجاتني لم أرتب أوراقها وألتزم جانب الاحتياط والسلامة لتسلم حياتي؟
أتدري أن الذي أخذني مراهقة (من مبدأ الزواج سترة) من حضنك الدافيء وبيتك الآمن إلى حضن بيته السحري ابتلع رصاصة بطعم الخلاص وترك خلفه عالما يبتلعني |
علمتني الصمت، الصبر، الاحتمال، وعلمني أصول حياة الطبقة المخملية، الرفاهية، الاتكال، السفر والمتعة.
لم تناقشني يوما في العمل الدراسة (الشهادة سلاح المرأة) ولم تشجعني على المتابعة لدخول الجامعة بدلا من قضاء الوقت في الحفلات، السهرات، التمثيل، التصنع وتفاهات الجري نحو آخر صرعات الموضة، عمليات التجميل، وجلسات لا تثمر ولا تغني من جوع. وأن هناك جانبا للمعرفة والتثقيف في محاضرات، ندوات، معارض، منتديات فكرية وعلمية.
ولم تشاركني يوما في الحديث عن الأسواق، الاقتصاد، البنوك، البورصة، والحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة |
رحلت ولم تر حفيدا تستمتع بضحكته، وغاب هو دون أن يترك من يحمل اسمه. حرمتني المراهقة، وحرمني الأمومة. سترتني أنت، وهو كشف غطائي وتعريت،
بعتني مكفولة للثراء، وعلى بعد أمتار منك يرقد المشتري في حفرة بالخلاء.
أعوام من عمري حذفت برصاصة |
الأصدقاء .. اضمحلوا، اختفوا. الذئاب التي كانت تلاحقني بأنيابها توارت إلا من عروض للمتعة. الألسنة نهشتني، حرقتني نارها، باتت آلامي تهمة، بكائي عار، مشاعري جريمة، لم أعد أرى وجه واحد قريب، حتى وجهي تغير واتخذ أبعاد الحزن والقسوة، وقلبي تحول إلى قطعة رخام. لم تعد لدي خيارات لفتح باب أمل غدٍ جديد.
فقدت البوصلة، الاتجاهات، اكتأبت، تداريت، انزويت، أبحث عن مكان أنتمي له عن هوية، لا بيت، لا مال، لا عمل أقتات منه بعرق جبيني دون مد كفي لأهل أو لشامت وسجنت خلف قضبان الحياة |
دلني ماذا أفعل، أرشدني، أعطني إشارة، ومضة، لطالما كنت الأقرب، تصغي، تجد مخرجا وحلا لكل مستجدات أيامي؟
أمسك القرآن وأبدأ في تلاوة (سورة يس) وجزء عمّ وأصلي على النبي الأمين لتهدأ نفسي وتتبدد مخاوفي {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.
أسمع خطوات تقترب من الباب، أتحفز، يرتعش جسدي، أيعقل أن أهاجم في هذا المكان؟
تدخل قطة بنية اللون، تتقدم نحوي وتتمسح بساقي، لعلها جائعة. أتناول قطعة بسكويت من حقيبتي أضعها
أمامها. تقضم لقمة وتمضي.
أنهي الصلاة والقراءة ويمضي الوقت بي، أضع رأسي بين يدي وقلبي أضعه على القبر البارد.
تقع عيني فجأة على الأرض أسفل قدمي، وأنا ما تعودت النظر إلا إلى الأعلى، حسب مفاهيم الحياة التي عشتها في ظل رجل مهم |
ألمح رتلا من النمل يتسابق، يجتمع حول فتات البسكويت ويحاول رفعها. محاولات، التفات، دوران، فشل، ومحاولات أخرى.
أراقب المشهد، أشرد بأفكاري، أحرك مخيلتي، يا ألله. كم استغرقني الوقت لأخذ درسا من هذا النمل الدؤوب؟
أملك العقل، الصحة، الشباب، وفي داخلي يسكن الإيمان، إن هربت الآن فسوف أهرب إلى الأبد لن أطفيء قنديل أيامي، سأحقق أحلامي ولو في المنام، سأغسل غبار ثوب السواد، فمن كن بمثل عمري مازلن في ردهات الجامعة.
أخلع الخاتم، أدفنه إلى جانب قبر يضم رفات أعز الناس، ومعه أدفن سعادة وبؤس ماض رحل. يا رب اغفر له وارحمه فقد سامحه قلبي منذ أعوام.
أغلق الباب بهدوء، أجد السائق أمامي دامع العينين، يناولني ورقة. إليك رقم ابنتي الأرملة، مديرة جميعة تعاونية نسائية، يعلمن الطهي، الحياكة، التجميل، الحاسوب بأسعار زهيدة.
إلى أين تذهبين الآن؟
أردد كلمات الشاعر كامل الشناوي:
ففي الشكوى انحناء - وأنا نبض عروقي كبرياء أنا لا أشكو
أعلق الحقيبة على كتفي وقد خفت. ومعها خف الكثير من أثقال حيرة وهموم. أترى هذا الاسم الكبير المنقوش أعلى الباب. خذني إلى بيته. بيت أبي، ودعني أنام قليلا.
قصة بقلم: محاسن الحمصي
محاسن الحمصي ـ كاتبة من الأردن
1-1-2010 نانتييه (فرنسا)
المراجع
موسوعة الصداقة الثقافية
التصانيف
تصنيف :فنون أدب أدب عربي
|