الهدوء عّم المدينة.. خيّم الصمت وانتشر في كل مكان...
ركدت المتحركات جميعها.. وعّمت الجمود كل شي..تلاشت الحركة في المدينة...اندثرت الأصوات..
السيارات لا تسير في الشوارع.. والماء لايجري في النهر، والسابلة توقفوا في أماكنهم بلا حراك..لا صوت أطلاقا، لا همسة طفل يلهو في الأزقة، لاحفيف لأوراق شجر في حديقة منزل، لا صوت لمحرك سيارة، لا أزيز لريح، لا تنهيدة أم ثكلى... لا زقزقة عصفور فوق شجر، ولا في الهواء..
الهدوء تسبق العاصفة... وكل هدوء تعبقه عاصفة تنبئ بالشر...بعد كل هدوء هناك عاصفة قوية تقتلع الإنسان من الجذور. هذا الهدوء الذي طرأ في غرة عن الجميع، ادخل الرهبة في نفوس أبناء المدينة التي اعتادت على الضوضاء والحركة... اشعر الجميع أن هناك كارثة كبيرة قد تلم بالمدينة.. فكلٍ توقع كارثته.. تجاّر المدينة توقعوا خسارة كبيرة وربح ضئيل، والذي له مريض راقد في المستشفى توقّع أن مريضه قد مات أو سيموت.. ألام التي لها ابن في سفر توقعت شرا ما أصابه.
التوقع بحدوث الكارثة والتنبؤ بالشر أصاب الجميع وفقدوا على أثرها الشعور بالطمائنينة.
الهدوء المفاجئ، ادخل الرعب والقلق في نفوس الجميع، ولم يعد احد يشعر بالراحة والسكينة، وتمّنى كل واحد في صميم نفسه أن يسمع صوتا ما، أو حركة ما- تكسر الرتابة والسكون.. تمنّى الجميع لو يبادر طفل صغير رضيع بالبكاء، فيكسر هذا الصمت المخيف...انقطعت المركبات في عموم شوارع المدينة، الطائرات المقاتلة التي كانت لا تترك السماء إذ لم تحلّق في الأجواء مرتين أو مرات ثلاث، انقطعت أصواتها..الباعة الذي كانوا لا يصمتون حتى في عز القيلولة- سكتوا والتزموا الصمت..
الهدوء تسبق العاصفة، حالة راود الجميع، والكل توقعوا بأن عاصفته ستكون قوية تقتلعه من الجذور..
في تلك الأثناء داهمت القوات الأمير كية البيوت والمنازل في عدد من أحياء المدينة...اقتحموا البيوت واقتلعوا الأبواب..داهموا الغرف، والممرات وسطوح المنازل... اقتادوا رجالا إلى عربات همر، وقيدوا أيديهم وأرجلهم، واعصبوا أعينهم...
اقتحموا بيتا أخر واقتادوا امرأة وادخلوها إلى داخل عربة الهمر، عصبوا أعيينها، قيدوا أرجلها، شدوا أيديها بالوثاق..
عندما بادرت المرأة المكّبلة بالقيود إلى الصراخ، نكس الرجال رؤوسهم أرضا، بينما واصلت المرأة صراخها بعنف أقوى، سارت المدرعة، ومشت مسافة غابت فيها عن أنظار الرجال، كانوا لا يزالون يضربون الكف بكف..اختفت المدرعات لكن صوتها لم تنقطع عن أذان الرجال الذين تفرقوا في أرجاء المدينة، وغابوا داخل الأزقة والأحياء.
هّز صرخ منادي من مئذنة المدينة الصمت فكسر الرتابة: مات المعتصم.....
المعتصم مات... مات الخليفة... الخليفة مات.....
سار الرجال مجتمعين، ومتفرقين في الطرقات والأزقة مشدوهين، يرد ودون مع أنفسهم وفي سرهم: المعتصم قد مات، فغيروا من اتجاه سيرهم نحو المقبرة الذي سيواري جثمانه..

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب