لم تفهم الزهرة السماوية معنى كوني حجرا مقدسا

كنت أشفق على حاتيبات من مضاجعة ذوالشرى لها لأنني أعلم أنه لا يحبها وإنما مجرد نزوة إله صحراوي أو جبلي.
قد لا يصدقني أحد من الأحجار أو البشر إذا قلت إنني اللات، الصخرة المربعة ذات الزخارف الهندسية والفلسفية العميقة التي تفنن الإنسان الأول في نقشها على صدري، ثم عبدني بعد ذلك تقربا إلى الله.
أنا اللات أخت العُزى ومناة، وشبيهة أفروديت وأرتميس في بلاد أخرى، وكان العرب قديما يسمون أولادهم على اسمي تعظيما لي، فيختارون من الأسماء: زيد اللات، وتيم اللات، وأحيان يذكِّرونني وأخرى يؤنثونني، وأحيانا يرسمونني على شكل امرأة مجعدة الشعر جالسة بين أسدين يحرسان عرشي، مع أنني لست امرأة.
ومن مصادر فخري واعتزازي بنفسي أنني ذُكرت في القرآن الكريم في قول الله سبحانه وتعالى في سورة النجم: 19، و20 {أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى} مهما كان المعنى فقد ذكرني الله وكفى.
تنقلتُ في أماكن كثيرة، وعشت حياة حجرية باذخة، وكان البشر يسجدون لي، فأنكرت عليهم ذلك، وهمست في أذن بعض الكهنة أنه لا يجوز ذلك، فالسجود لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، أنا نفسي لا أسجد إلا لله، مع أن أبليس جلس كثيرا فوقي وحاول أن يغويني، وعند اقتراب اللحظة الآثمة كنت أنظر إلى صديقي الحجر الأسعد، فأتراجع عن ارتكاب المعاصي والذنوب، وأقذف نفسي في وجه أبليس، فيتبخر ضاحكًا ومقهقهًا من أمامي.

كان كبير الكهنة يسخر مني، ويطلعني على آلاف الدنانير الذهبية التي يحصدها من الناس عندما كانوا يتبركون بي ويتمسحون فيَّ، ويلمسونني في خشوع وذلة. ويريدون مني أن أتوسط عند الرب كي يقبل توبتهم.

يفعل الناس ما يفعلونه من ذنوب وكبائر، يزنون ويكذبون ويقتلون ويسرقون ويسبون بعضهم بعضا ثم يلتمسون عفوي ورضائي عنهم، وأنا الحجر الذكي الذي لا يسجد إلا لله.
وقد لا يعرف الناس أننا معشر الحجر نرى أفعالهم ونسمع كلامهم، فبعضنا يسكن في المنازل والقصور، فنرى الناس على حقيقتهم، وصدق من قال: (إن الحيطة لها ودان). ونحن نسكن في الحوائط والجدران، ونسمع بآذاننا ما يقوله البشر، والبعض له عينان فنرى ما يخبئونه عن كل الناس، بل أحيانا يسكن الحجر منا في الحمامات، فنرى الناس عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، ونرى ما يحاول البعض أو الكل، أن يخبئه عن الناس. ولكننا لا نتكلم في معظم الأحيان.
لقد أخذنا العهد أمام الله ألا نتكلم عما نراه، وخاصة عندما يشعر الناس بالأمان تجاهنا، ولا يستعملون المعاول والآلات لهدمنا وإذلالنا وتشريد عائلاتنا وأطفالنا. فنحن جئنا لكي لا نتكلم. ولن أحدثكم عن تلك المرأة التي رأيتها في الحمام بثدي واحد بالجانب الأيسر، أما الأيمن فكانت تحشوه بالقطن المندوف. لن أتكلم عنها، ولا عما كانت تفعله أمام المرآة كل صباح. لن أتكلم.
لي صديق عزيز جدا مرت عليه القرون والقرون شاهد فيها اختلاف الأمم ومصائر الشعوب، واطلع على المؤامرات والدسائس، وعرف الخطط والانقلابات وعاين الثورات والمظاهرات، وأطلق نابليون مدافعه عليه، ولكنه لا يريد أن يتكلم، إنه أبوالهول في صحراء مصر.
نحن لا نتكلم إلا إذا طلب منا ذلك، وأحيانا يطلب منا الكلام ولكن نرفض الحديث، ويحدث كثيرا أن يطلب مني أحد الكهنة أن أتحدث للناس الذين يقبلون أقدامي، ولكنني أرفض الحديث، فمعنى أن أتكلم أنا أن يحصد الكاهن أموالا مضاعفة، ومهما تكلمنا فلن نغير من الأمر شيئا، فقط سيكون كلامنا مزيدا من الخداع ومزيدا من التزييف، ومزيدا من الأموال للكهنة وأتباعهم. لذا لا أتحدث إلا عند الضرورة القصوى.
وقررت أن أتكلم.
قررت أن أتكلم، عندما أتت بي السيدة الجميلة حاتيبات من خرابة العباسية إلى حمام بيتها. ولكن انتظرت ظهوركَ لي، لأنك الوحيد ربما في العالم الذي سيصدقني، أما السيدة حاتيبات الجميلة فقد تنكر بعض حديثي خاصة عندما يكون عن مضاجعة الآله ذوالشرى لها، فأتيتَ أنتَ، نعم أنتَ، أنتَ ابن الإله ذوالشرى الذي يتجدد وجودك في كل عصر من أب وأم آخرين، هكذا قال ذوالشرى الذي رفض أن تحيا مثل العنقاء تتجدد باحتراقك وتخرج من نيرانك، وفي هذا ـ على كل حال ـ رحمة لك.

لقد رأيتها في تلك الليلة التي اكتمل فيها القمر فأضاء كل المعبد، وكنتُ هناك بجوار الزهرة السماوية، أداعبُها في قدس الأقداس، فكانت تنظر لي في استعلاء، فأنا حجر مقدس ولكنها زهرة سماوية.

لم تفهم الزهرة السماوية معنى كوني حجرا مقدسا، ولكنني أفهم متى تكون الزهرة سماوية، ومتى تكون أرضية. وسأشرح لك حتى تفهم معاناتي العاطفية، تكون الزهرة سماوية إذا انتصف الشهر وبزغ القمر في كامل هيئته واتسع دورانه ليشمل الكون كله، ويضطرب البحر قليلا من تأثير إشعاعات القمر عليه، ثم يهدأ قليلا، في حالة يسمونها البشر مد وجزر.

في هذه الحالة ترتفع بعض الأزهار من بساتينها الأرضية، لتكون بجوار العرش يشمها الملائكة فيتناسلون، ويهبطون إلى الأرض يباركون كل من يضاجع أنثاه. وعندئذ تهبط الأزهار السماوية لتصبح أرضية وتقف عند نافذة كل مضاجع.
غير أنني لم أفكر في مضاجعة الزهرة أبدا، سواء في حالتها السماوية أو حالتها الأرضية، وتظن الزهرة السماوية أنني أهيم بها عشقا كلما صعدت ونفذت إلى السماوات العلا.
أنا أحب الزهرة السماوية فعلا ولكن حبي لها حب عذري لا أريد سوى أن أشاهدها في حالة صعودها البهي فقط، أما في حالة هبوطها فلا يسعدني أن أراها لأنها تكون في حالة ذبول وإعياء شديدين، ربما من هول الموقف، أو يصيبها حالة من الاكتئاب النفسي، وما وقوفها على نافذة من يضاجع أنثاه إلا لمحاولة استعادة نضارتها التي تستوحيها من نضارة الأنثى، وأنوثتها الحقيقية لحظة المضاجعة.

في هذه الأجواء شاهدت حاتيبات الجميلة وهي تحت الآله ذوالشرى، والزهرة السماوية واقفة ترش عطرها الإلهي على الجسدين المتلاحمين المتعانقين المتشبثين حتى لحظة القذف المقدسة.

وقتها كنت أنا الحجر المقدس جالسا في قدس الأقداس أعاين ما يحدث بين الآله ذوالشرى وحاتيبات، فنظرت إليَّ الزهرة المقدسة التي تفوح بعطرها وترشه على جسد حاتيبات ليزداد ليونة ولدونة وطراوة بين أيدي الآله، وأحست أنني غير راض عما يحدث، فقد كنت أشفق على حاتيبات من مضاجعة ذوالشرى لها، لأنني أعلم أنه لا يحبها، وإنما مجرد نزوة إله صحراوي أو جبلي يتسم بطبيعة كوكبية، تطلق عليه التوراة اسم 'سعير'.
حاتيبات كانت أجمل الجميلات في عصرها، ولم يخترها ذوالشرى عبثا، ولكنه أراد أن يعظِّم الجمال في نسله الإلهي، فقرر أن يضاجع حاتيبات عند اكتمال القمر في يوم 25 كانون الأول (ديسمبر) يوم الانقلاب الشتوي، لأنه في تلك الأجواء يستطيع أن يدخل كامل عضوه في ثقب حاتيبات حتى ينفذ من الناحية الأخرى دون أن تشعر حاتيبات بأي ألم أو تعب أو إرهاق. فضوء القمر يخدرها، بل تشعر بكامل لذتها خاصة عندما يخترق العضو كامل جسمها ويظهر من إليتها.

انتهى المشهد، وعرف الإله ذوالشرى أنني موجود، فاستدعاني وحاول أن يغيبني عن الوعي لأنسى ما حدث، ولا أنقله لأحد، رغم علمه بالعهد، خاصة بعد أن تأكد من أن ابنه من حاتيبات لن يكون إلهيا وإنما سيكون بشريا ذكيا، وأرجع ذلك لوجودي في تلك الليلة الذي أفسد شيئا من بهجة اللقاء ومتعته، فحاول أن ينزع عني صفة القدسية الحجرية، ونجح في ذلك عدة قرون، أفقت بعدها لأجد نفسي في خرابة العباسية بالإسكندرية، وبدأ الوعي يعود تدريجيا بعد أن أتت حاتيبات لتحملني في عربة خشبية إلى بيتها وتضعني في حمام البيت.



أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية

المراجع

موسوعة الصداقة الثقافية

التصانيف

تصنيف :شعر