الزمن كائنُ أسطوريٌ منطوِ على نفسه ، مٌنفتح على العالم ، كثير الألقاب ، متعدد المواهب ، ٌمتقلب المزاج ، كثير السمات : ثلجي ، هوائي ،جليدي ، زئبقي، فسفوري ..
لم يتمكن احد من العلماء، والباحثين، وأولى الفكر والألباب وأصحاب العقول النيّرة أن يتوصلوا ببحوثهم ودراساتهم وهذياناتهم إلى أن الزمن كسائر الكائنات كائن قابل للزوال ، بإمكانه أن ينقرض ، ويتلاشى من الوجود ، وأخفقوا في إقناع البشرية أن زمن الحروب : زمن الانتصارات الساحقة وصنع الأمجاد التليدة ، وزمن الهزائم والانكسارات والانقلابات التاريخية وحدها تحتفظ بصيرورته وديمومته، له قابلية نمو رهيبة ،مثيرة للجدل.
نحن البشر كائنات بلا زمن ، لا تحكمنا قوانينه الشريرة والأليفة . فكرت مراراً قبل أن أخطو خطواتي الجهنمية التي تشطبني من صفحات الزمن إلى ماوراء الفناء والذوبان : خطوة استبدال راسي برأس أخر.كرهت الرؤوس المألوفة :الدائرية ، البيضوية ، المستطيلة، المقوسة التي تشبه الصفيح ، المائلة للأعلى ،رأس مثلث الشكل قائم الزوايا ،رأس لايشبه رؤوس العباد، ربما يشبه رأس قرد أو رأس عصفور، رأس بطريق ورأس الضبع ..........
ولكن هل ينسجم رأس البقرة مع جسد الإنسان، أو هل يتلاءم جسم البقرة مع رأس إنسان ؟
بعد الاحتلال...
كثيرة هي الأيام واللحظات التي راودتني في أن اقتلع رأسي من جذوره وأكون امرأة بلا رأس أو أتخلى عن رأسي الآدمي واحمل رأس جمل فوق جسدي .
لا أعرف كيف في ليلة وضحاها صار رأسي رأسًا ادمياً ملعوناً في الدنيا معذباً في الآخرة؟
عندما جاهرت بفكرة تبديل رأسي وإزالته عن جسدي حسبني لفيف من الأقارب والأصدقاء امرأة من سلالة (النصف مجنونة ) ، أكدت لهم أني اكتسبت صفة الشذوذ الرأسي من إلهة الشذوذ العاطفي والإنساني في مملكة الزوال الإنساني من قلوب البشر، وما ثبت جنوني وصدق حسن ظنهم هو أني حاولت اقتلاع من الزرافة ٌانفها واجعله أنفا في وجهي وحاولت أن ازرع عيني في رأس بقرة فارضة ، لست في حديقة حيوان كما أني لست في قاعة درس- اعرض صفات الحيوانات وسجاياهم أ و ادخل معهم في سباق علمي لقلع وزرع الأعضاء ولست في مصحة عقلية ولا في مختبرات صحية تجري فيها عمليات تخثر الدم أو غسل الأدمغة . عندما حاولوا غسل دماغي بالدم والصابون وقليل من مسحوق نترات الصوديوم جاءوا بالكهنة والقساوسة من مغارب الأرض ومشارقها وجاءوا بالبترول ، والعطور، والتيزاب ، وعصير الليمون الحامض والقاصر .. وحاولوا بالصمغ والكلبسات والمسامير ذو الرؤوس المدببة أن يثبتوا رأسي فوق عنقي .. استعانوا بشتى السوائل، والمساحيق، والإبر واللواصق .. أرادوا تعذيب رأسي وتأديبه كرد فعل منطقي لما عانته سائر الأعضاء الأخرى من ويلاته ومصائبه وأحقاده الدفينة.. بهذه الطريقة وبأخرى أحاول أن أتخلى عن فكرة استبدال رأسي ولكن الكيمياء والعلوم الأخرى فشلت مع رأسي ومكوناته المعقدة: رأسي مركب من مائة إلف رأس : رأس أحد العباقرة الكرام ، رأس سفاح، رأس محارب قديم من زمن نبو خذ نصر الثاني ، رأس حكيم من حكماء بلاد ما بين النهرين ، رأس فتى غبي، رأس مزور، رأس سارق ورأس أمبرطوراو معلم مبجل ..
احتاج إلى عباس بن فرناس أخر حتى يبتكر جناحا من الإسفنج والورق أطير به فوق الغابات والثكنات وأسطح المنازل ولكن عباس هذا لم يحين أوان خلقه في اللوح، بينما تجلس مدام كوري بفوطتها السوداء وبزتها المنمنمة ومسبحتها تصلي حتى يستعيد الكبريت لونه والفوسفات شكلها في دماغي .
اجمع الخبراء أن راسي فقد كيميائيته وأصبح سائلا: ماء، جبس قاصر، عصير ليمون، عطر فيجي، ندى، شامبو مروج لا يصلح إلا للرؤوس ذات الشعر الطبيعي..
احتاج إلى صحن دهن ٌحر حار أزيل الجفاف من رأسي وبإمكانهم أن يسقوني شرابا منعشا ،أو يرغموني على التمدد بدرجة أو بأخرى : بارد، حار، مناسب . وهناك آمل كبير بهذه الطريقة أن يستبدل ماء وجهي فتصبح بشرتي حنطية وليست شقراء .. بشرة تناسب أمزجة من يتغزل بي: بشرة سوداء كماش لافتات الحداد المعلقة على أعمدة الشوارع أو الجدران في شوارع بغداد المحتلة أو لون إطارات السيارات حديثة الموديل التي اقتحمت الشوارع بعد الغزو .
كانت وسيلتي الوحيدة إزاء معادلة أغراء المقابل بالرأس هو أن أفكر بوسيلة لأتخلص من رأس مسجل بأسمي في كل سجلات العقاري والأحوال المدنيّة
فكرة تبديل رأسي برأس اشتريته من الأسواق (الاورزدي بك)-رأس مطاطا يشبه رأس دمية كانت أمي وجدتي تجيدان صناعة رؤوس الدمى من الأقمشة- تحشوان داخلها قطع الإسفنج وبقايا القطن وريش الدجاج وصوف الماعز ثم تغرزاني دبوسا وصوفا اسود بمثابة عين وجفن للرأس ، كانت أمي تجيد صنع الرؤؤس الدائرية أو البيضوية وتتفن في جعله رأسا مائلا نحو الأطراف وتصنع رأسا لايضحك ، لا يفكر، ألا أن اللعبة تصدف أن تضحك وتبتسم للأطفال . وتضحك الدمية وعندما تحاول جعلها تبكي تأتي ُأمي بكاس ماء فينسكب من العوارض والمسامات يتحرك جفنا الدمية فتتصورها أمي تبكي، إنها تبكي مثلنا ولكن هل نحن نبكي حقا؟
أنا لم أتصور نفسي أنني بكيت حتى عندما انهار رأسي وسقط مع سقوط البنيان والعمارات والصروح العالية في بغداد بقصف الطائرات وأفواه الدبابات والمدافع الثقيلة ، لم أبكي والمار ينز يمشون ببساليهم على المخطوطات والتُحف ودواوين البحتري ، وأبي التمام، وأبي النؤاس ، والرصافي ، ورؤوس الأطفال الرضعّ ورأس أبي جعفر المنصور والحلاج ّ،لم ابكي عندما بقيت رؤوس العباقرة والأولياء تحت بساطيل ٌمجندة زنجية قادمة من بلاد ما خلف الشمس والنور والعلم ، لم ابكي وجسد بغداد تنهشها ذئاب المغول مجددا ..
لم ابكي لكن هاجسا غريبا بدأ يسطو على دماغي ويلح ّ علي ّ بضرورة استبدال رأسي والتخلص منه معللاً بأن مفعوله قد انتهى ولم يعد رأسا عصرياً يناسب الموضة .
فكرت باقتناء رأس أخر فعال يتماشى مع متطلبات الوقت : يقكر، يهمهم ، يخترع ، يرسم ، ٌينكتّ، يلاحظ ، يخطط ببراعة ، يهذي ...
أن يجيد رأس كل هذه الأفعال فذلك لأنه رأس مثالي ، نادر ، فريد .
إنها لمصادفة غريبة أن اكتشف أن كل حركة ناتجة من أجسامنا هي من اليدين اللتين تتحركان بإرادة الرأس.
من الصعب أن أتخلص من اليدين ولكن راسي كرة متحركة ، اقطعه من الرقبة وارمي به في قاع بحر أو من على أعلى تل ، ومتى ما ارغب باسترداده ه أفعل ذلك .. ما أجمل أن تصنع رأسا بمحض إرادتك ،راساً توثقه ٌبمسمار، يرغي، تلبسه (كاليبرية) وتخلعه دون انزعاج، ومتى ما شعرت بالرغبة في الاستغناء عنه، تستغني بسهولة دون الشعور بالندم والإحباط .
منذ نبا انخفاض الأسعار وإنا أتردد إلى الأسواق:السوق العربي ، سوق الرشيد ، سوق الثلاثاء ، الكرادة ، الباب الشرقي ، سوق الصفاريات ، المتنبي ، أسواق بغداد الأخرى ، أحاول أن أجد رأساً بديلا غير مبالية بشكله أو نوعه .
المهم أن يكون رأساً: رأس بقرة، رأس دجاجه، رأس جابر بن حيان، رأس أبن سينا، رأس الإسلاف العظام ، رأس أسد بابل .
والأهم أن أتخلص من رأسي ولا يهم بعد ذلك إن رميته في حفرة أو ترعة أو برميل نفط أو خزان بانزين..
أمّا لماذا ٌأفكر في ذلك فتلك حالة تمتد إلى زمن طويل له علاقة برحم ُأمي التي كانت تفصح عن خلجاتها نفسها وتقول أن رحمي ياما عاني من راسك الوقح وسال دم كثير من رحمي لاستقبل أنا (فلذة كبدها ) نور الحياة وأودعّ ظلام الرحم .
منذ ذلك التاريخ اللعين بدأت سلسلة عذابات راسي ، وزاد شقائي كثيرا يوم تعرفت على رأس يطابقه في اللون والشكل ويناقضه في الحجم ، وعرف رأسي أن هناك في العالم الواسع الرحب شيئا ثلجيا لاباردا، ولا حارا ، ٌنسميه الحب والوجد.
أعوام طويلة والبشرية تدرس تاريخ الحب،حاولت أن أجد له قانونا في راسي أو أساسا يعتمد عليه إلا أني فشلت واستعنت بكيمياء عباس الذي كان عالما يمتلك رأسا واضحاً يفكر في الطيران فقط ولم يكن يفكر في أمر تبديل الرؤوس من فوق الأجساد ، كان له استعداد أن يخترع جناحا لُيحلقّ به ولكن ليس مضطرا أن يضيع في أوهام امرأة مثلي تقضي جل ّ وقتها في ظاهرة علمية غير مسبوقة .
وكان عباس مؤمنا بالمقولة المروية لنصف العقل لذا انسحب من الدنيا باكراً، انتحر قبل أن يلفظ رأسه جسم بقرة أو جسد ثعلب.. وأكثر الأحيان أتخيل ّأن رأسي ساعة تتشابه دقاته،يظل يدور ويدور يعمل ويدور، تنتهي ساعة وتبدأ أخرى .. زمن يسقط وزمن يولد ، إلى أن اختل صحته واستهلك ،صار سائلا يذوب يتمدد، يتخثر..
ُأعلقه بخيط في أعلى المروحة، أدكهٌّ بمسمار على الجدار، أضُعه في صحن إلا أني أجده قد وثب وعاد يلتصق برقبتي، يلتحم بها، يمكر ، وٌيخبث، ويعمل مقالب، ثم يأخذ بإخراج لسانه ممازحا أياي، يدرك أن اللعبة لاتنتهي وأن كل محاولاتي لإستبداله هي هراء .البقرة ترفض أن تبيع رأسها والثعلب الماكر يريد ثمنا بخسا لجسده لامحالة أن يبقى رأسي يتدلى من فوق جسدي ويشقى أكثر..أكثر كيمياءا، حراً أكثر
المراجع
جمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب - واتا
التصانيف
الادب
login |