لا يقل تهريب شحنة قمح فاسد إلى قطاع غزة في خطورته، عن مئات قذائف المدفعية، وصواريخ الطائرات الإسرائيلية، التي تتساقط يوميًا على القطاع الجريح، ذلك أن الذي يستهدف أقوات الناس وأرزاقهم، بتهريب الفاسد من الطعام إليهم، أو احتكار السلع الضرورية وإغلاء أسعارها بما يشق عليهم، وبالذات في ظروف كهذه التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم، فإنه كمن يقتلهم، ولو بغير سلاح، وهو في هذا لا يمكن أن يكون مختلفًا عن المحتل الذي يقتلهم بالسلاح، لأن النتيجة في كلتا الحالتين واحدة؛ القتل، ولأنه لا فرق بين من يقتل بالرصاص، ومن يقتل بالعسل المسموم، ولهذا نجد رسولنا المعلم صلى الله عليه وسلم يتحدث في الحالتين منطلقًا من نفس القاعدة، فيقول عمن يحمل السلاح على المسلمين: "من حمل عينا السلاح فليس منا"، ويقول فيمن يغش المسلمين في أرزاقهم وأقواتهم: "من غشنا فليس منا".
لا خلاف بيننا على أن الغش خيانة من أعظم الخيانات، وجريمة من أبشع الجرائم، التي تستحق أشد العقاب، لأن من يرتكبها يكون قد تخلى كلية عن انتمائه لأمته وشعبه ووطنه، خصوصًا بعد أن يعلم مفهوم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، فمن غش بعد ذلك فكأنه رضي بنفي نسبته إلى هذه الأمة، التي يمثل النبي صلى الله عليه وسلم رمزها ومعلمها وقدوتها، فكيف إذا كان الغاشُّ من ولاة الأمر، أو المسئولين الذين يتوجب عليهم رعاية مصالح الأمة، ويناط بهم حماية أمنها وحفظ ضروراتها؟ لا شك حينها أن المصيبة ستكون أشد وأنكى، وبالتالي فإن العقوبة المادية والمعنوية ستفوق بأضعاف مضاعفة عقوبة العوام، ومن هنا نستطيع أن نفهم تشديد النبي صلى الله عليه وسلم في أمر المسئول الذي يغش رعيته، إذ قال: "من ولاه الله رعية فمات يوم يموت وهو غاش لها، لم يجد ريح الجنة يوم القيامة".
لقد اطلعت بالأمس، ربما كما اطلع كثيرون غيري، على أنباء تتناول قضية تهريب صفقة من القمح الفاسد إلى قطاع غزة، وهي قضية غاية في الخطورة كما أسلفت، لا يختلف على هذا اثنان، ولعل ما يزيدها خطورة ما ذكر من أن وزير الاقتصاد بنفسه هو الذي سمح خطيًا بإدخال تلك الشحنة الفاسدة إلى القطاع، وتوزيعها على عدد محدد من مطاحن الدقيق، رغم علمه بعدم صلاحيتها للاستخدام الآدمي، بحسب تصريحات مدير أمن المعابر، الذي أكد أن إدارته قد أعلمت الوزير بعدم صلاحية الشحنة، وكانت تنتظر تعليماته بمنع إدخالها، كما تقتضي قواعد المسئولية، لكنها، وبحسب مديرها أيضًا، فوجئت بالوزير يسمح بإدخالها وتوزيعها.
نحن بالطبع لا نتهم الوزير، معاذ الله، لا لشيء سوى أننا نفتقر إلى الدليل الذي يدين، وليس من ديننا أو منهجنا أن نسلك منهج القيل والقال، الذي كرهه لنا ربنا سبحانه كما أخبرنا نبيه صلى الله عليه وسلم، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن من حقنا أن نضع كل ما نملك من علامات الاستفهام، التي تحيط بهذه القضية، والتي تنثرها تساؤلات الشارع، المحرجة والمحرقة في آن معًا، فوق رؤوس جميع المسئولين، إن لم يكن تهمة، فمطالبة بما يجلي الحقيقة الناصعة، التي لا تدين بريئًا، ولا تعفي مجرمًا من تبعات جريمة ارتكبها في حق دينه ووطنه وشعبه، إذ لا حصانة لأحد أمام الحق أبدًا، سواء كان وزيرًا أو مديرًا أو فقيرًا، فالجميع أمام الحق سواء، وحسبنا في هذا منهجًا ما تعلمناه من قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
المطلوب إذن هو كل الحقيقة، ولا شيء غيرها، والمطلوب أن يعرف الشعب كل شيء عن هذه القضية، بلا مواربة، وبلا ملفات مخفية، وبلا جلسات مغلقة، وبلا زيادة أو نقصان، وألا يكون مصير ملف هذه القضية كمصير ملف قضية الأسمنت، التي أزكمت رائحتها أنوفنا ردحًا من الزمن، ولا زالت، لأن الحق لا يسقط بالتقادم، ودعونا من المجاملات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من الترهل والفوضى الإدارية والفساد، فلا أحد فوق القانون، ولا أحد فوق المساءلة
.
هذه القضية مطروحة على المجلس التشريعي، وهي في حقيقتها قضية أمن قومي، فهل سيكون المجلس التشريعي على قدر المسئولية في هذه القضية، أم أن "ريما" لم تغير عادتها القديمة، نحن والجماهير في الانتظار لمعرفة الحقيقة، وسنصفق جميعًا للبريء المحسن، وسنقدم له خالص الحب والتقدير، أما من غشنا فلن يكون منا، امتثالاً لتعاليم نبينا صلى الله عليه وسلم، ولعلنا لا نكون مبالغين إذا طالبنا حينها بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى | | .
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
نباتات حياة نباتية العلوم الاجتماعية العلوم البحتة
|