التأثيرات البيئية لاستخدام الطاقة ليست جديدة ، فعلى مدى قرون خلت اسهم حرق الاخشاب فى نزع حراجة مناطق عديدة ، وحتى فى المراحل المبكرة للتصنيع بلغ التلوث المحلى للهواء والماء والأرض مستاويات عالية ، والجديد نسبيا هو الإقرار والتسليم بالوشائج التى تربط الطاقة بالمشكلات البيئية الإقليمية والعالمية ، والتنويه بكافة تضميناتها .

ورغم ان الإمكانات الكامنة للطاقة لدعم وترسيخ الرفاهة الانسانية ليس محلا للشك او التساؤل ، يرتبط انتاج واستهلاك الطاقة المعتادة ( التجارية ) ارتباطا وثيقا بالتدهور البيئي ، وهو التدهور الذى يهدد الصحة الانسانية وجودة الحياة ، ويؤثر أيضا فى التوازن الإيكولوجي والتنوع الاحيائي . ويوضح الجدول ( 2 ) الارتباط بين البيئة والطاقة ، الذى يتبين منه حصة الابتعاثات السامة والملوثات الاخرى التى تعزى الى الامداد بالطاقة . ويلاحظ أن مؤشر التخلل البشرى The Human Disruption Index هو النسبة بين التدفق المتولد عن النشاط الانساني لملوث معين ( ثانى اكسيد الكبريت مثلا ) الى تدفقه الطبيعي او القاعدى ( الاسنادى ) . وعلى هذا النحو تبلغ قيمة المؤشر ، فى حالة الكبريت ، مقدار 2 . 7 ، الذى يعنى ان ابتعاثات منتجة بواسطة النشاط الإنسانى مقدارها 84 مليون طن فى السنة تعادل 2 . 7 مرة تدفقه الطبيعي القاعدى البالغ 31 مليون طن سنويا .

ويوضح الجدول ان نظم الطاقة ، مع المناشط الإنسانية ، تؤثر تاثيرا بالغا على التدوير العالمي لكيماويات مهمة ، ورغم ان المؤشر بذاته لا يظهر ان هذه الابتعاثات تترجم إلى تاثيرات سلبية معاكسة ، فغن مقاديرها تقدم تحذيرا بان هذه التأثيرات وامثالها يمكن ان تكون جسيمة ، وبعض التاثيرات هى بالفعل جسيمة ومستحقة للاعتبار ، فعلى مسيرة 100 عام الماضية فقط ، التى تضاعف سكان العالم خلالها اكثر من ثلاث مرات ، تنامت المهانات أو صور الأذى البيئية البشرية ، بدءا من صنوف الضوضاء المحلية ، وحتى التخللات ( او التمزيقات ) البشرية ، التى أسفرت عن مستويات متعدة للخلل البيئي على النطاق العالمي ، فالتمزيقات البشرية للقرن العشرين – مسافة بما يربو على 20 ضعفا زيادة فى استخدام الوقود الاحفوري ، ومتكثرة بتضاعف مثلوت فى استخدام اشكال الطاقة التقليدية كالكتلة الاحيائية – قد بلغت مالا يقصر عن بزوغ الحضارة كقوة إيكولوجية وجيوكيميائية عالمية . وبكلمات اخرى يبدل التاثير التعجيلي للحياة الإنسانية من العالم على مستوى الكرة الأرضية .

وتشكل العواقب البيئية على كل مستوى ( محليا وإقليميا وعالميا ) للانماط الحالية لانتاج الطاقة واستخدامها جزءا خطيرا من التأثيرات البشرية على البيئة ، فعلى المستوى املنزلي يجلب استخدام الوقود الصلب لأغراض الطهى والحصول على احلرارة تاثيرات خطيرة على الصحة ، كما ترتبط الجودة المتدنية للهواء – على المستويات املنزلية والمحلية والإقليمية – بالمرض المتزايد والوفاة المتعجلة ، إذ من المقدر حدوث حوالى 2 مليون حالة وفاة مبكرة سنويا – تتفاوت بين النساء والأطفال – من جراء التعرض لتلوث الهواء الداخلى ( داخل المنازل ) المتسبب عن حرق انواع الوقود الصلب فى الاجواء سيئة التهوية ، كذلك فاملواد الجزئيئية ( او الجسيمة ) ( بكل من نوعيها : التى تنبعث مباشرة ، والتى تتكون فى الهواء كنتيجة لابتعاثات القطيرات الغازية الابتدائية فى شكل اكاسيد الكبريت والنيتروجين ) ، والهيروكربونات ، هى هموم متنامية على اتساع العالم كله ، وهى مكدرة وشاقة فى أجزاء عديدة من العالم النامى ، على وجه الخصوص ، حيث تسود انواع الوقود الاسوأ فى ظل تخفيف لا يذكر للابتعاثات ، وانعدام تأسيس مستوى عتبى آمن للتعرض للمواد الجسيمة الدقيقة .

 

جدول 2 : الأذى البيئي المتسبب عن المناشط الإنسانية فى كل قطاع منتصف التسعينات


مساهمة التخلل البشري المتسبب عن مؤشر التخلل البشرى خط الاساس
( الاسناد الطبيعي طن لكل سنة )
الاذى
التصنيع وغيره الزراعة إمدادات الطاقة التقليدية إمدادات الطاقة التجارية
59% ( معاملة المعادن وتصنيعها وحرق النفايات ) يمكن إغفاله يمكن إغفاله 41% ( حرق الوقود الأحفورى متضمنا الإضافات ) 18 12 . 000 ابتعاثات الرصاص فى الجوب
56% ( التخلص من مخلفات الزيوت بما فيها تغيير زيت الموتور ) يمكن إغفاله يمكن إغفاله 44% ( استخراج النفط ومعالجته ونقله ) 10 20 . 000 النفط المضاف للمحيطات   
70% ( معاملة المعادن وتصنيعها وحرق النفايات ) 12% ( الحرق الزراعي ) 5% ( حرق وقود تقليدي ) 13% ( حرق الوقود الأحفورى ) 5 . 4 1 . 400 ابتعاثات الكادميوم فى الجو
13% ( الصهر وحرق النفايات ) 15 ( الحرق الزراعي ) 0 . 5% ( حرق وقود تقليدي ) 85% ( حرق الوقود الأحفورى ) 2 . 7 31 مليون ( كبريت ) ابتعاثات الكبريت فى الجو
12% ( الدفن الارضي ) 65% ( حقوق الارز والحيوانات الاليفة وتطهير الأراضي ) 5% ( حرق وقود تقليدي ) 18% ( استخراج الوقود الأحفورى ومعالجته ) 2 . 3 160 مليون تدفق الميثان فى الجو
1% ( حرق النفايات ) 67% ( السماد والحرق الزراعي ) 2% ( حرق وقود تقليدي ) 30% ( حرق الوقود الأحفورى ) 1 . 5 140 مليون ( نيتروجين ) التركيز ( التثبيت ) النيتروجينى ( كأكسيد نيتروجين وامونيا ) ج
77% ( معاملة المعادن وتصنيعها وحرق النفايات ) 2% ( الحرق الزراعي ) 1% ( حرق وقود تقليدي ) 20% ( حرق الوقود الأحفورى ) 1 . 4 2 . 500 ابتعاثات الزئبق فى الجو
يمكن إغفاله 80% ( السماد وتجريد الأرض وتخلل الخزان الجوفى ) 8% ( حرق وقود تقليدي ) 12% ( حرق الوقود الأحفورى ) 0 . 5 33 مليون تدفقات اكسيد النيتروز للجو
15% ( الصهر ، وتحريد الأرض غير الزراعية والنفايات ) 40% ( الحرق الزراعي ) 10% ( حرق وقود تقليدي ) 35% ( حرق الوقود الأحفورى ) 0 . 12 3 . 100 مليون د الابتعاثات الجزيئية للجو
20% ( تجريد الأأرض غير الزراعية وحرق النفايات ) 40% ( الحرق الزراعي ) 5% ( حرق وقود تقليدي ) 35% ( حرق الوقود الأحفورى ) 0 . 12 1 . 000 مليون ابتعاثات الهيدروكربونات غير الميثانية للجو
7% ( صافى الأحراج لتصنيع جذوع الاشجار ) 15% ( صافى نزع الاحراج لإخلاء الارض ) 3% ( صافى نزع الاحراج للحصول على وقود الحطب ) 75% ( حرق الوقود الأحفورى ) 0 . 05 هـ 150 بليون ( كربون ) تدفقات ثانى اكسيد الكربون للجو

 

ملحوظة : حجم الأذى ( او المهانة ) insult هو فقط احد العوامل المحددة لحجم التاثير البيئي الفعلى .

  • مؤشر التخلل البشرى هو النسبة بين التدفق المتولد عن النشاط الانسانى لملوث معلين الى تدفقه الطبيعي القاعدى ( الإسنادي ) .
  • الجزء الخاص بذاتيات الحركة ( أو المركبات ) لابتعاثات الرصاص المحثة بواسطة الانسان فى هذا الجدول مفترض بنسبة 50 فى المائة من ابتعاثات ذاتيات الحركة العالمية فى التسعينيات الباكرة .
  • محسوبة من التركيز ( التثبيت ) fixation النيتروجيني الكلى ناقصا النيتروجين من اكسيد النيتروز nitrous oxide .
  • الكتلة الجافة .
  • رغم انها بحسب الظاهر صغيرة ، بسبب العمر الزمنى الاتمو سفيرى ( الجوى ) الطويل وخصائص اخرى لثانى اكسيد الكربون ، فإن هذا الانعدام الطفيف للتوازن فى التدفقات الطبيعية يتسبب فى 0 . 4 فى المائة زيادة سنوية فى التركيز الاتموسفيرى العالمى لثانى اكسيد الكربون .

والواقع ان حرق الوقود الأحفورى معضله على مستويات عدة ( رغم أن الغاز الطبيعي ينتج ابتعاثات أقل ضررا بكثير عن النفط أو الفحم ) ، والملوثات الرئيسية التى تنبعث نتيجة احتراق انواع الوقود الأحفورى هى اكاسيد الكبريت والنيتروجين ، وأول اكسيد الكربون ، والمواد الجزيئية العالقة ؛ ويتكون الأوزون فى الغلاف التروبوسفيرى من التفاعلات بين الهيدروكربونات واكاسيد النيتروجين وأشعة الشمس؛ وتعتبر الابتعاثات المرتبطة بالطاقة من جراء حرق الوقود الأحفورى ، بما فى ذلك حرق الوقود الاحفورى فى قطاع النقل ، مساهما رئيسيا لتلوث الهواء فى الحضر ، كما ان قطيرات الترسبات الحامضية الابتدائية من حرق الوقود يمكن أن تترسب على بعد آلاف الكيلومترات من نقطة المنشأ ، وغالبا ما تعبر الحدود القومية للدول ، فتتسبب الحامضية الناتجة فى إلحاق تدمير بالغ بالنظم الطبيعية والمحاصيل والبيئة المشيدة المصنوعة بواسطة الإنسان ، كما ان بمستطاعها ان تغير من تركيب ووظيفة مجمل النظام الايكولوجى على مر الزمن . وفى مناطق عديدة أدت الحامضية إلى اضمحلال انتاجية الغابات وتناقض الثروة السمكية والأراضى المزروعة . وغالبا ما تثير المشروعات الهيدروكهربية ، كذلك قضايا بيئية مرتبطة بالفيضانات ، بينما فى حالة القوى النووية تثير قضايا مثل تصريف المخلفات الكثير من التخوفات .

وينتج عن احتراق الوقود الأحفورى ثانى أكسيد كربون CO2 اكبر بكثير من أى نشاط إنساني آخر ، فذلك هو اكبر مصدر للابتعاثات الانثروبوجينية ( من صنع الإنسان ) لغازات الدفيئة التى تتسبب فى تغير تركيب الغلاف الجوى ، والتى بمستطاعها ان تبدل من النظام المناخى العالمى بما فى ذلك كم ونمط هطول الأمطار . غير أن إحراز تركيز جوى مستقر من ثانى اكسيد الكربون CO2 على اى مستوى قد يتطلب أخيرا تقليص ابتعاثات ثانى اكسيد الكربون الى اكثر من نصف المستويات الراهنة . اما تثبيت ثانى اكسيد اكلربون CO2 الى ما يقارب تركيزه الحالى فقد يتطلب تقليص الابتعاثات إلى نصفق المستويات الحالية خلال العقود القليلة القادمة ، وإلا فليس هناك بديل سوى أن تستمر ابتعاثات ثانى اكسيد الكربون CO2 فى التزايد ، إذ ان المناحى الراهنة للابتعاثات ، إذا لم يتم التحكم فيها ، ستؤدى الى أكثر من مضاعفة التركيزات الجوية قبل حلول عام 2070 ، بالقياس الى المستويات السابقة على الصناعة .

ولقد شوهدت ورصدت التغيرات فى الأنماط المناخية المناظرة للاستنباطات العلمية المؤسسة على التركيزات المتزايسدة لغازات الدفيئة ؛ وبقية الدلائل ، وفقا للهيئة الحكومبة الدولية المعنية بتغير المناخ ، توعز الى ان هناك بالفعل تاثير انسانى يمكن ادراكه على المناخ العالمى . ولأن نظم الطاقة المستدامة ، من واقع تعريفها ، يجب ان تدعم كلا من الصحة الانسانية وسلامة النظام الإيكولوجى على المدى الطويل ، فالأهداف التى تنصب على الابتعاثات التى يمكن تحملها والتعايش معها يجب ان تتبدى بوضوح فى صميم المستقبل ، وهى يجب كذلك أن تضع فى حسباتها الميل العام لطلب صحة أوفر وحماية بيئية اكبر كلما تزايدت الرفاهية والرخاء .


المراجع

janoubia.com

التصانيف

الحلول والبدائل  بيئة  الطاقة المتجددة   العلوم التطبيقية   العلوم البحتة