حين يكرم الله المسلم بتفتح البصيرة ويقظة القلب، يحس بعبوديته لله وأن صدق هذه العبودية كائن في تسخير الجوارح لطاعة الله والجهاد في سبيله، لذا تجده دائم الفكرة، ينظر فيعتبر، لا تبطره النعمة، ولا تصرفه الدنيا وملذاتها عن الجهاد في سبيل الله والعمل للآخرة التي هي خير وأبقى، وتراه حين يراه، لا يفتر عن ذكر الله، والتفكر في آلائه، يذكر الموت فلا يغتر بالحياة الدنيا، ويذكر ما أعد الله للمؤمنين في دار كرامته فيصغر في عينيه كل ما يعظمه أولئك الذين غرهم بالله الغرور .

ولقد وصف الله أولي الألباب في سورة آل عمران فقال :

[إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار] (1).

 

وللربانيين أهل الخشية من علماء هذه الأمة ورجالها كلمات تنم عن مدى تذوقهم لهاتين الصفتين من صفات أولي الألباب، وصفاء إحساسهم بنعم الله ودلالاتها على قدرته وحكمته جل وعلا .

فقد روي عن الحسن البصري قوله : (الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك) وإذن فلابد للمسلم من أن يجلو هذه المرآة دائماً لتريه حسناته فيزداد منها وسيئاته فيتوب إلى الله ويقلع عنها.

وقال سفيان بن عيينة : (الفكرة نور يدخل القلب) وربما تمثل بهذا البيت:

إذا المرء كانت له فكرة       ففي كل شيء له عبرة

ولم يكن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بمنأى عن هذه الساحة المشرقة المباركة ، فقد كانت حياته -وهو يحمل مسؤولية الإمارة- صورة صادقة عن هذا الصفاء الذي ارتفع به إلى الإنابة الدائمة لله عز وجل فكان ـ وهو يحكم الناس ـ رجل الآخرة في عدله وجهاده وتقواه فقد روي عنه قوله :

(الكلام بذكر الله عز وجل حسن، والفكرة في نعم الله من أفضل العبادة).

كما روي أنه بكى يوماً بين أصحابه، فسئل عن ذلك ، فقال : فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فاعتبرت بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر).

رحم الله الحسن وسفيان، ورحم الله خامس الراشدين ورضي عنه، فلقد برز في تاريخ هذه الأمة أنموذجاً لمعنى التقوى والصلاح، وإن ذلك ليس مقصوراً على الفرد في نفسه وإنما هو قضية عظيمة تنعكس على المجتمع، فعمر بن عبد العزيز لم يكن عابداً في صومعته، ولكن عبد الله بتحكيم شريعة الإسلام، وإقامة العدل بين الناس ، وزهادته في الدنيا وهي مذللة بين يديه ـ وقاد جيوش الجهاد إلى ساحات القتال في سبيل الله ، والتمكين لأمة الإسلام في الأرض .

أجل : لقد كان صلاح عمر بن عبد العزيز ضياء على طريق المسلمين في إعزاز دين الله، والتوطيد لكلمة الحق في المجتمع ، وإقامة صروح العدل الذي جاء به الإسلام .. ذلكم هو الرجل الرباني الذي استطاع أن يحقق ـ بصدقه وإخلاصه ـ في زمن يسير ما تعجز عن تحقيقه السنون وهكذا يعلم الربانيون .

         

(1) سورة آل عمران : 190 ـ 191 .


المراجع

odabasham.net

التصانيف

قصص  أدب  مجتمع   الآداب   قصة