بدأ الأستاذ بتأليف وكتابة رسائل النور بعد حياة حافلة بالأحداث والتجارب ،ففتح بذلك الآفاق الواسعة والفسيحة في تركيا وهو يتحمل كل العذاب والقهر والجوع والأغلال في دهاليز السجون. غير أن شجاعته وإخلاصه وتواضعه وشفقته ورحمته وبطولته انتصرت على كلِّ شيء.
وشاءت الاقدار ان يدخل الاستاذ النورسي ومجموعة من طلابه سجني دنيزلي وآفيون في نهاية الاربعينيات من القرن المنصرم ، وتحمل الاستاذ وطلابه العنت من جراء ذلك ، ولكنهم لم يهنوا ولم يحزنوا بل اصبحت دخولهم السجن وسيلة لاستفادة المساجين من رسائل النور وبث السلوان والأمل فيهم ،بل تحول السجن الى مدرسة يوسفية واصبح طلاب النور مدرسين ومعلمين فيها ؛حققت أهداف مدرسة الزهراء ،وبدأت رسائل النور بالانتشار والتوسع ، وكانت من ثمار تلك المدرستين (رسالة الثمرة) أينعها سجن دنيزلي و(رسالة الحجة الزهراء) درساً بليغاً أزهر في سجن آفيون .
لقد تعرض الاستاذ النورسي من نفي الى نفي ، ومن سجن الى سجن ، كل ذلك لا ينال من عزمه ، وتكالبت عليه المرض والجوع والحرب البدنية والنفسية ، ووضع في مجتمع من المجرمين والقتلة وغلاظ القلوب والجانحين ، ومن وراء القضبان الحديدية والجدران الخرسانية ، فباشر بالقاء دروسه النورية والتربوية في اصلاح هؤلاء واعادة الأمل اليهم وتغييرهم نحو الاصلح .
وبالرغم من تكدس النزلاء في ردهات السجن وتجاوز طاقتها الاستيعابية اضعاف طاقتها الحقيقية والتي تكون عائقاً في تهذيب واصلاح المسجونين لانتشار مشكلات صحية ونفسية وسلوكية وسط النزلاء ، الا ان الاستاذ النورسي وطلابه بذلوا اقصى جهودهم لتأهيل هؤلاء المساجين وتقويم سلوكياتهم وحل المشاكل والصعوبات التي يواجهونها ، وانقاذ ايمانهم وقيام جميع السجناء المحكوم عليهم بجرائم كبرى بإعلان توبتهم نادمين على ما فعلوه من جرائم، وبدأت تلك الغرف المظلمة من حجرات السجن تشع بالضياء وتمتلىء نوراً وبهاءً وتقام صلوات الجماعة وتقرأ الادعية والاوراد ، كأن السجن تحول الى مسجد ومدرسة ، مما حدا بأحد معاوني الادعاء العام في دنيزلي لتبليغ وزارة العدل بان بديع الزمان وطلبته حوّلوا السجن الى مدرسة .
ومن وراء القضبان ظهرت مئات المهتدين ، واصبحوا متدينين ذوي اخلاق فاضلة بعد قراءتهم رسالة (الثمرة) وحدها، حتى الذين قتلوا ثلاثة اشخاص تحاشوا عن قتل بقة الفراش بعد قراءتهم لتلك الرسالة .
لقد تحول السجن بفضل رسائل النور الى (سجن فاضل) والى (مدرسة طيبة مباركة) ، فيه كثير من الرحمة والخيرية .وأصبح الذين خرجوا من سجني دنيزلي وآفيون يشار اليهم بالبنان وقد تخلصوا من كل ما لصق بهم من سلوكيات ومعتقدات خاطئة تضر بهم وبالمجتمع الذي يعيشون فيها .
واتبع الاستاذ النورسي سياسة انضباطية في سجني دنيزلي وآفيون أصقل بها أرواح طلابه، وكان يؤكد عليهم الا يحتدوا لان الوضع الحاضر كله جدّ لا هزل فيه، وانهم تحت العناية الالهية.
السجن : تعريفه ، أهدافه :
إن السجن هو المكان الذي ينفذ فيه العقوبات التي تتخذها المحاكم بحق الإنسان الذي أرتكب جرم ما بحق مجتمعه عبر الخروج عن القواعد القانونية والقواعد الاجتماعية المتعارف عليها ضمن المجتمع الواحد وذلك لحفظ الأمن وحماية الأفراد من أي تعدي عليها وعلى ممتلكاتها في سبيل تنظيم العلاقات بين المواطنين، عبر تطبيق القوانين وحفظ العدالة فيما بينهم ، وعبر تطبيق القوانين القضائية التي اتخذتها بعد تداول القضاة لواقع الجرم واتخاذ قرارها بحق المجرم بالسجن عدد من السنين وفقا لنوع الجرم وطبيعته .
والسجن هو عبارة عن مكان مغلق يتألف من بناء متعدد الأقسام بشكل مغلق تماماً ومنعزل عن المجتمع ،حيث يتكون من الغرف المخصصة للإدارة المشرفة عليه، من قاعات فوق الأرض وتحت الأرض مختلفة المساحة والأحجام، ومن غرف صغيرة مظلمة للحبس الانفرادي التأديبي ، علاوة على المرافق الحيوية للمساجين ، وكذلك يحتوي على أقسام متنوعة ترفيهية حسب نوع السجن ونوع إدارته ؛ وهيكلية نظامه الداخلي ونمط الإدارة ، وطبيعة أداءها تجاه المساجين والخطوات المعتمدة من قبلهم تجاه إعداد سلوك المسجون وتقويمه ، حيث الغاية من هذا المكان هو تقويم سلوك المسجون وتأهيله اجتماعياً وسلوكيا ً ، من فرد متعدي على القوانين إلى فرد سوي يتماثل مع القوانين الاجتماعية المعتمدة داخل مجتمعه.
وفي بحثنا هذا نتناول الدروس التربوية المستنبطة من رسائل النور في تقويم سلوك المساجين عند دخول الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي وطلابه في سجني دنيزلي وآفيون .
أولاً : سجن دنيزلي (المدرسة اليوسفية الثانية)
20 أيلول 1943 -15 حزيران 1944
كان سجن دنيزلي بناءً جديداً، في ساحة خضراء خارج المدينة. حجراته وردهاته بجدران خرسانية صماء وفتحات صغيرة عليها قضبان حديدية، مظلمة وقليلة التهوية ومُرطبة تشبه سجون مالطا (1).
يقول الاستاذ النورسي : «ثم ساقونا الى سجن دنيزلي وزجّوني في ردهة كبيرة ذات عفونة ورطوبة شديدتين فوق ما فيها من برودة شديدة، فاعتراني حزن وألم شديدان من جراء ابتلاء اصدقائي الابرياء بسببي فضلاً عن الحزن النابع مما اصاب انتشار (النور) من عطل ومصادرة مع ما كنت اعانيه من الشيب والمرض.. كل ذلك جعلني اتقلب مضطرباً في ضجر وسأم.. حتى اغاثتني العناية الربانية فحوّلت ذلك السجن الرهيب الى مدرسة نورية، فحقاً ان السجن مدرسة يوسفية، وبدأت رسائل النور بالانتشار والتوسع حيث بدأ أبطال (مدرسة الزهراء) بكتابة تلك الرسائل بأقلامهم الالماسية. حتى أن بطل النور قد استنسخ اكثر من عشرين نسخة من رسالتي (الثمرة) و(الدفاع) خلال مدة لم تتجاوز اربعة اشهر، مع ضراوة تلك الظروف المحيطة، فكانت تلك النسخ سبباً للفتوحات في السجن وفي خارجه فحوّل ضررنا في تلك المصيبة الى منافع وبدّل ضجرنا وحزننا الى افراح، مبدياً مرة اخرى سراً من اسرار الآية الكريمة :
{ وعَسى أنْ تَكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكُم }(البقرة:216)(2).
كان عدد الطلاب مع الاستاذ النورسي (126) طالباً وسيقوا معاً الى انقرة ثم الى محكمة الجزاء الكبرى لدنيزلي فسجنها في 25/10/1943 (3) .
ولقد أعطى بديع الزمان السجن اسم (المدرسة اليوسفية)، خلافاً للذين سموه زنازين، دهاليز أو سجون. وذلك تيمناً بسجن يوسف (عليه السلام) الذي دخله وتحول إلى مدرسة وصفوف للدروس (4).
من ثمرات سجن دنيزلي
لقد اثمر سجن دنيزلي من الثمرات ما أبهج الاستاذ وطلابه وجعلهم في شكر دائم مستمر . يقول الاستاذ النورسي محدثاً نفسه :
«أنك قد اطلقت على السجن اسم (المدرسة اليوسفية)، وقد وهب لك (سجن دنيزلي) من النتائج والفوائد اضعاف اضعاف ما اذاقكم من الضيق والشدة، ومنحكم فرحاً شديداً وسروراً عظيماً وغنائم معنوية كثيرة: واستفادة المساجين معكم من رسائل النور، وقراءة رسائل النور في الاوساط الرسمية العليا وغيرها من الفوائد، حتى جعلتكم في شكر دائم مستمر بدل التشكي والضجر محوّلة كل ساعة من ساعات السجن والضيق الى عشر ساعات من العبادة، فخلّدت تلك الساعات الفانية»(5).
وفي سجن دنيزلي الف الاستاذ النورسي رسالة الثمرة ، وهي خاطرة ثمرة أثمرها سجن "دنيزلي" في يومين من ايام الجمع المباركة (6).
يقول الاستاذ النورسي :
«انني اخال ان الرسالة الصغيرة التى اثمرها سجن " دنيزلى" ستكون دفاعنا الحقيقي والاخير، لأن الخطط المنصوبة للقضاء علينا سابقاً والناشئة من اوهام وشكوك اثيرت ضدنا منذ سنة، قد صممت على نطاق واسع، وهي: العمل لطريقة صوفية.. انهم منظمة سرية.. واداة لتيارات خارجية.. إثارة المشاعر الدينية واستغلالها في سبيل السياسة، والسعي لهدم الجمهورية والتعرض للدولة واخلال أمن البلاد.. واشباهها من الحجج التي لا اساس لها من الصحة. لذا شنوا هجومهم علينا»(7).
وكان الاستاذ يكتبها على قصاصات من الورق ويضعها في علب الكبريت ،ويرميها خفية من شباك ردهته الى طلابه وهم بدورهم يستنسخونها (8).
أما تأليفاته الأخرى فى سجن دنيزلي:
1- الشعاع الثاني عشر (عدد من دفاعاته في محكمة دنيزلي)
2-الشعاع الثاني عشر (رسائل مسلية وموجهة الى طلاب النور)
3-مكاتيب توجيهية الى طلابه يبلغ عددها(120) مكتوباً (9).
لقد اطلق طلاب النور يوقدون الشموع في السجن ، ويعلقون القناديل الصغيرة بين زواياه المظلمة، جاعلين فيها زيتاً من رسالة «الثمرة» التي كُتبت للمسجونين خاصة (10).
يقول الشاعر التركي (علي علوي قوروجو) في تقديمه كتاب السيرة الذاتية لبديع الزمان سعيد النورسي :
ان بديع الزمان شخصية تمتاز بعناية ربانية خارقة، لذا غدت السجون، كرياض يشهد من خلالها الآفاق النورانية للعوالم الأبدية، وتعتبر أعواد المشانق ومنصة الإعدام محافل وعظه وكراسي إرشاده، فيلقي من فوقها دروس الصبر والثبات والمتانة والرجولة للإنسانية في سبيل غاية سامية. وتنقلب المعتقلات مدارس يوسفية، يدخلها كما يدخل الأساتذة الجامعات لإلقاء الدروس، لأن الموجودين فيها من المسجونين يعدّون تلامذة محتاجين إلى فيضه وإرشاده، ويعتبرُ إنقاذ بضع من المواطنين وإدخالهم إلى حظيرة الإيمان وجعل بعض الجناة انساناً كالملك سعادةً لا تستبدل بشئ من متاع الدنيا الزائلة(11).
ثانياً : سجن آفيون : (المدرسة اليوسفية الثانية)
28/1/1948-20/9/1949
لقد عانى الأستاذ النورسي في سجن افيون معاناة تفوق بكثير عما كان عليه في سجن دنيزلي، بل ان يوماً من سجن افيون يفوق شهراً من سجن دنيزلي من العذاب، إذ قاسى من اثر التسميم ما قاسى حتى انقطع عن تناول الغذاء لأيام عدة، وكان وحيداً في ردهة كبيرة تسع ستين شخصاً في جو شديد البرد، ولم يسمحوا لأحد ان يخدمه او يعاونه وهو الشيخ الكبير. انهم كانوا ينتظرون اجله على هذه الصورة(12).
وانقطعت وسائل الاتصال مع آفيون بسبب الشتاء والثلوج، وتوقف تسيير القطار. وانقطع أيضاً إيصال الوقود والمواد الغذائية إلى المدينة مدة 15-20 يوماً، وتجمدت المياه. والزجاج في شبابيك ردهة الأستاذ متكسرة .(13) .
يذكر بايرام يوكسل:
كانت كتابة رسائل النور والانشغال بها شغلنا الشاغل مع اخواننا من طلاب رسائل النور في السجن. فعندما كنا نقترب من ردهة الأستاذ في السجن نسمع صوتاً كدوي النحل يترنم ليلاً ونهاراً. انها اصوات الاذكار والتسبيحات والدعاء والصلاة للاستاذ. كنا نراقب اعمال الأستاذ عن كثب، ففي اوقات متأخرة من الليل كنا نرقب ردهته واذا بمصباحه الخافت مضاء والأستاذ منشغل بالأذكار والادعية.
وفي هذه الفترة التي كنا نعيشها في سجن - افيون - ألف أحد «الشعاعات» وهو الخامس عشر المسمى برسالة "الحجة الزهراء" وفي هذه الفترة (فترة التأليف) كنا نمر - من وقت لآخر - من تحت شباك ردهة الأستاذ، وما ان يرانا الأستاذ حتى يرمي لنا علب كبريت، كان يضع في داخلها قسماً مما الفه من هذه الرسالة. فنحن بدورنا نستنسخ هذه المقتطفات نسخاً عديدة .. هكذا ألفت رسالة "الحجة الزهراء" واستنسخت واحتفظت(14) .
ويروي طالب النور ابراهيم فاقازلي ذكرياته عن سجن آفيون :
توجد ست ردهات، وكان الأخوة طلبة النور موزعين عليها. كتبنا رسائل نطلب فيها (نكاد نتجمّد من البرودة، أستاذنا مريض ولا يستطيع تحمل الوضع. نريد إسعافنا بمدافئ وفحم وغاز...الخ) ولم نحصل على أية نتيجة. حتى إن الأهالي علموا بوخامة الوضع ويقولون: (سيتجّمد المسجونون من البرد الشديد) وبدأ رجالات بالأشغال الشاقة يفرغون أكياس الفحم في حديقة السجن تحت حراسة الجندرمة. وزعوا علبة على كل سجين. ولكنها بدون نفع. إذا لا توجد منقلة أو وسائل إشعال هذا الفحم الحجري.
ثم قام الأخ مصطفى عثمان بتخطيط شكل لمدفأة من الصفائح، وجلب واحدة له. وفي هذه الأثناء، أخذوا الأستاذ من القاعة الكبيرة ذات الشبابيك المتكسرة، ووضعوه في الردهة الخامسة. وكأنهم أشفقوا عليه. في حين أن تلك الردهة كانت مزدحمة باللصوص والمجرمين العاديين وقطاع الطرق. ذلك حتى يضيع ارتفاع أنين الأستاذ في هذه الزحمة واللغط العالي(15).
ألف الاستاذ النورسي في سجن آفيون رسالة (الحجة الزهراء) .
يقول الاستاذ النورسي : يبدو هذا الدرس ظاهراً رسالة صغيرة، الاّ انها في الحقيقة رسالة عظيمة وقوية وواسعة جداً. وهي فاكهة ايمانية وثمرة قرآنية فردوسية أينعت من حياتي التفكرية ومن اتحاد علم اليقين وعين اليقين في حياة النور المعنوية التحقيقية.
أما تأليفاته الأخرى فى سجن آفيون:
1- الرجاء الخامس عشر من اللمعة السادسة والعشرين "الشيوخ".
2- الشعاع الرابع عشر عبارة عن مكاتيب توجيهية الى طلابه العاملين، يبلغ عددها مئة وواحداً وتسعيٍن مكتوباً مع واحد وعشرين دفاعاً من الدفاعات.
3- المقام الثاني من الكلمة الثالثة عشرة، الذي هو عبارة عن قسم من مكاتيب سجن آفيون موجهة الى الشباب والى المسجونين والتي ضمت فيما بعد في « مرشد الشباب».
يبلغ مجموع صفحات تأليفات الأستاذ في سجن آفيون 500 خمسمائة صفحة، كما يبلغ مجموع صفحات تأليفاته جميعاً الى نهاية سجن آفيون خمسة آلاف صفحة(16).
سلوكيات مزعجة في السجن
إن الوضع داخل السجن لا يطاق من ناحية الازدحام الذي يؤدي إلى ظهور بعض السلوكيات المزعجة البعيدة كل البعد عن الإصلاح، ولا أحد بإمكانه إنكار مشاكل كثيرة ومتعددة ما زالت قائمة، مثل الاكتظاظ، سوء التغذية والمعاملات، ضعف الخدمات، انتشار المخدرات والرشوة، محدودية فرص التأهيل في اسجون والمعتقلات .
كما أجريت دراسة اجتماعية على العنف بين السجناء هدفت إلى التعرف إلى طبيعة العنف في السجن سواء من حيث انتشاره وأشكاله وأنماطه والأسباب المؤدية إليه وما يترتب عليه من أضرار. وبينت إن العنف في أغلبه يدور بين النزلاء ويكاد ينعدم بينهم والإدارة . أما عن أكثر أنماط العنف انتشاراً بين النزلاء السب والشتائم والضرب واستخدام الآلات الحادة وتشويه الذات . ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين هما:
(1) أسباب العنف المرتبطة بالسجن كبيئة مكانية وتتمثل في عدم توفر الشروط المعيشية والصحية الملائمة في السجن وعدم وجود أنشطة كافية لشغل أوقات الفراغ، وكذلك عدم وجود تسهيلات في الزيارة وأماكن مناسبة لها.
(2) أسباب مرتبطة بطبيعة الحياة الاجتماعية بين النزلاء في السجن وتتمثل في المعاملات المادية بين النزلاء، و سرقتهم لبعض متعلقات أقرانهم(17) .
وتجاه السلوكيات المزعجة في السجن وضع الاستاذ النورسي قواعد وتوجيهات تربوية لقطع السبل المؤدية اليها ، منها :
(1) الدعوة الى الصلح والمصالحة بين المسجونين :
يعتقد الاستاذ النورسي أنه لا حل لمعظم الخلافات والخصومات الناشبة بين الأهل والأقارب والمعارف إلا بالصلح والمصالحة بين الطرفين المتعادين، وهو سلم أمر به القرآن، ودعا إليه الحق، وفيه مصلحة للطرفين، وتقتضيه الإنسانية، ويحث عليه الرسول عليه السلام.
وأوضح النورسي تلك الضرورة الملحة للسلم والمسالمة من خلال المثال التالي:
« إن أحداً قد قتل شقيق شخص آخر أو أحد أقربائه، فهذا القتل الناجم من لذة غرور الانتقام التي لا تستغرق دقيقة واحدة تورثه مقاساة ملايين الدقائق من ضيق القلب وآلام السجن، وفي الوقت نفسه يظل أقرباء المقتول في قلق دائم وتحيّن الفرص لأخذ الثأر، كلما فكروا بالقاتل ورأوا ذويه، فتضيع منهم لذة العمر ومتعة الحياة، بما يكابدون من عذاب الخوف والقلق والحقد والغضب»(18).
إن الفعل الذي تأثر به في واقع الأمر شخص واحد هو المقتول، تتسع دائرة تأثيره لشناعته، فيتأذى منه أهل القاتل والقتيل على السواء، ولا راحة ولا اطمئنان ولا سلام ولا سكينة، إلا في الصلح الذي تدعو إليه الحقيقة، وتحث عليه مصلحة الجميع، فيقول النورسي في بيانه الأمرين معاً:
« لأن الأجل واحد لا يتغير، فذلك المقتول على كل حال ما كان سيظل على قيد الحياة ما دام أجله قد جاء، أما ذلك القاتل فقد أصبح وسيلة لذلك القضاء الإلهي، فإن لم يحل بينهما الصلح، فسيظلان يعانيان الخوف وعذاب الانتقام مدة مديدة، فإن لم يكن ذلك القتل قد نجم من عداء أصيل ومن حق دفين، وكان أحد المنافقين سبباً في إشعال الفتنة، فيلزم الصلح فوراً، لأنه لولا الصلح لعظمت تلك المصيبة الجزئية ودامت، بينما إذا تصالح الطرفان، وتاب القاتل عن ذنبه، واستمر على الدعاء للمقتول، فإن الطرفين يكسبان الكثير، حيث يدب الحب والتآلف بينهما، فيصفح هذا عن عدوه، ويعفو عنه واجداً أمامه أخوة أتقياء أبراراً بدلاً من شقيق واحد راحل، ويستسلمان معاً لقضاء اللّه وقدره »(19).
فالأستاذ النورسي يرى أن ضرورة الصلح نابعة من حقيقة إيمانية كبرى وهي أن من قتل إنما قتل بأجله، والتسليم بها كاف لأن يستل من قلوب الجميع كل عداء قد يتولد بينهم. بل قد ينقلبوا أحبة وأخوة يسود بينهم السلام والوئام، بدلاً عن الحقد والكراهية(20).
(2) المحبة بين المساجين :
كان الاستاذ النورسي يدعو المساجين الى التحابب وعدم التعدي على اصدقاءهم في السجن ويثير عندهم الحمية الدينية ليكونوا اخواناً متحابين يعفو الواحد عن الاخر ويبذل ما في وسعه الا يجرح شعوره ويكسر خاطره بمقتضى مصلحة الجميع(21) .
ولقد حصل هذا فعلاً بين مسجونين يعادي بعضهم بعضاً في سجن دنيزلي فاصبحوا بفضل الله أخوة متحابين بعد ان تلقوا دروساً من رسائل النور، بل غدوا سبباً من أسباب براءة الاستاذ وطلابه ، حتى لم يجد الملحدون والسفهاء من الناس بداً أمام هذا التحابب الاخروي، فقالوا مضطرين: ما شاء الله.. بارك الله!! وهكذا انشرحت صدور السجناء جميعاً وتنفسوا الصعداء بفضل الله(22).
(3) الثنائية والتفرقة :
يدعو الاستاذ الى عدم الافساح الى الثنائية والتفرقة بي المساجين ، ويقول :
فلا تفسحوا يا اخوتي المجال - قدر المستطاع - الى الثنائية والتفرقة، لئلا يضاف شئ آخر الى ضيق السجن وضجره. وليكن المسجونون ايضاً اخوة متحابين كطلاب النور ولا يهجرنّ بعضهم بعضاً (23).
(4) توجيه الانظار الى الآخرة :
نظراً لتكدر حياة المساجين الدنيوية بالآلام والاحزان والمصائب فان الاستاذ يخاطب المبتلين بمصيبة السجن :
ما دامت دنياكم حزينة باكية، وان حياتكم قد تعكرت بالآلام والمصائب، فابذلوا ما في وسعكم كيلا تبكي آخرتكم، ولتفرح وتحلو وتسعد حياتكم الأبدية. فاغتنموا يا اخوتي هذه الفرصة، اذ كما ان مرابطة ساعة واحدة أمام العدو ضمن ظروف شاقة يمكن ان تتحول الى سنة من العبادة، فان كل ساعة من ساعاتكم التي تقاسونها في السجن تتحول الى ساعات كثيرة هناك اذا ما أديتم الفرائض، وعندها تتحول المشقات والمصاعب الى رحمات وغفران(24).
ونتيجة ذلك طلب المساجين من الاستاذ النورسي ان يعلمهم الاخرة ، لما حصل لديهم من الاطمئنان الايماني والقناعة التامة بعد اطلاعهم على المسألة السادسة «عرّفنا بخالقنا» فبادروا بالقول : «علمنا آخرتنا ايضاً علما كاملا، لا تضلّنا بعده انفسُنا وشياطين العصر، فتلقي بنا الى مثل هذه السجون !». ونزولاً عند طلب هؤلاء واسعافاً لحاجة طلبة رسائل النور في سجن "دنيزلي" وللرغبة الملحة من اولئك الذين طالعوا "المسألة السادسة"، فقد رأيت لزاماً علىّ أن ابين خلاصة موجزة عن الركن الايماني المهم: "الآخرة" (25).
ان التعلق بالحشر يعطي لكل يوم من حياتك معنى وقيمة لا يمكن كسبها خارج التصوّر التوحيدي للكون والحياة، ذلك أنّه يجعل «كلّ يوم من أيام العمر بما فيها التي تمضي في السجن، مكسبا لثواب عبادة عشرة أيام، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية - من حيث النتيجة - إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وسيلة نجاة من سجن أبدي لملايين السنين »، فتحوّلت الساعات الفانية إلى ساعات باقية بفعل استصحاب الآخرة في مزاولة الأفعال بصفة عامة ومنها المكوث في السجن(26).
يذكر حسن زعيم اوغلو ذكرياته عن عمه الذي سُجن في سجن آفيون فيقول :
إن جميع المجرمين والقتلة والجناة في السجن، أُصلِحَ شأنهم واستقاموا نتيجة سماعهم لإرشادات بديع الزمان ودروسهِ. لقد تحولت السجون بفضل أنواره إلى إصلاحيات(27).
ويذكر طالب النور( ابراهيم فاقازلي):
عندما دخلت رسائل النور الى سجن "دنيزلي" كان تأثيرها في المسجونين ايجابياً جداً، ولايزال هذا التأثير الايجابي احاديث الناس. وكذلك عندما دخلت الى سجن "افيون" رأيت كل سجين اتحدث معه يدعو لطلاب النور بالخير ويذكر لي الفرق الكبير بين احوالهم السابقة واحوالهم الحالية. . هذه حقائق ملموسة وموجودة امام جميع الانظار(28).
ويقول الاستاذ النورسي:
إن مئات المساجين المحكومين في سجن "دنيزلي" – منهم من عوقبوا بعقوبات شديدة - قد اصبحوا متدينين ذوي أخلاق فاضلة بعد قراءتـهم رسالة "الثمرة" وحدها، حتى الذين قتلوا ثلاثة أشخاص صاروا يتحاشون عن قتل بقة الفراش بعد قراءتـهم لتلك الرسالة. مما دفع هذا الوضع مدير السجن على الإقرار بان السجن اصبح في حكم مدرسة تربوية.. كل هذا حجة قوية لا تجرح لصدق مدعانا(29).
(5) توجيه الانظار الى القدر الالهي
يوجه الاستاذ النورسي انظار المسجونين الى ان للقدر الإلهي - الذي هو عدل محض - حصةً عظيمةً جداً في دخول السجن . وان للحكمة الربانية ورحمتها حظاً وافراً ايضاً كفتح طريق النور والهداية الى قلوب المساجين وبث السلوان والأمل فيهم، ومن ثم احراز الثواب لهم .
لذا فعلى المسجونين تقديم آلاف الحمد والشكر لله - من خلال الصبر - تجاه هذا الحظ العظيم.
وكذا فان للنفس الانسانية ايضاً حصتها حيث ان لها ما لا تعرف من التقصيرات.. فينبغي مقابلة هذه الحصة ايضاً بالاستغفار والتوبة والانابة الى الله وتأنيب النفس بأنها مستحقة لهذه الصفعة.
وكذا فان بعض الموظفين السذج والجبناء المنخدعين الذين يساقون الى ذلك الظلم بدسائس الاعداء المتسترين منهم حصة ايضاً ونصيب.
أما الحصة الاخيرة فهي لأولئك الموظفين الذين هم وسائط فعلية. ولكن لكونهم منتفعين حتماً من جهة الإيمان - سواء أرادوا أم لم يريدوا - عند نظرهم الى رسائل النور وقراءتهم لها بنيّة النقد او الجرح، فان العفو والتجاوز عنهم وفق دستور:
{ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس } (آل عمران:134) هو شهامة ونجابة(30).
مهتدون من وراء القضبان :
يقول سلطان الشعراء نجيب فاضل في رسالة من السجن الى ولده محمد :
هذه السجون كأرحام الامهات = فيها يلد النور من الظلمات(31)
لقد باشر الاستاذ النورسي بين الجدران ووراء القضبان دروسه التربوية والتوجيهية ، واستمر في نشر رسائل النور بين المسجونين من المجرمين والقتلة والجانحين وغلاظ القلوب ، حتى تاب اكثر من مائتي سجين وتحلّوا بالطاعة والصلاح، وذلك في غضون ثلاثة أشهر أو تزيد بعد ان دخل طلاب النور ورسالة «الثمرة» التي كتبت للمسجونين في سجن دنيزلي .
لقد اعلن جميع السجناء المحكوم عليهم بجرائم كبرى التوبة نادمين على ما فعلوه من جرائم ولم يمضِ غير مدة قصيرة من وجود الأستاذ في السجن، حتى بدأوا بالتطهر وأداء فريضة الصلاة في أوقاتها الخمس.
والاستاذ النورسي تحدوه في ذلك روح الاصلاح والغيرة للكرامة الانسانية المكلومة، ويحفزه وازع الثأر للنفس البشرية المبتلاة، والعمل على إعادة العزة إليها.. وتلك حال أخرى من التحدي الذي سار عليه ، فهمَّة التغيير نحو الأصلح هي التي تحدوه إلى تفعيل فلسفته الإصلاحية أينما حل(32).
ولقد قرر مدراء السجون في عدة ولايات: سنجعل السجون مدارس نورية، لإصلاح المساجين كما صلحوا في سجن «دنيزلي» و«آفيون»(33) .
يقول الاستاذ النورسي:
فليشاهد مسؤولو السجن ومن يتولون امره، أن من ظنوهم مجرمين قتلة، وحسبوهم سفهاء مخلين بالنظام، قد اصبحوا طلاب مدرسة تربوية مباركة يتعلمون فيها الادب الجميل والخلق القويم وغدوا أعضاء نافعين للبلاد والعباد.. فليشكروا ربهم اجزل شكر(34) .
ونذكر من هؤلاء المهتدين :
(1)طاهر القصاب : شقي ومن المجرمين في آفيون. ضخم الجثة يتطاير الشر من نظراته ومن أهل البلايا والجرائم. يخشاه أهالي آفيون ويتجنّبونه خوفاً من شروره وأذاه. دعي بلقب (القصاب) لأنه ذبح الشخص الذي تحرش بزوجته. أوقف لعدة جرائم، وحُكم عليه بالإعدام. كان ينتظر جواب محكمة التمييز. كان مطوقاً ومربوطاً بالسلاسل الحديدية من عنقه ويديه ورجليه. يخرج بهذه الهيئة إلى دورات التنفس في الفناء. يقيم في الردهة الرابعة حيث يبسط سلطانه عليها.
زار الأستاذ في أحد المرات. خاطبه الأستاذ قائلاً: ( باشر بإقامة الصلوات وسوف أدعو لك. سوف تنجو إن شاء الله.). بدأ طاهر القصاب بإقامة الصلوات بعد ذلك مباشرة.
وبفضل دروس وتعاليم (النور)، صلحَ أمره في مدة قصيرة. أصبح إنساناً رزيناً لا يؤذي أحداً. كان يشارك طلبة النور في مأكلهم، ويبدي نحوهم الاحترام والتقدير. حتى إنه بدأ بالقيام بخدمة الأخوة طاهري ورأفت. يُعدُّ لهم الطعام ويشاركهم فيه. يخصص أفضل الأماكن للذين يقيمون الصلوات. احتار الناس من تغيّر حاله وتعجّبوا. ولاحقاً وبعد صدور قرار العفو العام خرج طاهر القصاب من السجن عام 1950. يقول في فرحٍ (إن إنقاذي هو من كرامات الأستاذ!) (35).
(2)سليمان خونكار :
يقول سليمان خونكار :
ولدت في قرية «بكلربكي» التابعة لقضاء صاري كوي في ولاية دنيزلي عام 1919.
في عام 1938 تسببت في جرح أحد لأسباب عائلية . وأثناء استمرار المحاكمة حصلت أمور كثيرة وعراك بين المساجين. وكنت أحاول فض أي خلاف بين أثنين بسبب ما يدفعني ضميري إليه. وكانوا لا يقبلون تدخلي بل ويعتدون علي أيضا. كنت أحمل سكينة معي، وتسببت في جرح رجلي شخص ما. وحكم عليَّ بسبعة أشهر، وأصبحت مدة محكوميتي مع السابقة ثلاثة أعوام وثمانية أشهر. ثم حاولوا بالاتفاق مع بعض المجرمين قتلي، ولكنهم لم يفلحوا. وفي أثناء إحدى المعارك سقط أحدهم قتيلاً بضربة سكين. حكم علينا بثمانية عشر عاماً. وأصبح مجموع محكومياتي 21 سنة و8 أشهر و 8 أيام. أبقوني في سجن دنيزلي، ثم نفيت إلى جوروم.
قبل مجيئ الاستاذ جاء معاون الادعاء ومدير السجن والطبيب ورئيس الحراس، وقالوا: (سيأتي أحد البكتاشيين من الشرق. لن يتكلم أحد معه. سنقوم بتعذيب وضرب من يتجرأ على التحدث معه). ثم جاء الأستاذ.
تقابلنا أولا في ميدان (قراني) ذلك المكان الذي يقع بين ثلاثة أقسام.جلس هناك على كرسي. رحبنا به (أهلا بك يا أستاذ. وسألته إن كان يشرب شاياً أو قهوة).
قال:( لا أشرب القهوة)، وأحضرنا له الشاي حالاً. ثم أبقوه مدة يومين أو ثلاثة في منطقة المراحيض. ثم نقلوه إلى مكان منفرد وخصصوا له فراشا. كانوا ينوون منعنا من التماس مع الأستاذ أو التحدث إليه.
وضعوه في القسم المنفرد. هي غرف صغيرة لشخص واحد، يضعون فيه من يقوم بأعمال مخالفة. لقد وضعوا الأستاذ هناك. عندما تغلق الأبواب لم يكن يتسنى لأحد من الإداريين مراقبتنا أو مشاهدتنا. بدأ أحدنا يساعد الآخر ويرفعه إلى حافة الشباك، وهناك كنا نقبل يده واحداً تلو الآخر. ونسأل عن أوضاعه وأحواله. هنا خاطبنا حضرة الأستاذ: (إخوتي. لئلا يصيبكم ضرر من جرائي، وأكون أنا السبب في وقوع الأذى والتحقير والتوبيخ عليكم.).
كان جوابنا له: (كلا يا أستاذ. أنت لا تقلق من جانبك. نحن لا نخشى، ونرضى بكل ما يواجهنا). حدث هذا بعد دخول الأستاذ إلى السجن بحوالي يومين أو ثلاثة. كنا نصعد أحدنا على كتف الآخر لنصل إليه ولأن الشباك لم يكن باستطاعة فرد لوحده الصعود إليه. ثم جاءنا أساتذة آخرون من إسبارطة.
وعندما ألقوا حضرة الأستاذ في السجن، حدث زلزال في أطراف قسطموني، محدثاً تخريباً ومآسي. الأخوة صادق بك طاش كوبرولو ومحمد فيضي أفندي وأمين الجايجي والحافظ توفيق جاءوا سوية. كنا نستقبلهم. وكان الأستاذ يلقي عليهم أوامره قائلا: (إذا احتجتم إلى شيء اسألوا سليمان خونكار).
أنا إنسان غير سوي. بينما كان هناك من يصلون الأوقات الخمسة من الأئمة والحجاج والأساتذة. لم يذكر كل هؤلاء، ولكنه قال: (أذهبوا أنتم إلى سليمان). أوصاني بكل طلبته، وكانوا حوالي 65-70 شخصاً مع جماعة إسبارطة قائلاً لهم: (أذهبوا إلى سليمان إذا ما احتجتم إلى أي شيء فهو الذي يؤمنها لكم.)
ولم أكن أعرف في نفسي مثل هذه القدرة والقوة. كنا ثلاثة باسم سليمان. الحافظ من دنيزلي والآخر من (تيرة) وكان يؤدي الصلوات الخمس، غير أن الأستاذ كان يخصني من بينهم ويقول: (سليمان الذي من بكلربكي). وتبين أن الآخرين كانا يتكلمان مع الأستاذ، ومع الإدارة أيضاً. لم يكن عندي مثل هذه العادة. ارتبطنا بالأستاذ كما نحن. ثم نظفت وأحضرت إحدى الردهات للسجناء.
قلت للأصدقاء: (لنضع الضيوف في مكان آخر لئلا ينزعجوا. لذا قمنا بالتنظيف ووضعناهم هناك. وكان عندي خصوم، ولكنهم لم يتحركوا. كنت أتجول بينهم دون أن أحمل سكينا.
ثم أخذوا الأستاذ إلى ردهة في قسم الأحداث. أرسل لي من هناك عدة رسائل. لم أكن حينها أقيم الصلوات. كنت مشغولاً بلعب القمار والاعتداء على من حولي. وعندما جاء الأستاذ، أصبحنا لا نفترق عن الطريق المستقيم. ورغم ذلك كنا أحيانا نخرج عنه.
وبعد أن بدأنا بالصلاة، أغلقنا أبواب الشر مثل القمار. بينما كنت في تلك الأيام –سنة 1943- أربح من القمار ألف ليرة أحياناً. وكنا نوزع المبالغ بأجمعها على الفقراء والمحتاجين داخل السجن. وهكذا كنا ندير شؤونهم.
لم أكن أؤدي الصلوات قبل مجيئ الاساتذة (طلاب النور) من قسطموني واسطنبول ، أو أصلي على فترات متقطعة. وبعد مجيئهم، لم أتركها أبدا. لم أكن أتحرك بدون وضوء. حتى بعد صلاة العشاء، كنت أتوضأ قبل الذهاب إلى النوم. علمني الأستاذ محمد أفندي كوننلي قراءة القرآن. ولكنني لم أتقنها، لأنني انشغلت بأمور عديدة أخرى. أذهب لقضاء الأشغال في السجن، الواحدة بعد الأخرى. تعلمت الصلاة منهم، وصلينا الجماعة معاً.
إن «رسالة الثمرة» التي كتبها الأستاذ كانت ثمرة يوم الجمعة، لأن الأستاذ دخل سجن دنيزلي يوم الجمعة. وهكذا أيضاً سماها الأستاذ.
قال لنا الاستاذ: (يا أخوتي سيأتيكم الخلاص).
في يوم إطلاق سراح الأستاذ، كنت خارجا من الإدارة، وذهبت إليه. اعترضني الحراس. حينها قال: (أنتم أيضاً يا أخوتي سيأتيكم الخلاص والفرج قريباً). ثم قال (طلبة النور يفتحون الأبواب في الأول). (يحاول حزب الشعب الجمهوري إصدار العفو العام، ولكن ذلك لن يكون من نصيبهم). كنت حينها في السنة الأولى من محكوميتي.
لم يكن أحد يتدخل في شؤون طلبة النور أثناء وجودي، كان الجميع يسمعون كلامي وأوامري. ولم يكن أحد يستطيع الوقوف أمام رسائل النور. كانوا يخشون عقوبتي لهم، حتى إنهم كانوا يتكلمون همساً.
كان من بين المحكومين من حكم عليه بالمؤبد وسنين مختلفة وحتى الإعدام. كانوا يسمعون عندما تقرأ رسائل النور، ويقيمون الصلوات.
خرج الأستاذ مرة إلى الحديقة، وكان محمد أفندي كوننلي يتلو القرآن. وضعوا كرسياً ليجلس عليه الأستاذ. صعدت أنا إلى الشباك. عند ذلك قال الأستاذ: (لم يأت سليمان لزيارتنا. نحن ذهبنا إليه. إن الذي أتى بنا إلى هنا هو سليمان.)(36).
(3)أحمد جوبانلرلي :
يقول «بايرام يوكسل» احد طلاب النور :
من بين السجناء، كان المدعو أحمد جوبانلرلي يقوم بتأمين الحطب والوقود والماء إلى الأستاذ. وأهدى له زوجاً من الجوارب وطعاما. يفكر الأخ مصطفى عثمان في دواخل نفسه: (ترى هل يتقبل الأستاذ هدية من مثل هذا الشخص؟)، ثم يشاهد الأستاذ وهو يمد يده إلى الطعام ويتناول منه لقمة ويذكر اسم الله عليها. هنا يبادر السيد أحمد قائلا: ( شاهدوا كيف يقبل الأستاذ هديتي ويأكل منها بينما يمتنع من قبول هداياكم. حياتي فداء للأستاذ..). واستمر في خدمة الأستاذ طويلا.
هؤلاء أيضا أمثال طاهر القصاب، يحترمون الأستاذ كثيرا، ويقومون بخدمته، ويدخلون عليه بينما يخشى غيرهم من الاقتراب منه، وبالخاصة السيد أحمد هذا الذي لم يكن يخاف أو يخشى من إدارة السجن.
كانت رسائل النور سببا في إصلاح العديد من السجناء، خرجوا وهم على أحسن الأحوال. كان يكفيهم مجرد رؤية الأستاذ أو السماع منه لكي تتبدل أحوالهم ويبدأون بأداء الصلاة (37).
كان الموظفون المسؤولون ينظرون الى هذا الوضع بحيرة واعجاب، حتى صرّح بعض الشباب قبل ان يستلموا قرار المحكمة: «اذا لبث طلاب النور في السجن فسنحكم على انفسنا وندينها لنظل معهم ونتتلمذ عليهم ونصلح انفسنا بارشاداتهم لنكون امثالهم»(38).
(4) المدعو محمد
يروي صلاح الدين جلبي :
إن جميع السجناء المحكومين بجرائم كبرى والمقيمين في جوارنا، بدأوا يختمون القرآن بفضل توجيه طلبة النور لهم. حتى إن أحد المجرمين المعروفين -وهو المدعو محمد الذي سجن لقتله أربعة أشخاص- ختم تلاوة القرآن وحفظ السُور ابتداءً من سورة (الضحى) وما بعدها ونجح في الامتحان، وأصبح إماماً للسجناء يؤمّهم في الصلاة بفضل الدروس الدينية التي تلقاها من العالم الفاضل وصاحب التقوى المعروف في مدينة اسطنبول، الإمام محمد أفندي كوننلي. لقد كنتُ شاهداً على ذلك وبأمّ عيني.
بدأ جميع السجناء يروون رؤاهم بعد مدة ليست بالطويلة، وهم يذرفون دموع الندم والحسرة على ما فعلوه وارتكبوه. (لم نكن نعرف الله أو الرسول، وبفضل الأستاذ وأنتم عرفنا السبيل القويم، نحن نشكركم آلاف المرات على هذا الفضل) كانوا يرددون مثل هذا القول. وحينما بُرّأت ساحتُنا وخرجنا من السجن، تألموا كثيراً وبكوا حزناً. ثم وجه لهم الأستاذ خطاباً قال فيه: (لا تحزنوا، ستأتي حكومة جديدة، وحينها سيُعلن العفو العام وستخرجون من السجن)(39).
ما أعطاه المدارس اليوسفية من حكم وفوائد لخدمة النور:
يقول الاستاذ النورسي في استهلال رسالة «الثمرة» :
ان يوسف (عليه السلام) هو قدوة المسجونين ورائدهم. فيصبح السجن اذاً نوعاً من "مدرسة يوسفية". وحيث ان عدداً غفيراً من طلاب النور قد دخلوا هذه المدرسة مرتين، لذا ينبغي لهم ان يتدارسوا ويدرّسوا قسماً من خلاصة المسائل الايمانية التي اثبتتها رسائل النور ولها مساس بالسجن، للاسترشاد بها ولتقويم الاخلاق والسلوك في هذه المدرسة المفتوحة لتلقي التربية(40).
«وبنفس الروح، ومن نفس الرؤية نجد النورسي ينظر إلى السجن على أنه "مدرسة يوسفية" لا يكون نزيلها إلا على موعد مع الفلاح الإلهي والدنيوي، تماما كما كان سيدنا يوسف عليه السلام على موعد مع كرامة ربه ورحمته. من هنا ألفينا النورسي يشيع تلك الروح الاستبشارية التي ساكن بها السجن، إذ ظل يطابق بين أحواله وأحوال أتباعه من المساجين وبين حال يوسف عليه السلام. وكان ذلك يخفف من العناء، بل ويجدد الإيمان. وكانت نتائج تلك المصابرة الإيمانية باهرة، لأنها مكنت للدعوة القرآنية من أن تعم الآفاق، وأثبتت للنورسي وطلابه الطلائعيين الأجر والخلود(41).
ويذكر الاستاذ النورسي الحكم والفوائد المهمة لخدمة النور في دخول المدرسة اليوسيفية :
(1)اجتماع طلاب النور في هذا الوقت دون ان يتضرر منهم احد انّما يكون في ((المدرسة اليوسفية)). حيث ان اللقاء فيما بينهم في الخارج قد يثير الشبهة ويحتاج الى مصاريف، اذ كان بعضهم ينفق حوالي خمسين ليرة لاجل لقائي مدة لاتزيد عن عشرين دقيقة، او كان يرجع دون أن يتمكن من مقابلتي. لذا فأنا اتحمل ضيق السجن بل أتقبله مسروراً لاجل اللقاء عن قرب مع بعض اخوتي الاوفياء، فالسجن بالنسبة لنا اذن نعمة ورحمة.
(2)انه لابّد من الاعلان والتبليغ في كل جهة في وقتنا هذا عن خدمة الإيمان برسائل النور، ولفت أنظار المحتاجين اليها في كل مكان. فدخولنا السجون يلفت الانظار الى الرسائل، فيكون اذن بمثابة اعلان عنها، فيجدها اعتى المعاندين والمحتاجين فتكسر بها شوكة عنادهم وينقذون بها ايمانهم، وينجون من المهالك، وتتوسع دائرة مدارس النور.
(3)ان طلاب النور الذين دخلوا السجن يتعرف كل منهم على احوال الآخر، ويتعلم كل منهم من الآخر السجايا الحميدة والاخلاص والتضحية، فلا يبالون بعدئذٍ بالمنافع الدنيوية في الخدمة النورية. نعم انهم يوفقون بالظفر بالإخلاص الكامل لما يجدون ويرون من أمارات كثيرة تدل على ان كل ضيق ومشقة في المدرسة اليوسفية لها عشرة اضعافها من الفوائد المعنوية والمادية، ومن النتائج اللطيفة، ومن الخدمات الواسعة الخالصة للإيمان، بل قد تصل الى مائة صعف، وعندئذٍ لا يتنازلون لكسب المنافع الخاصة الجزئية (42).
دروس عملية من الاستاذ
علاوة على الرسائل والتوجيهات والنصائح التي يسديها الاستاذ الى المساجين ومسؤولي السجون والزائرين فان له دروس عملية في التوجيه :
(1)يخاطب المسجونين فيقول :
فها أنتم اولاء ترون الحراس الذين يحرصون على القيام بخدماتكم يعانون الكثير من المشقات في التفتيش، بل حتى انهم يفتشون طعامكم لئلا تكون فيه آلة جارحة، ليحولوا دون تجاوز بعضكم على بعض، وكأنكم وحوش مفترسة يقضي الواحد على الآخر ليقتله، فضلاً عن انكم لا تستمتعون بالفرص التي تتاح لكم للتفسح والراحة خوفاً من نشوب العراك فيما بينكم(43).
(2)يقول الاستاذ :
فهذا الدرس البليغ - من رسائل النور - ينبغي ان يرتاح اليه مسؤولو السجن وكل مَن يعنيه امر البلاد وشؤونها. لانه قد ثبت بالتجربة ان ادارة ألف من المؤمنين المشفقين من عذاب سجن جهنم والمستجيرين بالله منها، هي اسهل بكثير من ادارة عشرة من تاركي الصلاة، ومن فاسدي العقيدة والاخلاق، الذين لا يرتدعون الا بعقاب الدنيا وسجنها ولا يميزون الحلال عن الحرام(44).
(3)يقول المحامي كمال طان أر :
«كنت طالباً في الصف المنتهي بكلية الحقوق، كان علينا أن نـزور المحاكم والسجون. ذهبت إلى سجن "اسكي شهر" يوماً لزيارة الأستاذ ، وعندما دخلت عليه رأيته جالساً على سجادته منشغلاً بالأوراد عقب الصلاة قبلت يده وقلت له:
- أستاذي، يقال انه يظهر على يديكم كثير من الكرامات الغيبية، بيد أنى لم أر أياً من الأحوال الخارقة منكم، فإن كانت تلك الأحوال موجودة فعلاً، فأظهروها أمامي، ولتمش مسبحتكم هذه مثلاً.
تبسم الأستاذ، وذكر لي هذه الحكاية ليوضح الأمر:
- كان لأحدهم ولد يحبه كثيراً، فهو وحيده، أخذه - ذات يوم - إلى محل المجوهرات ليشتري له بعض الهدايا الثمينة من الألماس والجواهر حسب رغبة ابنه المحبوب، تعبيراً عن شدة حبه له. وكان قد زين صاحب المحل محله بنفاخات ملونة متنوعة على سقف المحل ليلفت نظر الزبائن. وعندما دخل الطفل هذا المحل المزين بالنفاخات لفتت نظره ألوانها الجذابة، فقال باكياً:
- أبى! أريد أن تشتري لي من هذه النفاخات .. أريد النفاخات..
- يا صغيري الحبيب، سأشتري لك مجوهرات ثمينة وألماسات غالية. ولكن الطفل ألحّ في طلب النفاخات..
وبعد أن أنهى الأستاذ هذا المثال قال:
- أخي أنا لست إلا دلاّلا في محل جواهر القرآن الكريم وخادماً فيه، ولست ببائع نفاخات ملونة، فلا أبيع في محلي نفاخات وليس في محلي وسوقي إلا الألماس الخالد للقرآن الكريم، فأنا منشغل يا أخي بإعلان نور القرآن.
ففهمت ما يقصده الأستاذ وأدركت خطأي»(45).
(4)حادثة رفع العلم :
يقول الاستاذ نجم الدين شاهينر :
ومن خلال أبحاثنا، توصلنا إلى حادثة غريبة، وهي عندما قام مدير السجن محمد قايهان برفع العلم في ردهة الأستاذ بديع الزمان في يوم عيد إعلان الجمهورية. كان ما يتوقعه وما يريده مدير السجن ويأمله، قيام الأستاذ بتمزيق العلم وإنزاله ورفض رفعه في ردهته.
ونسوا أن بديع الزمان هو ذلك الإنسان الذي حارب من أجل الهلال الذي على ذلك العلم في جبهة القفقاس ووديان بتليس مضحياً في سبيله بالعديد من أنصاره من المجاهدين وطلبتهِ, وأريق دمُه فداءً لذلك الهلال المقدس وبكل حبٍ واندفاع.
لنسمع من بديع الزمان موقفه من قيام مدير السجن برفع العلم في ردهته:
(السيد المدير، إنني أشكركم لقيامكم برفع علم الاستقلال في الردهة التي أُقيم فيها. إن قيامي بطبع ونشر كتابي الخطوات الستّ في أيام المقاومة الوطنية في اسطنبول ربما خدمت بقدر فرقة عسكرية كاملة، على أثرها عرفت أنقرة هذه الحقيقة وأرسل مصطفى كمال يطلبني بالشفرة ولمرتين للحضور إلى أنقرة لتكريمي. حتى إنه قال: (هذا عالم الدين البطل نحن بحاجة إليه).
يظهر أنني أستحق رفع العلم هذا في هذا اليوم)(46).
السياسية الانضباطية للاستاذ النورسي في السجن
واتبع الاستاذ النورسي سياسة انضباطية في سجني دنيزلي وآفيون أصقل بها أرواح طلابه، منها(47) :
(1)الاخذ بالحذر الشديد .
(2)عدم ابداء القلق والاضطراب .
(3)انتظار العناية الربانية بالتوكل .
(4) الصبر والمصابرة .
(5)الا يتفوّهوا بكلام جارح يمس شعورهم .
(6) مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل .
(7) بث السلوان والعزاء الذي تحمله رسائل النور الى السجناء .
(8) تخفيف مضايقات السجن عن المسجونين بحقائق الايمان .
(9)صون المسجونين .
(10) اعلموا يا اخوتي! ان أهم اساس لقوتنا ونقطة استنادنا هي: التساند. واياكم النظر الى تقصيرات بعضكم البعض، مما يولده الانفعال في الاعصاب من جراء هذه المصائب.
(11)ان الوضع الحاضر كله جدّ لا هزل فيه ، وانكم تحت العناية الالهية .
(12)ضبط النفس .
(13)الاخذ بالحذر.
(14)الاستمرار على الصبر والشكر .
(15)الحفاظ على الرابطة فيما بينكم .
(16)الحذر من الانانية والغرور والمزاحمة .
(17)تحويل شكل المصيبة الى نوع من مشهد عناية ربانية معنوية .
(18)الحيلولة دون حدوث التفرقة والثنائية .
(19) ابداء التضحية وترك الانانية والتواضع قدر الامكان .
(20) عدم تضييع الوقت في الجدل والنقاش الفارغ .
(21) التواضع التام والعزة الكاملة في نكران الذات وخصال البطولة والريادة .
(22) اطفاء اثار الغضب الناشىء من توتر الاعصاب والانقباض المستولي على النفوس مناقشات حادة .
(23) غض الطرف عن نقائص بعضكم البعض الاخر وسترها .
(24) التعامل بالمحبة والصفح فيما بينهم .
(25) ازالة الضجر والسآمة بمعاونة بعض البعض الاخر في السراء وبث السلوان .
(26) مراقبة النفس لئلا تخدع النفس الامارة بالسوء من زاوية قياس الآخرين بالنفس، ومن حيث سوء الظن بالاخرين .
(27) الحفاظ على كمال المتانة وضبط النفس والتوكل على الله عز وجل وترك الامر الى عنايته سبحانه.
(28) الرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقدره والسلوان العظيم السامي النابع من العمل للايمان والقرآن والنور.
(29)ان ألزم ما ينبغي لنا عمله هو عدم القلق والاضطراب، وعدم اليأس، واسناد كل منا الآخر وامداد روحه المعنوية، وعدم الخوف، واستقبال هذه المصيبة بالتوكل.
(30) ليكن كلٌ منكم مسلياً لكلٍ من اولئك المساجين، وقدوة حسنة له في الصبر والاخلاق، وأخاً شفيقاً عليه في التساند واللطف، ومخاطباً ذكياً ومجيباً عن اسئلته اثناء الدرس الايماني، ومرآة صافية لانعكاس السجايا الفاضلة.. وعندئذٍ تجدون المضايقات قد ولّت واضمحل السأم وتلاشى الضجر.
الهوامش
(1)شاهينر،نجم الدين : الشهود الاواخر (شهادات ومشاهدات عن بديع الزمان سعيد النورسي،دار سوزلر للنشر، القاهرة،2012، ج 2 ص 58 .
(2)بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات،اللمعة السادسة والعشرون، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر ، القاهرة ،2008 .
(3)الصالحي،احسان قاسم:سيرة ذاتية لبديع الزمان سعيد النورسي،دار النيل للطباعة،القاهرة،2008، ص357 .
(4)شاهينر،الشهود الاواخر ،ج2 ص307.
(5) بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات،اللمعة السادسة والعشرون .
(6)Şahiner,Necmeddin: Bilinmiyen Taraflariyle Bediüzzaman Said Nursi,7baskı,Yeni Asya Yayınları,İstanbul,1988,S325.
(7) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الثالث عشر ، ترجمة احسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر ، القاهرة ،2008 .
(8) العفاني،سيد حسين :زهرة البساتين في مواقف العلماء الربانيين ،دار العفاني ، القاهرة ، ج2 ص 595 .
(9) الصالحي ، سيرة ذاتية ، ص359 .
(10)الانصاري، فريد: اخر الفرسان،دار النيل للطباعة والنشر ، القاهرة 2010 ، ص196 .
(11) الصالحي ، سيرة ذاتية ، ص39 .
(12) الصالحي ، سيرة ذاتية ، ص416 .
Emre Eren : Beiuzzzamanin Hayati , S.96. (13)
(14) الصالحي ، سيرة ذاتية ، ص465-466 .
Emre Eren : Beiuzzzamanin Hayati , S.96. (15)
(16) الصالحي ، سيرة ذاتية ، ص465 .
(17) ناجي محمد سليم هلال، العنف في السجن: دراسة اجتماعية على عينة من السجناء، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، المجلد 18، العدد 36.
(18) بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ص 169.
(19) بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، ص 169-170.
(20) الشفيع الماحي احمد :الأمثال في رسائل النور ،دار سوزلر، اسطنبول ، ص214 .
(21) بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات ، الكلمة الثالثة عشرة .
(22) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
(23) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص547.
(24) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر، ص524.
(25) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الحادي عشر .
(26)عمار جيدل ، مقاصد رسائل النور ، دار سوزلر ،استانبول ، ص 182 .
(27)شاهينر، الشهود الاواخر ، ج 2 / ص 300 .
(28) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر.
(29) بديع الزمان سعيد النورسي، الملاحق - ملحق اميرداغ 1/230 .
(30) بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات ، اللمعة السادسة والعشرون .
(31) رابطة ادباء الشام ، http://www.odabasham.net
(32) عشراتي سليمان : المعنى القراني في رسائل النور ،ص 100.
(33) بديع الزمان سعيد النورسي، الملاحق - ملحق أميرداغ/ 2 ، ص 343 .
(34) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات ،الشعاع الحادي عشر ،ص 246 .
(35)Emre Eren : Beiuzzzamanin Hayati , S.96 & Aymaz ,Abdullah:Hizmet Rehberi Üzerine (Metin ve Açıklama),S.309.
(36) شاهينر،الشهود الاواخر ،ج2 ص232-240 (بتصرف).
Aymaz, :Hizmet Rehberi Üzerine,S . 309-310 . (37)
(38) بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات ، اللمعة السادسة والعشرون .
(39) شاهينر،الشهود الاواخر ، ج2 ص 59 .
(40) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات ، الشعاع الحادي عشر.
(41) عشراتي سليمان، بديع الزمان النورسي سيمياء الشكل والصميم ،ص54 .
(42) بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات ، اللمعة السادسة والعشرون .
(43) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الرابع عشر ، ص 536 .
(44) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الحادي عشر .
(45) الصالحي، اسيد احسان: ذكريات عن سعيد النورسي، مركز الكتاب للنشر ،1997 ، ص22 .
(46) شاهينر،الشهود الاواخر ، ج2 ص 267-269 .
(47) بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات ، الشعاع الثالث عشر .
المراجع
الموسوعة الإلكترونية العربية
التصانيف
قصص أدب مجتمع الآداب قصة