3 – مملكة سبأ
أسس عبد شمس بن يشجب مملكة سبأ. نسبه يرتقي الى قحطان. لقب بسبأ لكثرة غزواته وحروبه وغلب هذا اللقب على المملكة وشعبها. كان إنطلاق سبأ في الجوف، في الشمال. وكان الآشوريون يطلقون اسم “يلاد عريبي” على هذه المنطقة التي كانت أصلاً وطناً لكثير من الممالك في العهد الاشوري .
ورد اسم سبأ في أكثر من مصدر، بينها نقش معني يشير الى ان قبيلة بدوية كانت تسطو على الطريق التجاري الممتد بين جنوبي شبه الجزيرة العربية ومعان في شمالها. وذكر العهد القديم ان لصوصاً سبئيين كلنوا يسطون على رعاة أيوب ويقتلونهم. وذكرت النقوش الاشورية التي تعود الى ثلاثة من ملوك آشور هم تغلت فلاسر وسنحاريب واسرحدون ان هؤلاء فرضوا جزية على سبأ خلال حكم مليكهم يثعمر وكرب إيلو.
من المرجح ان السبئيين كانوا شعباً بدوياً يتنقل داخل شبه الجزيرة العربية قبل ان يستقر في اليمن حوالى سنة 800 ق.م. وعندما تمكنوا من الدولة المعينية أقاموا دولتهم على انقاضها وورثوا لغتها وديانتها وتقاليد شعبها وتجارتها وصاروا يشتغلون بنقل التجارة بين الهند والحبشة ومصر وبلاد الشام والعراق، حتى أضحوا في القرن الاول قبل الميلاد أقوى وسطاء التجارة في العالم القديم. وقد أثرى شعب سبأ ونما وازدهر نتيجة احترافه الزراعة من جهة، وسيطرته على الطرق التجارية البرية التي ربطت آنذاك بين الجنوب والشمال، من جهة ثانية .
نفوذ السبئيين التجاري
سلك السبئييون إجمالاً طريقين رئيسين: الاول كان الطريق الذي طالما سلكته القبائل البدوية والذي يمتد داخل الاراضي الزراعية على طول الشاطئ الغربي لشبه الجزيرة العربية من الشمال الى الجنوب؛ والثاني الطريق الذي يمتد على طول الساحل الغربي للخليج العربي حتى عُمان وحضرموت. ولم تكتف سبأ بهذين الخطين، بل إفتتحت خطاً برياً جديداً بين اليمن وبلاد الشام على طول ساحل شبه الجزيرة العربية الغربي كان يؤدي الى مكة والبتراء ومن ثم يتشعب الى مصر والشام وما بين النهرين. وكان الفرع الشامي ينتهي عند غزة على البحر الأبيض المتوسط . ومن حضرموت، الغنية باللبان، كان يمتد طريق آخر تسلكه القوافل التجارية حتى مأرب، عاصمة سبأ ويتصل هناك بخط تجاري آخر لهم.
لم تسلم قوافل السبئيون من تعديات البدو في اثناء سيرها على الطرقات البرية، رغم إتساع نفوذ السبئيين وقوتهم. كما ان نفقات السفر البري أرهقهم فحولوا أنظارهم شطر البحر وراحوا يسافرون عن طريق البحر حيث المسافات أقصر والبحر أسلم. وكانت تأتيهم منتوجات الهند وأفريقيا وتخزن في مرافئهم، كموزا وعدن، او تنقل بحراً الى مرفأ أيلة (العـقـبـة حالياً) ومنه براً الى فلسطين والشام ومصر، او تنقل الى مرفأ القصير على البحر الأحمر ومنه الى قفط على النيل. وكان رعمسيس الثالث، حسب ما ذكر المؤرخ جرجي زيدان في كتابه العرب قبل الإسلام قد بنى اسطولاً وأنزله الى البحر الاحمر وسافر فيه وصولاً الى الحبشة والصومال والارض المقدسة (بلاد العرب) وكان غرضه الرئيس تسهيل التجارة البحرية المصرية بين مصر وأقصى الشرق، ثم أنشأ طريقاً تجارياً برياً بين القصير والقفط وطريقاً بحرياً بين المحيط الهندي والنيل عن طريق بلاد العرب. وفي وقت لاحق إحتفر الحاكم المصري سيني الاول قناة وصلت الى نهر النيل بالبحر الأحمر.
سيطرة الحكام السبئين على طرق التجارة
مرت مملكة سبأ بمرحلتين متتاليتين: الاولى مرحلة المكربين، وهي مرحلة تلقب فيها حكامها بلقب مكرب سبأ، أي المقرب من الآلهة والناس والذي يقوم بدور الكاهن والملك في آن، والمرحلة الثانية المسماة مرحلة الملوك تلقب فيها حكامها بلقب ملك سبأ واتخذوا مأرب عاصمة لهم.
توالى على حكم سبأ عدد من المكربين، قيل انهم سبعة عشر مكرباً وقاموا بأعمال عمرانية، أبرزها بناء السدود. فقد بنى “سمه علي بن ينف بن ذمر” سد رخاب، وهو جزء من سد مأرب ، فتوسعت الزراعة في مأرب وزادت ثروة أهلها. وسع ابنه “يثعمر” سد حبابض. وأضحت مأرب نتيجة لذلك مقراً للفئات الغنية والمتنفذة وكبار الملاكين، ما هيأ لنقل العاصمة من صروح الى مأرب.
كان كرب إيل آخر الحكام المكربين. كان طموحاً وشاء التوسع فحارب ممالك وامارات في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة واخضعها لحكم سبأ. وكانت سياسته هذه مخالفة لسياسة أسلافه الى قامت على البناء والزراعة واتبع سياسة عسكرية للتوسع على حساب جيرانه والسيطرة على طرق التجارة الدولية. وتحقيقاً لطموحاته هذه تحالف كرب ايل مع ملكي حضرموت وقتبان ضد المعينيين والأوسانيين وهاجم دولة معين وغزا المناطق المجاورة لها والمتحالفة معها في الشمال وقضى عليهم جميعاً. ثم توجه الى أوسان في جنوبي اليمن، التي كانت تسيطر على الطرق النجارية في المنطقة وهاجمها وانتصر عليها. غير ان هذا الانتصار قابلته أضرار فادحة في اقتصاد المناطق التي أخضعها بعد ان تدمرت بكاملها وقتل أكثر أهلها، ومن نجا منهم أخذ أسيراً، وصودرت أملاك الناس وسجلت باسم الاسرة الحاكمة او الحكومة او المقربين.
حقق هذا الانتصار للملك السبئي السيطرة على طرق تجارة البخور والتوابل القادمة من الشرق والشمال. وظهرت سبأ بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد كأكبر قوة تجارية في العالم القديم، وأصبح اسطولها التجاري الكبير يزود ، بين من يزود، معابد مصر بالبخور والطيوب المستوردة من اليمن والحرير والتوابل من الهند. واتخذ كروب ايل لقب ملك سبأ وأقتدى به من بعده بقية الحكام .
كان هدف سبأ في المرحلة الثانية السيطرة على ما يهمها من طرق التجارة الدولية. وعرفت هذه المرحلة بمرحلة الملوك. فقد اتخذ ملوك سبأ، في خلال هذه المرحلة ، مدينة مأرب عاصمة لهم وجعلوا من سلحين وقصرها مقراً يديرون منه شؤون البلاد. ونمت الحرف الصناعية وأصبح لسبأ اسطولاً تحارياً كبيراً. وترجمت سبأ هذا التطور والازدهار توسعاً على حساب جيرانها، فوحدوا الممالك العربية الجنوبية وضموا الامارات المستقلة.
صادر السبئيون أراضي القبائل المعارضة وفرقوها على أسرهم ومناصريهم. وكان ذلك ايذاناً بانتقال الحكم بصورة تدريجية الى أيدي الأسر الغنية والنافذة والاوسع املاكاً والأكثر قوة، وأضحى المال وسيلة رئيسة للوصول الى السلطة. وبالمقابل أصبحت السلطة تخدم الأثرياء وتفتح امامهم كل النوافذ لزيادة ثرواتهم. وأدت هذه المعادلة، المال والسلطة ، الى ظهور أسر قوية لعبت دوراً بارزاً في سياسة البلاد. ومن بين هذه الأسر: بنو مرثد ، بغ بثع من همدان ، بنو فيشان .
بدأ مركز سبأ التجاري يواجه صعوبات كبيرة منذ القرن الرابع قبل الميلاد بفعل اثنين: الاول خارجي، إذ ظهرت في مصر قوة البطالسة التي احتكرت التجارة الشرقية وأفقدت سبأ مركزها ومكانتها التجارية في البحرين الاحمر والابيض المتوسط لصالح اليونان والرومان. اما العامل الثاني فكان عاملاً داخلياً عندما واجهت سبأ ثورات عائلية بسبب ضمها للامارات المستقلة وتوحيد القبائل تحت سيطرتها، فكان ان اصطدمت بمصالح الزعامات المحلية وظهرت اضطرابات وثورات داخلية أثرت سلباً على الوضعين السياسي والاقتصادي للدولة وأتاحت للدول الاجنبية التدخل في شؤون سبأ الداخلية.
واجهت سبأ نتيجة لهذا الوضع المتأزم مواجهات مع الحبشة التي حاولت السيطرة بالقوة على السواحل اليمنية، كما واجهت محاولات من قبل جضرموت وحمّير ومملكة كندة لاستعادة استقلالها. وشهدت الايام الاخيرة من حياة الدولة السبئية قيام نزاع داخلي حول العرش أدى الى خراب ودمار، وتحولت الاراضي الزراعية الى اراضي جرداء قاحلة غير منتجة. وفي عام 30 ق.م تمكن أخصام سبأ من الزيدانيين، وهم قبائل عربية سكنت الى الشمال من حضرموت، ومن الحميريين وهم قبائل عربية سكنت الى الغرب من حضرموت، من انتزاع العرش السبئي وأسسوا سلالة جديدة تلقب ملوكها “بملوك سبأ وذي ريدان” .
المراجع
1- The Periplus of the Erythean Sea , chaper 10 ترجمة نقولا زيادة ، المجموعة الكاملة ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 2002 .
2 – عباس ، احسان : تاريخ دولة الانباط ، دار الشروق ، بيروت 1979 .
3 – لطفي عبد الوهاب ، يحي : العرب في العصور القديمة ، دار النهضة العربية ، بيروت 1979 .
4 – عرفان محمد ، حمور : أسواق العرب ، دار الشورى ، بيروت 1979 .
5 – فروخ ، عمر : تاريخ الجاهبية ، بيروت 1964 .
6 – موسل ، ألويس : شمال الحجاز ، تعريب عبد المحسن الحسيني ، الاسكندرية 1902 .
7 – فخري ، أحمد : اليمن ماضيها وحاضرها ، القاهرة ، 1957 .
8 – سوسة ، أحمد : حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور ، بغداد ، لا تاريخ .
9 – وهب بن منبه : كتاب التيجان في ملوك حمير ، حيدر أباد ، 1247 ه .
10 – العهد القديم ، سر ايوب
11 – هومل ، فرتز : التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية ، تعريب فؤاد خسنين علي ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1993
12 – حتي ، فيليب : تاريخ العرب ، دار غندور ، بيروت ، 1974 .
13 – زيدان ، جرجي : العرب قبل الاسلام ، دار الهلال ، القاهرة ، لا تاريخ .
14 – الشريف ، احمد ابراهيم : مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ، دار الفكر العربي ، 1965 ..
المراجع
ar.al-hakawati.net/2012/05/01/%D9%85%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A3-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85/2/الموسوعة الحكواتي
التصانيف
تجارة