النَّفْعِيَّة، النَّفَعِيَّة أو مَذْهَب المَنْفَعَة (Utilitarianism) هي عبارة عن نَظَرِيَّة أَخْلاقِيَّة تَنُص على أنَّ أَفْضَل سُلوك أو تَصَرُّف هو السُلوك الَّذي يرفع الزِّيادَة القُصْوَى في المَنْفَعَة (Utility).كما ان "المَنْفَعَة" تُعَرَّف بِطُرُقٍ متعددة ، عادَةً مِنْ حَيث الرَّفاه لِكَيانات إِحْسَاسِيَّة، مِثل الفرد البَشَري والحَيَوانات الأٌخْرى.
حيث ان الفَيْلَسوف الإنْجِليزي جِيرمي بِنْثام، مُؤسِّس النَّفْعِيَّة، نعت المَنْفَعَة بِخَاصِّيَّة أي شَيْء نَتَجَت عنها فائِدة، مِيزَة، مُتعَة، خَيْر، أو سَعَادة، أو تَحُول دُون وقُوع أَذَى، أَلَم، شَر، تَعَاسَة على مَصْلَحَة طَرَف مُعَيَّن: و لَو أنَّ المَقْصُود بِالطَّرَف المُجْتَمَع بِشَكْل عام، إذاً المَقْصُود سَعَادَة هذا المُجْتَمَع: أو لو أن المَقْصُود بِالطَّرَف فَرْد بِعَيْنِه، إذاً سَعَادَة هذا الفَرْد.[4] تُصَنَّف النَّفْعِيَّة على أنَّها شَكْل مِن أشْكَالِ العَواقِبِية الفِكْرِيَّة، والَّتي بِدَوْرِها تَنُص على أنَّ عاقِبَة أو نَتِيجَة أي تَصَرُّف هو المِعْيار الوَحيد لِتَحْديد الصَّواب والخَطَأ. بِخِلاف أشْكَال أُخْرى مِن العَوَاقِبِية، مِثْل الأَنَانِيَّة الأَخْلاقِيَّة، النَّفْعِيَّة تَأْخُذ بِعَيْن الاعْتِبَار مَصْلَحَة الجَمِيع بِالتَّسَاوِي.
كما اخْتَلَفَ مُؤَيِّدو النَّفْعِيَّة على عِدَّة نُقاط، مِثل ما إذا كان يَنْبَغي أنْ يَتُم اخْتِيار السُّلُوك على أَسَاس نَتَائِجِه (نَفْعِيَّة فِعْل) أو يَنْبَغِي على الوكَلاءِ إتِّباع مَجْموعَة مِن القَواعِد لِتَحْقيق الزِّيادَة القُصْوَى في المَنْفَعَة (نَفْعِيَّة قاعِدة). و هناك أيْضاً خِلاف آخر حَوْل إذا ما يَجِب أن تَكون الزِّيادة القُصْوى في إِجْمَالي (النَّفْعِيَّة الكُلِّيَّة) أو مُتَوَسِّط (النَّفْعِيَّة المُتَوَسِّطَة) المَنْفَعَة.
كما تُلاحَظ بُذور النَّظَرِيَّة في كِتابات الفَيْلَسُوفَين أَرِيسْتبوس و إبِيقور، اللَّذان نَظَرا على أنَّ السَعَادَة هِي عبارة عن الصَّالِح الوَحِيد، ولكن قَواعِد مَذْهَب المَنْفَعَة بَدَأَت مع كِتَابَات بِنْثَام، لِتَشْمَل كَذَلِك كِتَابَات جون ستيوارت مِيل وهنري سيدجويك وريتشارد ميرفن هير وبيتر سنجر. تَمَّ تَطْبِيق النَّظَرِيَّة على اقتصاد الرَّفَاه الاجتماعي، أَزْمَة الفَقْر في العالم، أخْلاقِيات تَرْبية الحَيَوانات مِن أَجْل الغِذَاء وأَهَمِّيَّة تَجَنُّب مَخَاطِر كارِثيَّة تُهَدِّد وجُود البَشَرِّيَّة.
أَصْل الكَلِمَة وتَارِيخُها
على الرُّغْم مِن أنَّ جيرمي بِنثام يعد مُؤسِّس الفِكْر النَفْعي، إلا أنَّ خَلِيفَتَه، جون ستيوارت مِيل، كانَ لَهُ الأَثَر الأَكْبَر في تَعْدِيل النَّظَرِيَّة، فَكان السَّبَب الرَّئيسي في إذَاعَة ونَشْر مُصْطَلَح النَفْعيَّة، لِيَجْعَلَه في مُتَنَاوَل الجَمِيع. في عام 1861م، أَكَّد مِيل أنَّه يَحِق له أنْ يَعْتَقِد أنَّه أَوَّل شَخْص اسْتَعْمَلَ كَلِمَة نَفْعي (Utilitarian) و لَكِنَّه لَم يَختَرِعها، في الوَاقِع هو تَبَنَّى العِبارَة مِنْ كِتاب بِعِنْوان حَوْليَّات الأَبْرَشِيَّة (أو حَوْليَّات الخُورِينيَّة) للرِّوائي جون غَالت.[6] على كلِّ حال يبدو أنَّ ميل لم يعلم أنَّ جيرمي بنثام كان قد استخدم مصطلح النفعيَّة في رسالته لجورج ويلسون عام 1781، ورسالته لإتيان دومون عام 1802.<"ref name="Habibi 2001 89, 112" />
خلفيَّة تاريخيَّة
النفعيَّة في الفلسفة الصينيَّة
في الفلسفة الصينيَّة تعد المُوهيَّة والمذاهب المُشتَّقة منها فلسفات نفعيَّة، أو على الأقل أوَّل هيئات الفلسفة العواقبيَّة (consequentialism) (التي تؤمن بأنَّ أهميَّة العمل تأتي بشكل كامل من قيمة نواتجه)، شهد القرن الرابع الميلادي ظهور تجاذبات متنوِّعة ونقاشات عميقة من قبل دعاة هذه الفلسفات الصينية حول مفاهيم مثل : الذات والخصوصيَّة، الدولة والمجتمع، والإشارة لما هو رسمي أو حكومي وربطه بالعالميَّة وأطلق لاحقاً على هذا الأسلوب "الطريقة العالمية". وعلى كل حال لم تُرَكِّز المُوهيَّة كثيراً على مشاعر السعادة الناتجة عن النفعيَّة بل أكثر من ذلك على النفع الجماعي أو النفع العام للمجتمع كتحقيق المكاسب المادية وزيادة تعداد الأسرة والمجتمع وتنظيم المجتمع.[8] ويعد القانوني والفيلسوف هان في هو الملهم الأساسي لهذه الرؤية.
النفعيَّة في الفلسفة الغربيَّة
منذ فترة طويلة قيل بأنَّ السعادة هي المبتغى النهائيَّ للبشر، صيغ متنوِّعة من فلسفة اللذة أو فلسفة المتعة (hedonism) تمَّ وضعها من قبل كلِّ من إبيقور وأريستبوس، وجادل أرسطو حول أنَّ السعادة هي الخير الأعلى للبشر، وكتب أغسطين: جميع البشر يتوقون للسعادة كغاية عظمى نهائيَّة، وتمَّ التفصيل في مفهوم السعادة بشكل مُعمَّق على يد توما الأكويني،أشكال وصيغ مختلفة من الفلسفة العواقبيَّة ظهرت في العصور القديمة والوسطى كتلك التي نادت بها المُوهيَّة في الصين أو فلسفة مكيافيللي السياسية، الفلسفة العواقبيَّة المُوهيَّة دافعت عن الفوائد الأخلاقية المجتمعيَّة كالاستقرار السياسي والنمو السكاني والثروة لكنَّها من جهة أخرى لم تؤيِّد النظريَّة النفعيَّة في تعظيمها للمنفعة والسعادة الفردية،[15] مكيافيللي بدوره كان نصيراً للفلسفة العواقبيَّة وكان يؤمن بأنَّ تصرفات الدولة مهما كانت قاسية ولاتعرف الرحمة فإنَّها يجب أن تسهم في تحقيق المصلحة العامَّة للمجتمع.[16] وعلى كل حال فالنفعيَّة (كمذهب أخلاقي قائم بحد ذاته) لم تظهر حتى القرن الثامن عشر الميلادي.
رغم أنَّ النفعيَّة كما يظن بدأت مع جيريمي بنثام ولكنَّ مُفكِّرين كُثر قبله قدَّموا نظريات قريبة جداً إلى حدٍّ يثير الدهشة منهم الفيلسوف الإنكليزي الشهير ديفيد هيوم،[17] درس هيوم أعمال فرانسيس هوتشيسون وتبادل معه العديد من الرسائل والنقاشات وكان هوتشيسون من أوائل من ألقى الضوء على مفهوم النفعيَّة، في كتابه : بحثٌ حول أصل أفكارنا عن الجمال والفضيلة An Inquiry into the Original of Our Ideas of Beauty and Virtue المنشور عام 1725 يقول هوتشيسون:[18] عند اختيارنا للإجراء أو العمل الأكثر أخلاقية ستكون الفضيلة متناسبة مع عدد الأشخاص الذين يجلب لهم هذا الإجراء السعادة وفي نفس السياق الأسوأ أو الأكثر شرَّاً هو الذي سيلحق الضرر والمعاناة لأكبر عدد من الأشخاص في الطبعات الثلاثة الأولى ضمَّن هوتشيسون كتابَه معادلات وخوارزميات حسابية "لقياس أخلاقيَّة كل عمل" كما قال وبذلك يكون قد سبق بينثام في هذا المجال آراء أخرى تؤكِّد أنَّ جون غاي هو أول من طوَّر أول نظريَّة متكاملة ومتناسقة للفلسفة النفعيَّة من خلال كتابه: حول المبدأ الأساسي للأخلاق أو الفضيلة In Concerning the Fundamental Principle of Virtue or Morality المنشور عام 1731.
كما ان نظريات جون غاي وأفكاره النفعيَّة طوِّرت ونُشرت عن طريق ويليام بيلي،[20] على كلِّ حال فقد ظن البعض بأنَّ بيلي لم يكن مُفكراً أصيلاً وأنَّ الجزء الفلسفي من أبحاثه حول الأخلاق تمَّ تطويرها من قبل آخرين وتمَّ تقديمها لتتم دراستها وتعلُّمها من قبل الطلاب وليس استخدامها من قبل الزملاء، على الرغم من كل ذلك فكتابه : مبادئ الفلسفة الأخلاقية والسياسية The Principles of Moral and Political Philosophy المنشور عام 1785 أصبح هو الكتاب المُدَرَّس في جامعة كامبريدج[20] يقول سميث بأنَّ كتابات بيلي انتشرت على نطاق واسع لتصبح معروفة في الكليَّات الأمريكية كما هو حال كتابات ويليام ماكغفي ونوح ويبستر في المدارس الابتدائية. وبالرغم من كون أعمال بيلي مفقودة الآن من التراث الفلسفي فقد قال شنايدر : لقد أصبحت النفعيَّة معروفة على نطاق واسع في إنكلترة بفضل أعمال ويليام بيلي[21] اليوم يمكننا أن نحكم على أهميَّة بيلي المنسيَّة من خلال عنوان كتاب توماس راوسون بيركس الشهير : النفعية الحديثة أو أفكار بيلي وبينثام وميل، دراسة ومقارانات (Modern Utilitarianism or the Systems of Paley and Compared) المنشور عام 1874. ونشير أيضاً على أنَّه وبغض النظر على تأكيده على أنَّ السعادة كغاية تشتق أو ترتكز من الطبيعة الإلهية فقد عاد ويليام بيلي وناقش بالتفصيل هذه القواعد ومكانتها في أعماله.
المراجع
areq.net
التصانيف
ليبرالية كلاسيكية نفعية|* العلوم الاجتماعية الأثرة الأخلاقية إيثار (علم الأخلاق)