التكعيبية
ما هو الفن التكعيبي (Cubism)؟
الفن التكعيبي هو ابرز الحركات الفنية التي شهدها الفن الحديث، ومن ابرز أشكال الفن في القرن العشرين، ويمكن القول إن الفنانَيْن بابلو بيكاسو وجورج براك هم مَن ابتكراها، وبرزت للمرة الأولى في سنة 1907، ويتميّز هذا الأسلوب الفني بأشكال هندسية تبدو وكأنها مكسورة، فتخلت المدرسة التكعيبية عن الصور التصويرية وانتقلت إلى التجريد الكلي،[١] ورفضت التقنيات التقليدية للمنظور والنمذجة ولم تستجب لنظريات الفن العريقة التي تنادي بتقليد الطبيعة وتصويرها كما هي، وبالتالي انتهجَ الفنانون التكعيبيون نهجًا جديدًا وصورا الواقع بطريقة مختلفة مجزأة.[٢] كان للفن التكعيبي تأثيرًا واضحًا على الفن التشكيلي، ففتح إمكانيات جديد في الفن وكان نقطة البداية للأساليب الفنية التجريدية التي ظهرت لاحقًا، مثل البنائية والفن التشكيلي الجديد. ولم يقتصر تأثير الفن التكعيبي على مدارس الفن التشكيلي وإنما أثرت أيضًا فنون النحت والعمارة.
نشأة الفن التكعيبي
في مطلع القرن العشرين هيمنت مدرسة ما بعد الانطباعية والمدرسة الحوشية Fauvism على الفن في أوروبا، وكانت هذه المدارس ماخوذة من نهج الفنانين الانطباعيين التجريبيين، وساهم الفنان جورج براك في إثراء المدرسة الحوشية بلوحاته التي تحتوي على مناظر طبيعية وبحرية منمّقة ومتعددة الألوان، وفي عام 1907 التقى الفنان جورج براك بالفنان بابلو بيكاسو الذي كان متأثرًا بالنحت والأقنعة الإفريقية، وكان يُنتج لوحات بدائية رمزية يتبع فيها مدرسة ما بعد الانطباعية، وبعد لقاء الفانين قررا أن يعملا معًا وأن يخرجا عن الأساليب القديمة في الفن، ومن هنا ابتكرا الفن التكعيبي الذي خرج عن المألوف بالفن في تلك الفترة.
ومن الجدير ذكره أن المدرستين الحوشية وما بعد الانطباعية كان لهما دورًا كبيرًا في تشكيل المدرسة التكعيبية وأثرا بها بقوة، فاستعار الفنانون التكعيبيون من المدرسة ما بعد الانطباعية بعض العناصر الفنية مثل المستويات المسطحة للألوان والأشكال الهندسية والإحساس المشوّه بالمنظور، أما من المدرسة الحوشية فقد استعار التكعيبيون أسلوب تكرار الأنماط في اللوحة لتشكيل المشهد بالإضافة إلى كتل الألوان الاصطناعية.
مراحل تطور الفن التكعيبي
تطور الفن التكعيبي على مرحلتين أساسيتين، وهما كما يلي:
التكعيب التحليلي
امتدت هذه المدة من عام 1908 إلى سنة 1212، وامتاز بالأعمال الفنية القاسية التي تتكون من طبقات وخطوط متشابكة، واعتمد الفنانون حينها على ألوان حيادية وصامتة كالأسود والرمادي والأصفر.[٣] وفي هذه المرحلة بدت أعمال بيكاسو وبراك متشابهة جدًا لدرجة أنه لا يمكن التمييز بينها، واعتمدا في لوحاتهم على انهيار الأشكال أو تحللها، وفضلا بناء عناصر اللوحة من الزاوية اليمنى واعتمدا على الخط المستقيم في الرسم، ومن أبرز الأمثلة على هذا الفن لوحة "الفتاة ذات الماندولين" لبيكاسو التي رسمها في عام 1910، كان الهدف من استخدام الألوان الباردة والأحادية ألا يصرفوا نظر المشاهد وانتباهه عن عناصر اللوحة الأساسية وفكرتها، وعادة ستكون عناصر اللوحة التكعيبية متركزة من منتصفها وتنتشر تدريجيًا للخارج على اللوحة القماشية.
التكعيب التركيبي أو الصناعي
امتدت هذه المدة من سنة 1912 إلى عام 1914، وامتازت بالأشكال الفنية البسيطة والألوان المشرقة على عكس ما كان سائدًا في التكعيبية التحليلية، وغالبًا ما اشتملت الأعمال الفنية في التكعيبية التركيبية عناصر حقيقة مثل الصحف والأوراق، وكانت هذه الإضافة من أهم أفكار الفن الحديث.[٣] فاعتمد الفنانون التكعيبيون في هذا النمط الفني على الزخرفة وتجميع الأشياء في لوحة والتنويع بين الخامات الناعمة والخشنة، وهذا الأسلوب هو الذي مهد لظهور فن الكولاج الحديث.
أصل مصطلح التكعيبية
حيث صاغ مصطلح التكعيبية الناقد الفرنسي لويس فوكسيل في عام 1908 بعد أن رأى لوحة مناظر طبيعية للفنان جورج براك، الذي اختزل المناظر الطبيعية في أشكال هندسية بطريقة فريدة، وقال الناقد فوكسيل أنه اختزل كل شيئ إلى مكعبات،[٥] وبحلول عام 1911 دخل مصطلح التكعيبية Cubism إلى اللغة الإنجليزية، واستُخدم المصطلح من قبل الفنانين ألبرت غليزس وجان دومينيك أنتوني ميتزينغر في كتابهما الذي يحمل اسم "التكعيبية" الذي صدر في عام 1912.
رواد الفن التكعيبي ومطوّريه
على الرغم من أن بابلو بيكاسو وجورك براك هما مَن اخترع الفن التكعيبي إلا أنه يوجد فنانون آخرون قادوا هذه الحركة الفنية، ومنهم جان ميتزينجر، وألبرت جليزيس، وروبرت ديلوناي، وهنري لو فوكونير، وفرناند ليجر، وخوان جريس، وفيما يلي تعريف بسيط بهم:
- بابلو بيكاسو (Pablo Picasso): رسام ونحات ومصمم مسرحي إسباني، ولد في عام 1881 في إسبانيا، ويعدّ من أعظم فناني القرن العشرين.
- جورج براك (Georges Braque): رسام فرنسي، ولد في عام 1882 في فرنسا، وتتميز لوحاته بتصوير الحياة الساكنة، والتناغم اللوني المنخفض، والتأثير الهادئ والتأملي.
- جان ميتزينجر (Jean Metzinger): رسام وكاتب ومنظّر وناقد وشاعر فرنسي، من مواليد عام 1883، وهو مَن كتبَ أول عمل نظري عن التكعيبية، وتأثرت أعماله بالمدرسة الانطباعية الجديدة.
- ألبرت جليزيس (Albert Gleizes): رسام وكاتب فرنسي، من مواليد عام 1881، كرس حياته لتعزيز الحركة التكعيبية وتطويرها، وبدأ الرسم للمرة الأولى عندما كان مراهقًا وبدأ بالرسم متأثرًا بالمدرسة الانطباعية.
- روبرت ديلوناي (Robert Delaunay): رسام فرنس، ولد في باريس عام 1885، وهو أول مَن قدم لوحات تكعيبية نابضة بالحياة ومليئة بالألوان الزاهية، وكان يعمل كمصمم مسرحي ويتخذ من الرسم هواية، ولحين تأثره بالانطباعيين وتكريس حياته للمساهمة في تطوير الفن التكعيبي.
- هنري لو فوكونير (Henri Le Fauconnier): رسام فرنس، ولد في عام 1881، ودرس القانون في جامعة باريس، ولكنه ترك دراسة القانون واهتم بالرسم، واتبع المدرسة التكعيبية في عام 1909.
- فرناند ليجر (Fernand Léger): رسام فرنسي من مواليد عام 1881، وتأثرت أعماله بالمدرسة التكعيبية، وهو مَن طوّر "فن الآلهة"؛ وهو أسلوب فني يتميز بأشكال ضخمة وألوان جريئة.
- خوان جريس (Juan Gris): رسام إسباني من مواليد مدينة مدريد عام 1887، عاش معظم حياته في فرنسا وعمل فيها، وارتبط نشاطه الفني بالمدرسة التكعيبية، وأعماله الفنية من أكثر أعمال الحركة تميزًا.
المراجع
fonoonn.com
التصانيف
مفاهيم العلوم الاجتماعية الفنون