رباب أباظة 

 أعاني من التفكير في الماضي والمستقبل ولا أريد التفكير في الماضي، وكيف اترك التفكير في الماضي وهل تذكر الماضي مرض، كيف اتخلص من التفكير في الماضي والمستقبل... كل هذه العبارات والأسئلة؛ تشغل تفكير العديد من الأشخاص الذين يبحثون عن علاج كثرة التفكير في الماضي أو في المستقبل وكأنه مرض هو كذلك.. إذا سيطر على عقلك وجعل حياتك كاملة تتركز على ماضِ مضى أو تتوقع الأسوأ في المستقبل، في هذا المقال نتحدث عن التخلص من التفكير بالماضي والمستقبل بوصفه مشكلة.

اسباب تذكر الماضي والتفكير بالمستقبل ونسيان الحاضر
أسباب كثرة التفكير في الماضي، أو لماذا الإنسان يتذكر الماضي، هي عملية ترتبط بتعقيد عمل الدماغ البشري في تخزين الذكريات، وترتبط مشكلة تذكر الماضي بتلك الذكريات المؤلمة، كما أن رفضك وكرهك لما حصل في ماضيك هو ما يدفع هذا الماضي إلى وقتك الحاضر لتعيشه بألم، وبالضرورة يجعلك تتوقع أن الأسوأ حتماً سيأتي في المستقبل، وليس كل من يتذكر الماضي شخص مخطئ، خاصة عندما يتذكر الدروس التي ارتبطت بهذه الذكريات، لكن ما نتحدث عنه هنا تلك الذكريات التي ترفض التلاشي وتسمم حاضرك دون أن تستفيد من تلك الدروس، ويتم استرداد ذكريات الأحداث بوجود نفس المحتوى العاطفي المشابه للحالة العاطفية التي رافقت الأحداث في الماضي، خاصة إذا علمت أنه لا يوجد تمييز حقيقي بين فعل التذكر وعمل التفكير، فالذكرة البشرية تتمتع بكفاءة مذهلة [1].

من السهل تحت تأثير محفزات معينة (Triggers) تذكر الماضي فجأة، والتأثر بتلك الذكرى برد فعل عاطفي قد يكون مزعجاً أو حزيناً، ولفهم كيف تتذكر؛ عليك أن تفهم لماذا تنسى، لأن النسيان عملية مهمة وربما يكون عمل دماغنا مبني على النسيان بمعنى أن فقدان العديد من الذكريات ليست عملية سلبية، لأن النسيان آلية نشطة تعمل في الدماغ باستمرار، "وكي تحصل على وظيفة تذكر مميزة عليك أن تنسى".

النسيان جزء مهم في عملية التذكر الفعّالة (بحيث لا يكون تذكر الماضي مشكلة)
رغم الدراسات المستمرة للذكريات والذاكرة والألغاز المرتبطة بها، فقد اُعتبر النسيان دائماً مجرد عملية لاحقة وتم تجاهله، ودون خوض الكثير من تفاصيل الدراسات المتخصصة للذاكرة والنسيان، فقد أكد علماء أن النسيان ليس فشلاً في الذاكرة بل جزءاً منها، للسماح لمعلومات جديدة فوق القديم تساهم في عملية التكيف، وهكذا تنخرط أدمغتنا في النسيان الخاضع للرقابة [2]، لكن بالنسبة للأشخاص الذين لديهم قدرة ونوع من الهوس في تذكر تفاصيل الماضي؛ فإنهم لا يستطيعون تذكر أحداث معينة في حياتهم بوضوح إلا أنهم مميزون في الوظائف التي تعتمد التفكير المجرد بحيث يستطيعون حل المشكلات، هذا إذا فكرنا بتذكر الماضي كعملية تخيل إبداعية وهذه نقطة جيدة لصالح تذكر الماضي اليس كذلك؟
وهكذا.. فإن الفهم الأفضل لكيفية مساعدة الناس على جعل الذكريات المؤلمة أقل تطفلاً على حاضرهم، يمكن أن يساعد الباحثين في علاج بعض الحالات المرضية الصعبة (مثل علاج اضطراب ما بعد الصدمة)، كما قد يتمكن الباحثون من فهم مرض الزهايمر بشكل أفضل، على أنه عطل في النسيان بدلاً من مشكلة في التذكر، وخلل في نشاط عملية النسيان أو "عملية نسيان مفرطة تسير في مهب الريح وتمحو أكثر مما ينبغي".
هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لفهم النسيان كجزء من كل العملية المرتبطة بالذاكرة، الموجودة لخدمة غرض تكيفي، لأنها تمنحنا المعرفة حول العالم، ثم تقوم بتحديث تلك المعرفة، بينما يمكننا كأفراد وكنوع من خلال النسيان؛ المضي قدماً.. فللتذكر فضائل وللنسيان فضائله أيضاً.

في المحصلة.. يؤدي فقدان بعض الذكريات إلى تحسين عملية صنع القرار بعدة طرق، لسبب واحد.. أنه يمكن للنسيان القضاء على المعلومات التي عفا عليها الزمن، والتي من شأنها إعاقة القرار السليم، كما أن الذكريات التي تعيد إنتاج الماضي بإخلاص يمكن أن تضعف القدرة على تخيل القادم والمستقبل، مما قد يجعل السلوك غير مرن بحيث لا يستطيع المرء التغلب على الظروف المتغيرة ويتوقع الأسوأ، ثم الفشل في النسيان يمكن أن يؤدي إلى استمرار الذكريات غير المرغوب بها، كما هو الحال مع اضطراب ما بعد الصدمة [3]، ونظراً للعدد الكبير وغير العادي من الذكريات، التي يمكن أن تتراكم في المخ، يبدو من المنطقي أن يكون لدى الدماغ... آليات لإزالة الذكريات التي أصبحت غير مستخدمة، بحيث قد يكون النسيان هو الاستراتيجية الرئيسية للعقل في إدارة المعلومات
 


المراجع

hellooha.com

التصانيف

إنسانيات  إنسان  سلوك إنساني  علاقات شخصية   العلوم الاجتماعية