أم العبد سيدة فاضلة في العقد الرابع، تعيش في بيت متواضع في حي شعبي  لم تألفه  يوماً- غير أن  تعثر ظروف زوجها المعيشية اضطرته  لقبول  في سكن  كهذا. وحتى تتغلب على مصاعب الحياة اضطرت أم العبد  لتشغل نفسها في بيع بعض الهدايا والأدوات المنزلية وأدوات التجميل لنساء الحارة وخصصت  الجناح الغربي من المنزل وجعلت  هناك  باباً خارجياً لسهولة وصول الزبائن وخروجهم دون إزعاج أطفالها. بدأت الأحوال  تتحسن تدريجياً مع توفر بعض السيولة، غير أن شيئاً ما كان يؤرقها، فقد كانت نظرات الحاسدين تلاحقها .صارت هي و زوجها في حالة جزع وقلق من عيون الحساد فلجأوا إلى الأدعية و ما تيسر من أحاديث وآيات حفظوها وعلقت خرزات زرقاء في رقاب  أبنائها الصغار. لم يكن ثمة شئ آخر ينغص عليها حياها سيما و أنها كانت قانعة  راضية بما من عليها الله  من رزق.
ذات صباح مزق الهدوء  صياح ديك قادم من الجهة الغربية من الجدار حيث جارتها " أم هاشم"، قامت فزعة واستعانت بذكر الله ثم تمتمت ببعض الأدعية وأدت صلاة الفجر ثم قضت قسطاً من الراحة في التسبيح والتهليل والتعوذ من  الشيطان، ودعت الله أن يفتح لها أبواب الرزق.صياح الديك أثار في أم العبد شيئاً من الفضول و كثيرا من الإزعاج..ففي الأسابيع اللاحقة لاحظت بناء قن دجاج فوق سطوح الجارة كمقر دائم لعدد من الدجاجات التي تكاثرت أعدادها دون سابق  إنذار حتى ضاق بها القن فبدأ الشجار بين الديوك المتنافسة والدجاجات. لاحظت أم العبد أوساخاً بدأت  تتراكم على الجدار  ولم تكن الجارة صاحبة الدجاجات  راغبة في تنظيف  مخلفات  دجاجاتها إذ لم يكن  عندها متسع من الوقت لتنظيف  ملابسها البالية! أو الاعتناء بأولادها المتناثرين على عتبة المنزل وسطح البناية و الجدار.
  بدأت الزيارة المفاجئة الساعة التاسعة من صبيحة يوم من أيام شهر نيسان، نهضت  أم هاشم من رقدتها عند مدخل المنزل ونفضت عنها بعض الغبار  واستقبلت جارتها  أم العبد بشئ من الوجوم و كانت إشارات الاستفهام ترتسم على حواجبها الكثة  وأنفها الأفطس  كلغز الكلمات المتقاطعة! أم هاشم امرأة تجاوزت عتبة الخمسين غير أن ملامحها  تشير إلى أنها ربما كانت في العقد السادس فهي دائمة منحنية الظهر مقطبة الجبين تقضي معظم وقتها في تحضير مجروش الذرة و الشعير و القمح  وبعض الأعلاف لتقديمها للدجاج طمعاً في زيادة عدد البيض أو مواليد جدد. حاولت أن تغير شيئاً من هيئتها في غمرة الاستقبال والزيارة المفاجئة، قدمت بعض الضيافة  ثم أتبعتها بسؤال عن سبب الزيارة.
أصاب أم العبد شئ من الذهول  من طريقة حديث جارتها غير الودي
- لا شئ، حق الجار على الجار أن يقوم بزيارته و يتفقد  أحواله... وقد كنت مشغولة في بيع الأواني  المنزلية.هل تودين شراء  أية هدايا  أو أدوات مطبخ ...سأقدم لك أسعار بيع خاصة.
- لم  تشعر  أم هاشم  بأن هذا هو سبب  الزيارة، وألحت  عليها أن تكشف عن السبب، وأخرجت علبة صغيرة فيها بعض السعوط واستنشقته بطرف فتحة أنفها اليمنى بعد أن ثنت قوامها نحو اليمين قليلاً، ثم عطست كأنها تصارع حشرجة الموت الأخيرة.
- ارتعبت أم العبد للوهلة الأولى وتساءلت: ما هذا يا أم هاشم
- عادة ورثتها عن جدتي التي كنت أرعى شئونها و أعمل على خدمتها  في السنوات الأخيرة
- بصراحة، إن حالنا بدأ في التردي من يوم اقتنيت بعض الدجاجات، فقد ازدادت الأوساخ وأصبح الجدار الذي بيننا  موبوءاً، ولا  أحد منكم يحاول  أن ينظف ما أفسدته دجاجاتكم !
لم  يُثر  هذه الاحتجاج شيئاً لدى أم هاشم و لم تحاول  تهدئة الموقف بل أخذت ترغي وتزبد  و ترفض حتى مجرد الخوض في هذا الأمر، فهي حرة في بيتها تربي ما تشاء من الطيور
- ها أنت تبيعين الأواني  المنزلية ..هل تدخلت في شئونك؟ وتظاهرت بأنها مشغولة وانتهت الزيارة قبل موعدها وعادت أم العبد غالى مسكنها مكسورة الجناح.
كان الايمان  ملجأ ام العبد  دائماً و خاصة في المواقف الصعبة، ازدادت وتيرة الدعاء قبل انبلاج الفجر وفي ساعات الليل المتأخرة ضد دجاجات  جارتها! ثم أرسلت زوجها للبلدية و قدم شكوى خطية غير أن المسئولين عن البيئة  لم يولوا الأمر اهتماماً.
عادت أم العبد للدعاء، وفي أحد الأيام تفاجأت بدجاجة نافقة  في فناء منزلها
- ربما ألقت الدجاجة بنفسها من القن هرباً من الاكتظاظ حيث أن جارتها العنيدة  زادت بعد الزيارة من أعداد الدجاجات البلدية...حاولت أن تجد تفسيراً لما يجري فلم تُفلح في العثور على جواب يشفي الغليل ويُخلصها من المصيبة.
ازدادت حالات  النفوق بين الدجاجات فما كان من أم هاشم إلا أن تحضر طبيباً بيطرياً مختصاً يعالج الأمر، وبعد أن أجرى الفحوصات اللازمة في المختبرات عاد إليها في اليوم التالي ببعض الأدوية و المضادات الحيوية.
- أُريد  دواء شافياً  يا دكتور ...مش مهم التكلفة ...المهم أن لا تنتصر على جارتي.
- "مرض الكوكسيديا COCCIDIA يا حاجة..الرطوبة عالية في القن وهذا يزيد من تكاثر الطفيل وهذه الأدوية  تخفف المصاب قليلاً غير أني أنصحك بتربية الدواجن في مزرعة تراعي الجوانب الصحية  و.....
- لم تستطع أم هاشم الاستماع إلى كامل إرشادات الطبيب  وناولته أجرته بعد أن فقدت  معظم دجاجاتها.في اليوم التالي شُهدت أم العبد وهي تتابع عن كثب  نشاط أم هاشم في التخلص من بقايا الدجاج المصاب بالإسهال والنزف الدموي وظلت على هذه الحال عدة ساعات قامت خلالها بحملة تعقيم للمنزل استنزفت كل أرباحها وأتت على رأس المال.ترى هل كان لدعوات أم العبد علاقة بالموضوع؟ ظلت ام هاشم تتساءل ولا  تجد من  يجيب عليها.

 

مدرس  بكلية التربية بجامعة الملك عبدالعزيز
                  
 

المراجع

odabasham.net

التصانيف

ادب  قصص  مجتمع   قصة