كلية الآداب والعلوم الإنسانية
سيدي بلعباس.
تمهيد:
غريب أن يكون الإنسان الباحث هو موضوع البحث في الآن ذاته. وكأن الوضعية التي يوجد فيها توحي له بعدم الاكتمال والنقص، وتحثه على إيجاد وضعيات أخرى تبلور الرؤية التي يصبو إليها. إن المفكر عندما يكون موضوعا لفكره، ويكون ذلك الفكر مشروعا يتوق إليه، فإن واقعه يكشف عن اضطراب وتشوش لا يرضيه المقام فيه. ومن ثم تكون محاولة إيجاد البديل بمثابة التعبير عن فساد قائم يقلق الفكر، ويستحثه على التغيير.
ولا نزعم في هذا المدخل السريع عرض الأشكال التي انتهى إليها البحث عن النموذج في الفكر، بل نريد أن نرسم لوحة للتذبذب الذي وسم النماذج، وجعلها عناوين على الحيرة والتطرف. وإذا كان كل نموذج إنما يعبر، ويترجم رؤية يحدُّها الزمان والمكان، فإنها في عين الدارس تكشف عن الانزياحات الخطيرة التي ميزت الفكر في ابتغائه الصورة المثلى لما يصبو إليها. فإن كانت تجد عند أصحابها منطقها الخاص الذي يبرر صورها، فإنها في مسار الفكر التاريخي تنبئ عن تأرجح خطير بين التطرف والاعتدال. لأننا إذا عدنا إلى مسلة المفكر وموضوع الفكر، أيقنا أن الذات التي تتفحص ذاتها لا يمكن لها أبدا أن تستشرف واقعها بعيدا عن أطرها الثقافية والمعرفية. فهي دوما مشدودة إلى رؤيتها للعالم، تمتح منها مفاهيمها ورؤاها. وكلما تغير الزمان، واستجد الفكر، كلما تغيرت الرؤية واسترفدت في حصادها جديدا يحول الرؤية من واقع إلى آخر.
ذلك هو الجدل الذي يبقي الإشكالية قائمة أبد الدهر، تتراوح بين الواقع المعطى والنموذج المستهدف، الذي يخالف الواقع قصد تغييره أو التأثير فيه. ولسنا نفهم حقيقة النماذج التي رفعها الفن -بمختلف أغراضه- إلا إذا تلمسنا التعارض القائم بين الواقع والرغبة، بين الكائن والمثال.
ربما وجدنا في استمرار الإشكالية -من غير أن تستقر على حال- تخليا في الأزمنة الأخيرة عن فكرة النموذج نهائيا في الأعمال الروائية. بل إننا نشهد تحوُّلا آخر نحو فكر 'النهايات' الذي يُعلن فيه -بين الفينة والأخرى- عن نهاية ما. وكأن الفكر -بعد استنزاف جهوده- يحاول أن ينفض يديه من القضايا الشائكة التي رافقت مساره الحضاري قرونا متطاولة. وكأن في إعلان النهايات آذان بالتحول إلى رؤى أخرى أكثر جدوى ونفعا. وفي هذا المنطق يمكننا أن نفهم لماذا أُعلن عن 'موت الإه' ثم 'موت الإنسان' ثم 'نهاية التاريخ' وقبله 'نهاية الحضارة'.
إن قارئ الرواية -اليوم- يكتشف فيما يشبه العجب والحيرة، غياب الشخصية من المتن السردي، والاستعاضة عنها بالأشياء التافهة، ويقبل أخيرا برواية من دون أشخاص، وبرواية من دون أحداث، وبرواية بيضاء… ورواية تكتب ذاتها من خلال اللعب باللغة وحدها بعيدا عن الإنسان ومشاكله الصغيرة التي تتكدس يوميا على رفوف ضميره.. وكأنها تُمعن في تجاهله وإتلافه.
إنها تنتقم من صانعها شر انتقام. فقد تدحرجت به من 'شخص' لا ملامح له، ولا سيمات، إلى 'كائن' مجرد من غير اسم، إلى 'شيء' يُرمز إليه بحرف أو رقم.. قد يُبرر هذا التلاشي الفني، بتلاشي الفرد في زحمة الجموع المحتشدة في السجلات والمدن.. وقد يبرر بأسباب أخرى أكثر تفاهة وأقل حيلة. بيد أن معالجة الفكرة -على النحو الذي نروم- يُبصِّرنا بالخطر الذي أوشك أن يقضي على الإنسان نهائيا.
1- الفكر وصياغة النموذج الإنساني:
يسعى الفكر عبر أساليبه - المشروطة بعاملي الزمان والمكان إلى طرح تصورات تتأرجح بين المثالية المتعالية، والمادية الوضعية- إلى خلق 'نموذج '' ARCHETYPE' يستأنس به لتأكيد مشروعية فرضياته. فيصبغ عليه جملة من القيم المنبثقة من دينامياته، لتجعله ' صورة ' تؤول إليها جميع أبعاده وآفاقه. وهو- في جميع الأحوال، ودون استثناء - يقع خارج الواقع، مترفع عليه. يرى فيه ضعة ونقصا. فيجدُّ الفكر لرفعه إلى مصاف يليق به فوق الأعناق. ويجيّش له الفكر جملة من القيم والمفاهيم والأخلاقيات، تجعل حياة الفرد تطلعا مستمرا إلزاميا إلى الصورة المثلى. فتتراجع ذاتيته -حتما- أمام المطالب المتكررة للفكر، وتعالي النموذج، وتحليقه خارج الدائرة الإنسانية. الأمر الذي جعل الحياة العامة مكابدة مستمرة – عند البعض– لتسلق أسوار الكمال. وتراجع البعض الآخر إلى الضعة والرضوخ. ومنافقة الباقي في ' البين بين'. فيكون الامتثال ظاهريا، ويكون التردي باطنيا.
ذلك ما رسم خلفيات الحيوات الأولى للسادة والملوك، والأمراء ورجال الدين. فكان النموذج بأخلاقياته فرضا على رقاب المحكومين، وإن تحلل منه السادة ونبذوه وراءهم ظهريا في سريرتهم وعلانيتهم، جملة تفصيلا. كان الفكر على مر العصور :» يجتذب لنفسه ' إنسانه المطلوب' من معكوس الإنسان الواقعي كما هو، فلم يكن يسمح لأهواء الإنسان العادي ونزواته أن تكون عنصرا دخيلا في تكوين إنسانه، في واجب وجوده. فلم يكن غريبا بعد هذا، أن يصبح الإنسان المطلوب مجرد دعوى قائمة في أذهان مبتكريه. والذي يشنق في عقل كل مفكر على مدى الزمان.« ( ). إنه عنصر خرافي يسكن كهوف الفكر، يضاء من مشكاة التصور في محاولة الترفع عن الواقع القائم.
بل يجب أن لا يكون النموذج متجاهلا لحقيقة الإنسان البسيط الذي يكيفه الواقع ويعجن طينته، ويكسبه قيمة، شاء أم أبى. وما تبرم ' د.ه. لورنس
D.H. LAWRENCE' من دعاة كمال الإنجليز، إلا رفض صريح لهذا النموذج 'الصنمي' الباهت في عقل صانعيه. حين قال: » أي كمال إنساني هذا الذي يدعون إليه ؟ أهو كمال الإنسان ؟ أي إنسان ؟ إنني لست رجلا واحدا كما يتوهمون. إنني عدة رجال في هيئة رجل واحد. أي رجل منهم تريدون له الكمال ؟.« ( ). وقد جاء الرفض عينه على لسان الأب في مسرحية ' بيرانديللو'PIRANDELLOست شخصيات تبحث عن مؤلف' : » إن مأساتي وخطئي الأكبر يكمن في إحساسي بأني ، وبأن كل فرد آخر هو شخص واحد، مع أن كلا منا في الواقع شخصيات متعددة بقدر جميع إمكانيات الوجود الهاجعة في داخله. إننا نبرز على هذه الصورة حينا، وعلى صورة مغايرة حينا آخر.إننا نظهر بوجوه كثيرة التنوع والتباين من حيث أننا نعيش في غمرة الوهم بأننا نشكل حقيقة واحدة هي هي دائما حيال كل التصرفات والظروف. وأمام كل المرايا والعيون.« ( ) ومعنى ذلك أن كل إنسان يخبئ في حناه :» أكثر من عشرين روحا متعارضة، متمايزة، متحركة، لكنه بدافع من مصلحته وحاجاته الملحة، ومن إرادته الواعية في أنه يكون على هذا الشكل بالذات، يختار منها ما كان أسهل وأكثر مطاوعة لمتطلباته العملية.« ( ).
إن خرافة النموذج تذوب أمام تعدد الأقنعة. لأن الفكر يريده أن يكون واحديا 'unidimensionnel ' في جميع الظروف والمواقف. فينفي عنه ميزة التكيف 'ADAPTATION' ومداراة الحياة، وإقرار طبيعته الخاصة، وفطرته الأولى مقابل عوارض الأيام والواقع. لذلك ظلت الفلسفات – على اختلاف مشاربها مثالية ومادية – تنشد مثالها، وتشييد صرحه، ومد سلطانه باللين والتربية حينا، وبالغلظة والقسوة أحايين كثيرة. حتى أشعلت نيران الحروب الحاصدة من أجل تحقيق أسطورية النموذج وإرغام ' العامة' على اللحاق به في صرحه المتعالي..
1-2-النموذج البدائي: الأسطورة واقع.
لكل عصر إنسانه النموذج، الإنسان السلطة. لقد شاء الفكر القديم أن يمد يد الإنسان لتمسك بجميع الظواهر الطبيعية المحيطة به. وأن ينتزع عنها عنصر الرهبة التي تملؤها خوفا وهلعا. فشاء لنفسه رسم صورة ترفعه عما هو عليه إلى ' حالة ' تجعله قادرا على مجابهة الظواهر والتأثير فيها. فيمتلك زمامها، ويسخرها. فاكتملت لديه صورة 'البطل'. ونُسجت حولها الأساطير والخرافات التي احتفلت بها المرويات الشعبية شرقا وغربا. فاشرأب نحوها الفكر. لأنه لولاها لظل الإنسان مستكينا خاضعا يتوارى كلما لاح بارق، أو قصف رعد، أو ثار موج. فكانت عزاء يشد من عزيمته لمجاراة ذلك 'البطل ' وهو يخوض غمار بحر، أو يسلك مجاهل سبيل، أو يذرع فضاء ليل. فيرتفع به التأمل إلى مصاف الإنسان العجيب.. الإنسان الخرافي الذي يتقاسمه عالمان: إلهي وبشري. ينال من الأول حظ التفوق والسيطرة، ومن الثاني حظ الوجود الفعلي الواقعي الذي يستديم ذكره، ويبقيه كما بقيت أسماء 'جيلجاميش' و'أنكيدو' و'عوليس' و'أجاكس' و' باريس'وغيرهم.
ولما نشأت الفلسفة حاولت أن ترقى بهذا المخلوق العجيب معارج غاية في العجب. فكان مجرد فكرة لا سبيل إلى تحقيقها إلا بقتل الإنسان العادي وإتلاف عالمه. ذلك ما صنعه أفلاطون حين رفض الإنسان العادي وطرده من جمهوريته. وأحل مكانه إنسان الفكر المجرد.. ولما رُفض الإنسان العادي :» أصبحت الوسائل الطبيعية للوصول إلى الإنسان 'الفكرة' غاية في التعقيد، فقد صلب في صميم الصحروات والكهوف، وأصبح التأمل في الكواكب وما وراء المظاهر قانونا لتعطيل مواهب الإنسان الحي. ولما كان مستحيلا أن يصل البشر العاديون إلى هذه المرتبة، رُفض العالم، وأبعد الإنسان الحي.« ( ). فانفصلت الحلقة الرابطة بين الإنسان العادي والإنسان الفكرة، وتدنى الأول إلى وحل الواقع، وتسامى الثاني إلى مصاف الإله الفكرة.
لقد ثارت الأبيقورية 'EPICURISME ' على ذلك الرفض وشجبته، فأعادت للعالم الوجودي مكانته على أساس أن ما هو حسي، هو الحقيقة في العالم. والجانب الفعلي للحياة يقاس باللذة والألم، وأساس السعادة هو التحرر من فكرة الخوف. إذ ليس هناك ما هو فوق طبيعي، وفوق إنساني، والحرية أخلاق، واللذة غاية، والألم شر. ( ) وهي ردة قوية نحو الإنسان الأرضي العادي الذي رفضه أفلاطون، واعتراف بمحدودية قدراته، ورفض للنموذج. إذ التعالي إلى المثالية لا يورثه إلا المكابدة والعنت.. فجسدت الأبيقورية ' إنسان الردة ' الذي انكفأ إلى محض الارتواء الجنسي والعضلي كما شهدته الحضارة الرومانية، والقرون الوسطى، وعبر عنه الفن في صنيعه.
1-3-النموذج الوسطي، الواقع أسطورة:
إن تأرجح الفكر بين قطبين متدابرين ،ظاهرة ميزت مراحل الفكر البشري في كل حقبة. فإذا تطرفت يمينا، قابلتها أخرى يسارا، فاسحة الصدر لأخرى أن تحتل الوسط في محاولة ' تلفيقية ' تقف بين النظرتين، تركب مادتها من هذه وتلك، فتميز فترة تاريخية جديدة. تؤذن بانتهاء الفترتين السالفتين، علّها تدخل جديدا في تركيبتها. فأضحى الإنسان المطلوب في العصور الوسطى ' شيئا ' من إنسان أفلاطون المبعد في السماء، وإنسان أبيقور المنحط في الأرض.
إلا أن الوضع لا يظل على هذه الحال ، بل لابد لإنسان أبيقور أن يتسامى تدريجيا ليتحد بإنسان أفلاطون، فكان الدين الجديد ' المسيحية ' ومن خلاله الثقافة الجديدة، للنقلة نحو الكمال. ولم تعلق المسألة بإرادته وحده، بل سيق إليها من خلال الجزاء والثواب بعد زوال هذا العالم: » واختيرت رغبة إنسانية بعناية فائقة، هي رغبة الخلود، ووشيت جيدا، ثم دفعت في وعي البشر..وكان هذا كافيا لخلق الإنسان في العصور الوسطى.. لم يكن الإنسان إلا عبودية كاملة.. لم يكن روحا، ولم يكن جسدا، بل كان رقيقا.« ( )
تأطر الإنسان ' النسخة ' ب ' لاءات' كثيرة: لا..تفعل، لا..تفكر، لا..تجادل.. وأضحى وجوده في دائرة النهي، يسكنه خوف دفين من مجرد التفكير في التجاوز والثورة. وهو يشهد غيره من سادة وحكام لا تعنيهم مثل هذه الدائرة. فانطلق الإنسان النسخة بعيدا عن أرض الأباطرة، يجوب البحار نحو آفاق غريبة، هروبا من سيطرة مقيتة. وقد باركته الكنيسة، لأنه يكسر حدود عالمه بعيدا عنها، وتحلم هي بمد سلطانها على العالم. وما دام هذا المغامر يحقق لها ما تصبو إليه، فهي تتنازل له بشيء من الحرية، وتخلع عليه من الألقاب ما يمدح كبرياءه. ومن هنا ولدت الفردانية 'INDIVIDUALISME ' و الإنسانية ' HUMANISME' المتلازمتين، والتي تقصد منهما نفي كل ما هو فوقاني، وقصر ميادين المعرفة والتجربة على العنصر البشري.( ) والاعتقاد في قدرة العقل على حل ألغاز الوجود وفتح مغاليق المجهول.
1-4-الإنسان العقل، أنسنة الإله:
' أنا أفكر إذن أنا موجود' عندها صار الفكر مع ديكارت ينهج سبيلا معاكسة، يرقى من الذات إلى الميتافيزيقا، من الفكرة إلى الروح، من الأنا الفردي إلى الأنا المطلق، دون أن يبتعد كثيرا: » بكل ما يتوخاه من عقلانية عن المسيحية الأفلاطونية-الأغسطينية التي سادت في عصر أباء الكنيسة. عندها ولد ' إنسان الفكر' متماشيا مع الثقافة اللاهوتية ومعززا لها من حيث رجوعه إلى إله يدير شؤون الكون بحاكمية مطلقة. ثم تعزز المسار بميلاد ' إنسان القانون' مع روسو. فصار الاعتبار إلى الدولة من خلال جملة القوانين والتشريعات التي تحكم العقد الاجتماعي. كما كان التصور الحق للإنسان عند ديكارت يتلخص في مبدأين: طلب العلم، وطلب الفضيلة.فأضحى هذا الإنسان' المستحيل ' قريب الشبه بإنسان ' كونفوشيوس ' الذي عذب الشرقيين دون أن يدركوه.( ).فإنسان ديكارت..إنسان العقل هو هو إنسان أفلاطون المستحيل المنعزل في صحرائه.
1-5- الإنسان الحديث، الآلية والاغتراب:
إنسان العقل يفكر ليثبت وجوده. سبيله العلم وسلاحه الفضيلة، إنه إنسان يبتعد تدريجيا عن الواقع، يعيش غربته في فكر صانعيه. لأنه سيظل وهما في حكومة روسو، كما كان وهما في جمهورية أفلاطون والمدن الفاضلة من بعده. لقد حقق العلم الوضعي منجزات آلية سعيا وراء تحقيق الرفاهة وتخفيف الضغط عن الجسد، حتى تفاقم أمر 'الأداة ' فقرنت قوتها بوجوده، فانقلب الوضع رأسا على عقب، حين أضحى الإنسان واسطة بينها وبين الأرض، بعدما كانت هي الواسطة. فأضحت تملي شروط وتيرتها عليه. حينها ولد 'الإنسان الآلة'. ذلك الإنسان الذي لم يعد سوى رقما في سجلات مختلفة، تحكمه وتيرة الشغل الصارمة دون أن تترك له فرص التواصل الإنساني الحقة. وعزلته في شقق ضيقة يأوي إليها مساء متعبا مرهقا يخلد إلى صمت الاغتراب والغربة بين ذويه وأهله.
1-6- مشكلة الإنسان الحضارية:
ربما أثارت مشكلة الإنسان الدرس الديني والفلسفي والأدبي والتربوي منذ القدم. وسعت الجهود إلى استقطاب الظاهرة من جميع أطرافها لعلها تحاصرها بما يكفل لها طرفا من المعرفة. بيد أنها في سعيها ذاك لم تعمل على إنشاء تصور إجمالي ذي أطر واضحة، وإنما بعّضت الإنسان ومزقته شر ممزق. الأمر الذي انعكس عليه سلبا، فعدد مفاهيمه، ووزع أطرافه على الحقول المنتشرة بين ميادين المعرفة. فاستحال معها إيجاد التصور الواضح الموحد. تلك الحقيقة التي سجلها ' ألكسيس كاريل ' في كتابه ' الإنسان ذلك المجهول ' قائلا: » إن جهلنا بأنفسنا ذو طبيعة عجيبة. فهو لم ينشأ من صعوبة الحصول على المعلومات الضرورية، أو عدم دقتها، أو ندرتها. بل بالعكس، إنه راجع إلى وفرة هذه المعلومات وتشوشها، بعد أن كدستها الإنسانية عن نفسها خلال القرون الطويلة.« ( ) وهو المؤشر على عدم وجود تكاملية بين النشاطات الفكرية للإنسان منذ فجر تاريخه إلى اليوم. وكل ما يمكن تسجيله ، هو الأكداس التي تتزاحم على رفوف المكتبات عناوين على الجهود الفذة القائمة في جزر معزولة عن بعضها بعض. وكأن العملية ما زالت – بعد هذه النداءات – تنتظر الجهد المُحوْصِل الذي يلتمس فكرة الدمج والتوحيد، واستكتاب ' قانون الإنسان ' أخيرا.
إن ' القانون الإنساني ' في حقيقة أمره هو ' الثقافة ' . ذلك الإطار الذي لا يبعض الإنسان أشطارا متباعدة، وإنما هدفه الدمج لإنشاء التصور المتكامل الذي يتحرك الإنسان في فسحته، وفق أشراطه ومتطلباته، خدمة لأهدافه ومراميه. ذلك أن الفاعلية الثقافية كما حددها ' مالك بن نبي ' في كتابه ' ميلاد مجتمع ' هي: » المحيط الذي يصوغ كيان الفرد. كما أنها مجموع من القواعد الأخلاقية والجمالية.« ( ) عندها تكون الثقافة ضربا من التعليم الذي يتجاوز حدود المعارف التقنية إلى مجال الحركة الاجتماعية في مستوياتها المختلفة. إذ ليست الثقافة :» سوى تعلم الحضارة، أعني استخدام جميع ملكاتنا الضميرية، والعقلية في عالم الأشخاص. وليس العلم سوى بعض نتائج الحضارة. أي أنه مجرد جهد تبذله عقولنا في استخدام عالم الأشياء. فالأولى تحركنا وتقحمنا في كلية موضوعها. وأما الثاني فإنه يقحمنا في مجاله جزئيا. الأولى تخلق علاقات بيننا وبين النظام الإنساني. والآخر يخلق علاقات بيننا وبين نظام الأشياء.« ( ) وعندما نتدبر فحوى حديث 'مالك بن نبي' نتبين أمرين تناقشهما المنظومات التربوية - عادة - في انفصال تام: أمر الثقافة، وأمر العلم. وكأن الثقافة هي تلكم المعارف العامة الباهتة التي يكتسبها المرء عرضا، والعلم تلك القوانين التي تلقن له تلقينا قد يكون مدعوما بالتجربة أو خلوا منها. وحاصل التكوين مجالين منفصلين لا لقاء بينهما. بينما واقع الثقافة غير ذلك كلية، حين تكون تعلما لحضارة بشقيها المادي والمعنوي، المعرفي والعلمي. حين تؤول في نهاية مراميها إلى استخدام جميع الملكات الفطرية والمكتسبة.
لقد فطن ' ألكسيس كاريل ' إلى هذا التشطير الخطير في حياة الإنسان تعلما، حين صرح قائلا:» من الواضح أن العلم لا يتبع أية خطة، وإنما يتطور اعتباطا..لأن رجال العلم لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون. وإنما تقودهم الصدفة، والتفكير الحاذق، ونوع من البصر المغناطيسي. كل منهم يعبر عالما منفصلا يحكمه قانونه الخاص« ( ). تلك الملاحظة التي انتهت به إلى القول بأننا:» قوم تعساء، لأننا ننحط أخلاقيا وعقليا. إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هي على وجه الدقة الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها. ولكنها لا تدرك ذلك.« ( ). فاللجوء إلى الجانب التقني تكوينا وتدريسا، واعتماده عمدة التخطيط التربوي ومرماه الأول والأخير، سبيل من سبل بلوغ النهاية المأساوية التي وصفها ' ألكسيس كاريل ' إذا ما غيّب منها الشطر الثاني الذي يتولى صناعة التحضر، وإنتاج الإنسان. بل يمكن إضافة نتيجة أخرى أشد مرارة في حياة المجتمعات المتصنعة التي تتصف بالتقنية والتطور العلمي، والتي تجد فيما حققت غيابا فضيعا لحقيقتها الذاتية. يقول عنها ' ألكسيس كاريل ' بأنه يبدو:» أن البيئة التي نجح العلم والتكنولوجيا في إيجادها للإنسان لا تلائمه، لأنها أنشئت اعتباطيا، وكيفما اتفق، دون أي اعتبار لذاته الحقيقية.« ( ).
فإذا كان هم المجتمعات في العالم العربي والإفريقي اليوم، يهول من أمر التكنولوجيا والعلم، ويضعهما على رأس المطالب التربوية، في محاولاته اللاهثة وراء التقدم على المنوال الغربي، فإن مفكري الغرب يفضحون مغبة الاعتماد عليها في التكوين الحضاري، ويقفون في وجه التخطيطات التربوية التي لا تزال متمادية في تجاهل حقيقة الإنسان. فإذا كان المثال الغربي هو النموذج الذي نأمل أن يحقق فينا النقلة إلى التحضر الصناعي والرفاهية، فأولى بنا أن ننتبه إلى نداءات المفكرين الذين يلوحون بالنهايات الكارثية في مجال صناعة الإنسان. وأن نجد في قول ' ألكسيس كاريل ' تحذيرا شديد اللهجة، يبعد عنا شبح النهاية التي آل إليها الإنسان الغربي الذي لا يزال بريق التصنيع يحجب عنا ترديه نحو الهاوية والبربرية. وبمنطق الطبيب يضيف 'ألكسيس كاريل' قائلا:» إن الفساد العقلي أكثر خطورة من الأمراض المعدية التي قصر علماء الصحة والأطباء اهتمامهم عليها حتى الآن.« ( ) .
إن المسألة عندنا اليوم-كما عبر عنها مالك بن نبي- ليست في أن نقول:» إن الثقافة تحتوي بصفة عامة عددا من الفصول هي: الأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والصناعة الفنية.. ولكن الأمر يقتضينا أن نتساءل كيف ينبغي أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد، في ظروف نفسية وزمنية معينة. أو لإبقاء الإنسان المتحضر في مستوى وظيفته الاجتماعية، وفي مستوى أهداف إنسانية.« ( ) وهو السؤال الجوهري الذي يقوم في وجه كل تخطيط تربوي يسعى إلى خلق النموذج الإنساني المطلوب، والذي تتوازى فيه التنشئة التربوية والتكوين العلمي الهادف. فإذا غاب عن أذهاننا مثل هذه التكاملية، لم تكن منظوماتنا سوى نسخ مما عناه الآخر، ولن تكون نهايتنا إلا من صنف ما يكابد. ذلك أن كل تخطيط لا يؤثر في :» الثالوث الاجتماعي: الأشخاص، والأفكار، والأشياء..« ( ) تخطيط ميت لا محالة. لأن الهدف الأسمى للتخطيط التربوي في سعيه إلى النموذج المستهدف لا يكون أبدا في:» أن نعلم الناس أن يقولوا، وأن يكتبوا أشياء جميلة، ولكن الهدف أن نعلم كل فرد فن الحياة مع زملائه، وأن نعلمه كيف يتحضر.« ( ) فمقياس عظمة المجتمع لا تقاس بما حقق من أشياء، واقتنى من مقتنيات، وإنما عظمته تقاس بمقدار ما فيه من أفكار. ذلك هو الفساد العقلي الذي لحن إليه ' ألكسيس كاريل ' من قبل. وهو عند ' مالك بن نبي ' ضرورة الانتقال بالفرد من كونه فردا إلى أن يصبح شخصا. وذلك بتغيير صفاته البدائية التي تربطه بالنوع إلى نزعات اجتماعية تربطه بالمجتمع.( )
تقع إذن مشكلة النموذج الإنساني المستهدف في صلب الاهتمام الثقافي. وعلى أي تخطيط تربوي يروم الخير للمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء، أن يتبنى خطط التنشئة الثقافية الحقة التي تكفل له إدراج هذا المرمى على رأس المرامي كلها. فإذا صدقت النية كانت النتائج المترتبة- إن عاجلا أو آجلا- نعمة على المجتمع والأمة والإنسانية.
وقد يكون من السّهل والواضح - فيما نسعى إليه – مراقبة الحقيقة والقيمة التي تؤطر صورة الإنسان ونموذجه في الفكر الغربي من خلال الجدول الذي صاغه ' هرمان خان' 'H.Kahn' و'أنطوني فينر' 'A.Wienner'( )، استنادا إلى 'سروكين' 'Sorokine' في بحث عن' المجتمع والديناميكيات الثقافية' ( )، وشكّلاه على النحو التالي:
أولا: الحقيقة والقيمة.
كلاسيك
حديث معاصر
موحية Révélée تجريبية Empirique مستخفّة Cynique
روحية Charismatique نفعية Pragmatique مخيّبة Désillusionnée
يقينية Certaine عملية Opérationnelle عدميّة Nihiliste
معيارية Dogmatique تطبيقية Pratique سديميّة Chaotique
صوفية Mystique أرضية Terrestre متقزّزة Blasée
حدسية intuitive علمية Scientifique وقتية عابرة Transitoire
معصومة Infaillible شكيّة Septique سطحية Superficielle
دينية Religieuse تجريبية Expérimentale متعبة Fatiguée
فوق حسية Supra-Sensorielle ناقصة Faillible مصطنعة Sophistiquée
علوية Extraterrestre حسية Sensorielle شكلية Formaliste
روحية Spirituelle مادية Matérialiste كافرة Athéiste
مطلقة Absolue آلية Mécanique مبتذلة Triviale
أخلاقية Morale نسبية Relativiste متغيرة Changeante
عاطفية Emotionnelle لا أدرية Agnostique دون معنى Sans Signification
أسطورية Mythique وسائلية Instrumentale مغتربة Aliénée
محلّلة منطقيا وتجريبيا mpiriquement ou logiquement vérifiable انتهازية Opportuniste
نسبية Relativement, relativiste
طبيعي إذا أن يفرز ذلك التحول على المستوى الفني والإبداعي تحولا يجاري حقيقة الإنسان في ظل الحداثة والعولمة، فيكون فنه وإبداعه على النحو التالي:
ثانيا: الفن والإبداع.
الفن المثير
الفن الحديث الفن المثير الحديث
الفن المعاصر
سطحي (مباشر) Terre à terre جهنمي Infernal
طبيعي Naturaliste احتجاجي Protestation
واقعي Réaliste متمّرد Révolté
بصري Visuel عفن Pourri
إيهامي Illusionniste تخومي Extrême
يومي Quotidien يبحث عن الإثارة Recherchant la sensation
مسلّ Amusant مهيّج Excitant
مغر Intéressant متكلّف Maniéré
ماجن (جنسي) Erotique خليع dépravé
هجائي Satirique مسخط Provoquant
جديد Nouveau استعراضي Exhibitionniste
كهربائي Electrique هجين Abâtardi
توفيقي Syncrétique وقح Vulgaire
درجة à la mode منفّر repoussant
ملفت من حيث التقنية Techniquement remarquable عدمي Nihiliste
انطباعي Impressionniste إباحي
تجاري Commercial تهكمي Sarcastique
محترف Professionnel سادي Sadique
مادي Matérialiste
هوامش:
المراجع
موسوعة الصداقة الثقافية
التصانيف
تصنيف :كتب أعمال أدبية