حسام عبد القادر صالح
كاتب سوداني
الطالب (ف) عندما سرى الشباب في عروقه ونوى الزواج، كان رأسه يتلفت كرادار المطار؛ هل رأيتموه مرة خلف شارع عبيد ختم وهو يدور كالمجنون ولا يتوقف أبدا؟
الطالب لأنه طالب ـ عندما توقف رأسه ـ قعد وأمسك بالقلم، وراح يكتب قصته/مشكلته في سطر واحد:
عندما قررتُ أخيرا أن أتزوج امتلأ الشارع في وجهي بالبنات
مشكلة (ف) إذن هي الاختيار، لكن (ف) نفسه عندما تخرج من الجامعة وجد أن مشكلته ليست هي في البنات اللواتي يملأن الشوارع وتفيض بهن البيوت.
مشكلته هي في كفه العارية.. بماذا سيملأ فراغها وهو يقدمها لأي بنت وأهلها ليقبلوه زوجا محترما؟
مسلسل المشاكل لم يتوقف أمام عزيزنا المسكين (ف).. فهو قد فرض فرضا أن يده امتلأت حينها بشئ مقبول، يسند الفؤاد ويحرك الرجلين لتسير مطمئنة وتقف أمام باب البنت التي تنصت منذ زمن تنتظر صوت الباب وهو يطرق ويقف خلفه الرجل الموعود.
بينما الرجل الموعود يعود راداره للدوران مرة أخرى عندما يعلم أن خطوة طرق الباب تعني أن الباب يحتاج إلى مسكن.. والمسكن يحتاج إلى إيجار.. والإيجار يحتاج إلى مرتب يكفي للإيجار واللقمة والعلاج والمواصلات و..و..
ويعود رأس (ف) مرة أخرى لحالته الرادارية يدور ويدور. فلا يمكن لمرتب خريج جديد أن يملأ جوف كل تلك الاحتياجات التي تشيب لها النواصي.
ولا يحزن (ف) أبدا فهو يعتقد أن الدوران سنة الحياة، فالأرض تدور والكواكب تدور.. لكن كيف سنقنع باقي الحزانى من أمثال الشاب (ف).
والدوران يجعل (ف) يكتشف أن العجلة لا يمكنها أن تقع إذا ما ظلت تدور.
وعجلة الزواج سوف تظل تدور متى ما شاركت الأيدي في دفعها للأمام.
و(ف) ومثله آلاف الشباب في السودان يتوقون إلى الزواج وينتظرون الأيدي المتوضئة لتحرك لهم العجلة حتى لا تقع.
والعين كسيرة تنظر اليوم إلى أيدي ملطخة بعفة الشباب وهي معفرة بالتراب..
قنوات خاصة وإذاعات خاصة وموسيقى خاصة ومنظمات خاصة تلهب نيران الشهوات، وتلويث منظم للمجتمع وأشواك ومسامير ملقية في طريق كل شاب حتى لا تسير عجلته نحو هدوء الزواج وسكينته.
وقوات تدخل سريع مزودة بالتوكل والإيمان والحلول الممكنة هي حبل النجاة الأخير لغريقنا السيد (ف) وزملاءه من الجنسين.
ومعاني مثل التوكل واليقين تجعلنا نتعجب من سلوك الناس وهم يقلبون رأسها على عقبها.
والعجب من الناس وما يفعلونه بأنفسهم يجبرنا على الالتفات للعالم الزاهد الحسن البصري وهو يلقي في وجوهنا قولته المأثورة : "ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت مع غفلتهم عنه، و ما رأيت صدقا أشبه بالكذب من رغبتهم في الجنة مع تفريطهم في طلبها".
واليوم ينظر(ف) وأمثاله فلا يرون يقينا أشبه بالشك ولا صدقا أشبه بالكذب من صراخ الآباء والأمات بضرورة تسهيل الزواج للشباب، مع انحدار الشباب إلى مهاوي العنوسة.
فلا أحد الآن يختلف مع آخر في نتيجة تشدد بعض النساء في المطالبة بمهور عالية لهن أو لبناتهن، ولا أحد لا يعرف أن مطالب الزواج المادية المبالغ فيها تدفع الشباب دفعا إلى الهروب من مسئولية إنشاء أسرة وفتح بيت بالحلال.
كل هذا الواقع المرهق للشباب، والمقلق لأولياء الأمور أصبح من اليقين والصدق، ولكنه للأسف يقين أشبه بالشك، وصدق أقرب للكذب، لأن المساحة المخصصة لفعل التغيير الإيجابي أصبحت محدودة جدا في هذا الواقع، فما هي إلا آهات دافئة وتمنيات باردة.
لكن الأيام الماضية كانت هي أيام الإعلان عن الفعل السوداني بجدارة في موضوع الزواج، حتى إن أحدهم من اسكتلندا علق في موقع لفضائية عربية على أحد أخبار الزواج السودانية قائلا:" لماذا اليوم كل الأخبار عن زواج السودانيين... حاجة غريبة".
فمراسلة وكالة رويترز بالسودان أوفيرا مكدوم تتزوج من سوداني ويحلو لها الاستقرار بالسودان.
وفنان تشكيلي سوداني يقدم مهر عروسه خمس لوحات تشكيلية، والصادق المهدي يقول إنه زوّج ابنه بمهر اسمي وبدون (شيله) وبدون تطويل مرهق في المراسم، يبدأ وينتهي كل شئ في يوم واحد.
والشيء الغريب فعلا ليس في أخبار الزواج؛ لكنه في طريقة الزواج، وفي الطريقة التي تجعل الزواج الميسر متاحا لكل عين ولسان ويد.
والأنظار تلتفت لمراسلة رويترز المسلمة وهي تغوص في طقوس الزواج السودانية وتتعجب.
والحزن على زواج أوفيرا بهذه الصورة المكلفة والمنفرة للشباب- ألفا مدعو- ينقلب إلى فرح ببقية ألق سوداني مازال قادرا على لفت انتباه الأجانب لاحتوائه بزواج حلال.
وما كان يبحث عنه (ف) في زواج أوفيرا ولا يجده هناك، يجده هنا في زواج إسماعيل ومي الذي تحتفي به قناة الجزيرة.
فإسماعيل وهو يتقدم للزواج من مي محجوب، يتقدم وهو يتلفت لا يجد المال اللازم ليقدمه مهرا لزوجة المستقبل، فلا يجد بين يديه إلا لوحاته التشكيلية، فيهبها للعروسة وتقبلها هي شاكرة، بل وتصير في نظرها أغلى من المال والذهب.
والفعل البسيط ورد الفعل الأبسط هو ما يمكن أن يحل مشكلة الزواج، بكل هذه البساطة.
والحل هو ما كان في متناول اليد؛ والحل هذا لا يعدو أن يكون تأسيا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوصى – عمليا- بعدم التكلف في دفع المهر، فكان الزواج على عهده بخواتم الحديد، والدروع، وسور القرآن.
يعرف الجميع أن مشكلات الزواج اليوم لا تنحصر فقط في المغالاة في المهور لكن عشرات الأفكار الإيجابية يمكن أن يتوصل إليها الناس لحل مشكلة التأخر عن الزواج وآثاره السالبة على اقتصادنا وأخلاقنا.
وبالقدوة والمبادرة ينكسر دائما حاجز الغرابة و الخوف من الفعل الجديد.
وتبسيط الزواج هو هَمْ لو حمله وجهاء المجتمع من رجال أعمال ومشايخ وسياسيين ومثقفين، وقدموا بأنفسهم المساعدات و التنازلات، لأصبح شيئا طبيعيا بفعل الاعتيادية والبساطة.
لقد آن أن يتحول يقيننا بوجود مشكلة زواج إلى يقين حقيقي يستلزم الصدق الحقيقي للبحث عن حلول.. والحلول تظل معلقة على رقبة الدولة من جهة ورقبة المجتمع من جهة.
ولا يزال السيد (ف) ينتظر من يدفع معه العجلة حتى لا تتوقف فتقع.
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :مجتمع
login |