جلسا خلف تلال المدينة كعصافير عسلية هائمة...،كان عطرهما كرائحة رضيع...،
يتهامسان عشقهما الدامع كينبوعة حزن يفيض كلمات مترعة بالشوق من ندى الصبح لبرد المساء،...
حروف الحكاية كعينيهما، عشيقة سلال من ثمر الحقول حين يبتسمان. حكاية لها صمت مهيب،
حيث يسحر الوضاءة لغسيل اجنحة الطيور فيه...، تنتشر قبلتهما بمجيئ عصفور الحنين،
يهدهد برد الليالي القادمة تحامل دفأهما. قالت (رجوتي) بعد صمت لحبيبها (ثُمامة)...
وخطاها الواثقة فوق العشب، يتهادى فيها الدفئ غنجا ووقار، لتغرس الارض بعمق، عشقها
العنيد وبلا تردد، حتى لو أنعمت القرائن، أنها لبوة آسرة.
-
(ثُمامة)... هكذا اذن تعرفني اني عاشقة المطر.... ! ؟ (هكذا أهدته الكلمات بمبسمها،
بغمضة عينيها الناعستين...كوصية قالتها ونبرتها تهفهف شفيفة بين شفتيها، كجنح فراشة
لا يمكن القبض عليه)
-
.... نعم...أنا من خبأ حطب قصائده وأحترس قطرات حزنه في أوردتك الشتوية.. (قال
عبارته الاخيرة وصمَت... وأذا يده أصرت طريقا نحوها ليصافح ويعابث أرتجافات جذالتها
الغضة لغمضة عينيها)
عيناها الخجلى دامعة، حبلى بطيور وليدة بعسل بهجة النحل. ...كانت ملأى لكل شيء يقرب
لون البحر منها، عيناها مرسم فيه قمر بلون اللوز..، فيها شوق هنيء رقراق، حيثما
أدخل فيها، يطير تجوالا متألقا...يتمرجح...، ويزداد تتبعاً...، ويصير طعم تشرده
فيها ممزوجا بكلمات البنفسج والكروم...، يتنضجان قُبلاً الى حيث عشب الحقول
والندى.... تتدحرج نظراتها من علو كلمات كتينة عاسلة...، تزورها أنفاسه حنينا،
قبلها عناقا، منفردا بها، ليوم الغياب والقبلة العجولة، كرضيع تحت جوانحها يتنشق...
ورقاء بمبسم عشق هي. كريحانة عطر شوقها أفاح، أمتزج بها بأجمل الألوان. وبضجيع قلبه
تفترش الحنين فرادة، تلامس أنفاسه ثديها...يتحرك لسانه بحلمتها...، (رجوتي) تفتش
دموعها في قماطه الابيض ورائحة رضاعته حين يغفى، تقبله...فيطمأن وينام، تبقى
مشغولة بالتفتيش بجسده، علَّ رسوم أونقوش تتدافع لشتاءات بجعة ماضية في الابخرة
الشرقية والغناء...!!، أوعن صيف تقشرت به دموع ثمالة أمراة، طعم خمرة مذاقها أنفلت
مسأءا، معصورة دون تراخ او ترنح.... عاتقها عناقا وتقبيلا... فأتجهت بهم غيوم تشرين
الحزينة بتراص وأزدحام بضجيج قصص باردة بائتة كأوجاع حزن تشرين الشريد ...وخطواتهما
تدفعهما بنزق صوب شوارع المدينة الكسلى... ألقت برأسها المثقل بالاسئلة الدخيلة على
ذراعه، وهما يجوبان الازقة الرطبة، الفاترة الخطى، والضؤ وسط زحمة المطر وعجالة
الحزن الخرتيت، وهو يتدافع بالصراع مع عينات من الاسئلة...التفت اليها، أحتضنها
وهمست بأذنه ( ثمامة...أحبك)..، وراحا وسط المطر والذاكرة ينطويان بالشوارع...
(رجوتي)
ذاكرة ملأت بالصداع، بالضجيج، بالتمرد، بالوحدة، بالتشرد، بالصمت، بالوجع كالمشقة
الصعبة بقصائد السهرات في المشرب الخشبي الصغير ("الدوار الثالث" - العم توم). (رجوتي)
يا من تركت خمرة أصابعها النحيلة مائجة جذوة فوق الطاولات...، تتناسل للقاء جيل من
الورد في"يوم الحب"... لا لكي يتنهد عشاقه لليل شوق مسائي..، بل للتأمل والأستماع
دون لغو... ولو للحظة، لذق الحكمة ...، هروبا من التصّنم..، ونبذ أنتظار العثور على
تعبير المجاملات النزقة..
وفي
المساء نفخت (رجوتي) أغنيتها القديمة في الغيوم... خبأءت وجهها بحقيبتها اليدوية...
تركت (ثمامة) بصوتها يدوّر... وذابت...ما أقسى طعم المشقة .!