ليس من السهل على أي أب أو أم أن يجد نفسه مهيأً للتعايش مع مرحلة المعاناة الطويلة التي تنجم عن إصابة أحد الأبناء بمرض قد يهدد حياته. ومن المؤكد أن الصلة الصادقة والأمينة التي تجمع بين الأبوين والابن المريض فيما يتعلق بمرضه، سوف تجعل الطريق ممهداً أمام أفراد الأسرة جميعهم. لكن الوصول إلي هذه الدرجة يحتاج إلى كثير من الصبر في تفهم طبيعة مرض الابن وطريقة علاجه.
إن غالب الأطفال يصابون بوعكات الطفولة الصحية مثل الزكام وآلام الأذن وجدري الماء ونزلات البرد، وفي بعض الأحيان يصابون بأمراض مزمنة أخرى مثل الربو والحساسية والسكري أو بعض الأمراض الأخرى. كما أن هناك القليلين الذين يصابون بأمراض تهدد حياتهم مثل السرطان أو مرض نقص المناعة (الأيدز). فكيف إذاً يمكننا تقديم المساعدة لهؤلاء الأطفال أو لذويهم وأصدقائهم في أثناء الأوقات الصعبة التي يمرون بها؟.
إن أهم ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن نتعامل مع كل حالة على حدة، حيث إن لكل حالة ظروفها المحيطة بها التي تستدعي نوعاً مختلفاً من التعامل لتوفير الراحة للطفل، وأهم مفتاح للتعامل هذا هو كيفية الاتصال وإيصال الحقيقة لهم. تعتقد «آي شابيرو» -وهي متخصصة في علم مبحث الدم والأورام في مستشفى ريلي للأطفال وأستاذة علم أمراض الأطفال وتعمل مديرة لمركز النزف الشامل في أنديانا (هيموفيليا)- أن إخبار الطفل وإطلاعه على حالته المرضية أمر مهم لكن دون أن نغمر الطفل بالعطف.
فتقول : أريدهم أن يسألوا وأنا أجاوبهم. فأحياناً يشعرون بالرهبة والخوف من طرح الأسئلة لاعتقادهم أن ذلك يفزع آباءهم ويحزنهم. أما الآباء فإنهم كذلك يعيشون ساعات عصيبة عند إصابة أبنائهم بالمرض. فالأطفال بعد أن يتلقوا العلاج يكونون بحاجة إلي مساعدة آبائهم ودعمهم في تلك الأوقات الصعبة، حيث تكون هذه المساعدة بإطلاع الأطفال بطريقة علمية ومناسبة على حالتهم وما يحدث لهم.
فالمرض يعتبر فرصة لإطلاع الأطفال على ما هية أجسادهم وأسس عمل أجزاء الجسم وآلية عملها، وعلى الأب أن يكون صادقاً وأميناً في تعريف الطفل بمرضه. على سبيل المثال تجنب القصص غير الحقيقية مثل أن أقول للطفل بأن «شبح الزكام قد خيّم عليه» إذا كان مصاباً بالزكام «وأن الشبح سيغادر خلال أيام قليلة». فالأطفال لديهم خيال واسع ومن المحتمل أن تسبب مثل هذه القصص تشويشاً أكبر لدى الطفل وتجعله يشعر بالخوف والقلق أكثر لما يحدث.
وعندما يصاب الأطفال بالمرض يكونون معرضين للإحباط أكثر من العادة، لذلك فإن رؤيتهم لك وأعصابك هادئة أمر مهم، كما أن عليك الاستمرار بالتحدث إليهم بصوت جميل ينم عن عاطفة وحنان. صحيح أنه من الصعب أن يعرف الآباء أن طفلهم مصاب بمرض سيكون له تأثير عليه طوال حياته، كما أنه من الصعب، إطلاع الابن على مثل هذه الحقيقة، وأنه لأمر طبيعي أن يعتقد الآباء أنهم لا يريدون الإضرار بابنهم بإبلاغه عن حالته المرضية، إلا أن إخفاء هذه الحقيقة عن الابن سيكون له عواقب أكثر ضرراً مستقبلاً.
بينما كان أفراد إحدى العائلات يقضون إجازتهم في منتجع ساحلي، تبين لهم في مختبر فحوصات الدم أن هناك أمراً غير طبيعي في نتائج فحوصات الدم، مما اضطرهم إلى قطع الإجازة والعودة فوراً لبلدتهم. ففي سن الثانية أصيب الابن بمرض يهدد حياته وهو مرض الأنيميا البلاتكونية مما قلب حياتهم رأساً على عقب. وعندما ذهبت الوالدة بابنها للعلاج خارج الولاية لم يدخر الأب أي لحظة ممكنة إلا واستغلها للبحث والتقصي حول ذلك المرض.
وفي أثناء ذلك قام بعض الأصدقاء المقربين بالاعتناء بأخويه الاثنين اللذين يبلغان من العمر 4 و7 سنوات: «لقد أوضحنا لهما أن أخاهما يعاني مرضاً خطيراً جداً جداً. وصارت التعابير المتعلقة بمرضه مثل «نقل الدم» و«صفائح الدم» و«نخاع العظم» من المصطلحات التي يرددونها يومياً». ونظراً لصغر سن الطفل المريض فقد كان التوضيح المبسط للعلاج قبل أن يبدأ بدقائق قليلة كافياً له. لكن توضيح تفاصيل وحيثيات المرض لأخويه تطلّب حرصاً وحذراً أكثر، لقد تغير أسلوب حياتهما اليومي الاعتيادي وسيطر عليهما بعد ذلك نوع من الشك وعدم الاطمئنان. أمور هامة - اجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المرض وطريقة علاجه، إن كان ذلك صعب الفهم، لا تتردد في سؤال الطبيب ليوضح لك الأمر. وتمكنك من المعلومات اللازمة جيداً يجعل من السهل عليك التوضيح للمريض بدقة.
وعليك استخدام المصطلحات والكلمات الصحيحة والمناسبة المتعلقة بالمرض والعلاج. فهذه المصطلحات الجديدة ستكون جزءاً من حياة الطفل اليومية. - تحدث مباشرة مع الطفل عن مرضه: إذا كان طفلك مصاباً بمرض مزمن أو قاتل فمن الضروري البوح له بذلك وبصراحة، لأن الطفل لا محالة سيتعرض لأعراض المرض وسيقوم بزيارات متكررة للطبيب وللمستشفى وسيستمع مراراً وتكراراً لأحاديث أبويه عن مرضه، وكذلك لحديث الأطباء والأقارب والأصدقاء وسيبدأ ملاحظة كيفية التغير في علاقة الآخرين به.
إن الشعور بالخوف وعدم الأمان يدب في الأطفال إذا ما لاحظوا أنهم حوار حديث سري، لأن خيالهم سيعمل على خلق صورة مرعبة ومضرة أكثر مما يكون عليه الواقع. - كن أميناً: يجب أن تكون صادقاً وأميناً في إطلاعهم على المعلومات لأن الأطفال يجب أن يتعلموا أن ما يقوله الأب والطبيب لهم موضع ثقة وتصديق، لأن اكتشافهم عدم أمانة من يثقون بهم سيزيد من الشعور بعدم الأمان في وقت عصيب مليء بالخوف. فلا داعي لأن تقول عن أي إجراء طبي إنه غير مؤذ أو مؤلم وهو غير ذلك. كما يجب ألا تكذب على إخوته بإبلاغهم أنك ستأخذ الطفل لزيارة جدته أو جده في حين أنك ذاهب به إلى المستشفى.
- اعمل على تشجيع الطفل على طرح الأسئلة: عندما يكون الأبوان مستعدين لسماع ابنهما فإنه سيشعر بحرية أكثر لمناقشة مرضه معهم والبحث فيه. واحرص على ألا تتردد في أن تعترف بعدم معرفة الإجابة إذا كنت لا تعرف فعلاً. وإذا كان السؤال بحاجة إلى البحث فدع الطفل يساعدك بالبحث إن أمكن، لأن ذلك يمنحه شعوراً بالثقة والاستقلال. - وضح دائماً العمليات العلاجية للطفل قبل البدء فيها:
إن المفاجآت المؤلمة تسبب في الغالب شعوراً أكثر بعدم الأمان. حاول أن تكون مع الطفل في أثناء إجراء العملية إن أمكن. وإن تعذر ذلك فيفضل إعطاؤهم حاجة تخصهم مثل البطانية أو اللعبة المحشوة لأخذها معهم.
- حاول الاستفادة من مصادر المعلومات ذات العلاقة مثل الكتب الخاصة بالتشريح وموسوعة الأطفال وبرامج الكمبيوتر.. إلخ، وذلك كي تتمكن من إيضاح ما يحدث للطفل بسبب تطور المرض وتشكل مراحله الجديدة (مثل حدوث الأزمات الربوية والنوبات المختلفة أو مضاعفات الحساسية).
إن مثل هذه المعلومات يساعد الطفل على فهم ما يقوله الطبيب. إن عمل المقارنات الصحيحة في أثناء الشرح للطفل مفيد جداً لجعله يفهم المرض والعلاج.
- شجع الدعم الذي يلقاه الطفل المريض من ذويه وأصدقائه. ويفضل أن يتحدث الطفل المريض عن مرضه لأصدقائه وعلى الآباء إكمال النواقص في حديثه حين يلاحظون ردة الفعل لدى الآخرين. فالأصدقاء وذوو الطفل المريض يشكلون مصدر دعم وتخفيف للطفل المريض لا مثيل لهما.
- يجب إخبار الأقارب والذين يقدمون الرعاية للطفل والمدرسين عن مرض الطفل: إن معرفة هؤلاء مرض الطفل ستقلل احتمالات سماع الطفل المريض للإشاعات الكاذبة واللغط، كذلك المعلومات المتضاربة. دائماً حاول أن تتحدث بطريقة إيجابية ولا تتسرع في مناقشة المشكلات التي قد تضيف إلى العبء الذي يقع على كاهل الطفل من خلال لومه، أو جعله يشعر بالذنب عند سماع مشكلات العائلة المالية والاجتماعية.. إلخ.
- اعمل على ترسيخ روح التفاهم مع أطباء ابنك ودائماً اعمل على تشجيع النقاش الصريح: دع الطبيب يشعر بأنك تريده أن يكون صريحاً وواضحاً معك ومع ابنك المريض.
وإذا كان الطبيب مشغولاً جداً وغير مستعد لإيجاد الوقت الكافي للإجابة عن اسئلتك فابحث عن طبيب آخر. إن مجموعات الدعم والتعاطف مصدر جيد للمعلومات عن أفضل الأماكن لتحويلك إليها.
إن توفير معلومات دقيقة وصادقة وحديثة عن مرض طفلك يساعده على بناء كيان آمن وثابت خلال مرحلة الإصابة بالأمراض الشائعة البسيطة والأمراض المستعصية والخطيرة.
المراجع
مجلة طرطوس
التصانيف
صحه العلوم التطبيقية