المقدمة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعــــد:
فإن ضمان العارية من المسائل المهمة التي اختلف فيــها الفقهاء - رحمهم الله - وحيث إن الحاجة ماسَّة لمعرفة الراجح من المرجوح من أقوالهم، والتحقيق في ذلك، لذا فقد أحببت أن أكتب هذا البحث عن هذه المسألة، وقد رتبته على النحو التالي:
ــ التمهــــيد والمراد بمفردات العنوان: وفيه مبحثان: -
المبحث الأول: تعريف الضمان لغة واصطلاحاً، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الضمان لغةً.
المطلب الثاني: تعريف الضمان اصطلاحاً.
المبحث الثاني: تعريف العارية لغة واصطلاحاً، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف العارية لغة.
المطلب الثاني: تعريف العارية اصطلاحاً.
ــ الفصل الأول: حكم العارية وأركانها، وشروطها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حكم العارية.
المبحث الثاني: أركان العارية.
المبحث الثالث: شروط العارية، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: شروط المعير.
المطلب الثاني: شروط المستعير.
المطلب الثالث: شروط المستعار (العين المعارة).
المطلب الرابع: شروط الصيغة.
ــ الفصل الثاني: ضمان العارية وما يتعلق به، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: ضمان تلف العارية بالاستعمال بالمعروف.
المبحث الثاني: ضمان تلف العارية إذا كان بغير تعد أو تفريط.
المبحث الثالث: الاختلاف في دعوى التلف بالتعدي والتفريط.
المبحث الرابع: الاختلاف في دعوى الرد.
ـ الخاتمة: وفيها أهم النتائج.
التمهيد
التعريف بمفردات موضوع البحث
المبحث الأول
تعريف الضمان لغة واصطلاحاً.
المطلب الأول
تعريف الضمان لغة.
يُطلق الضمان في اللغة على معان منها:
أولاً: الكفالة والالتزام (1).
ثانياً: الغرم (2).
المطلب الثاني:
تعريف الضمان اصطلاحاً
استعمل الفقهاء لفظ الضمان بمعنيين:
المعنى الأول: - وهو الذي يهمنا ــ الغرامة، فقد قالوا: هو (عبارة عن رد مثل الهالك إن كان مثليَّاً أو قيمته إن كان قيماً)(3)
أو هو: ((إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات وقيمته إن كان من القيميات) (4)
المعنى الثاني: - ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق.
أو هو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة الأصيل في المطالبة.
أو هو: شغل ذمة أخرى بالحق.
أو هو: التزام حق ثابت بذمة الغير (5)
المبحث الثاني
تعريف العارية لغة واصطلاحاً
المطلب الأول
تعريف العارية لغة.
((العارية مشددة وقد تخفف، والعارة: ما تداولوه بينهم، والجمع: (عواري) مشددة ومخففه،.. وعاره يعوره ويعيره: أخذه وذهب به أو أتلفه)). (6).
وقيل العارية بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار، لأن طلبها عار وعيب.
والعارة: مثل العارية.
يقال يتعورون العواري بينهم.
واستعاره ثوباً فأعاره إياه، ومنه قولهم: كير مستعار.
وقد قيل مستعار بمعنى متعاور أو متداول (7)
وتعاورنا العواري تعاوراً إذا أعار بعضكم بعضاً وتعورنا تعوراً:
إذا كنت أنت المستعير، وتعاورنا فلاناً ضرباً إذا ضربته مرة ثم صاحبك ثم الآخر.
وقيل التعاور والاعتوار أن يكون هذا مكان هذا وهذا مكان هذا (8).
المطلب الثاني
تعريف العارية اصطلاحاً
لقد عرَّف الفقهاء الإعارة اصطلاحاً بما يلي:
أولاً: تعريف الحنفية:
للحنفية عدة تعاريف منها:
التعريف الأول: (تمليك المنافع بغير عوض)(9)
التعريف الثاني: (إباحة الانتفاع بملك الغير) (10).
التعريف الثالث: (هبة المنافع) (11)
ثانياً: تعريف المالكية:
عرفها بعضهم بما يلي: -
التعريف الأول: (تمليك منافع العين بغير عوض)(12)
التعريف الثاني: (تمليك منفعة مؤقتة بلا عوض) (13).
ثالثاً: تعريف الشافعية:
عرفها بعضهم بما يلي:
التعريف الأول: (هبة المنافع مع استيفاء ملك الرقبة) (14).
التعريف الثاني: (إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه ليرده)(15)
تعريف الحنابلة: للحنابلة عدة تعاريف منها ما يلي: -
التعريف الأول: (إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال) (16).
التعريف الثاني: (إباحة المنافع بغير عوض) (17)
التعريف الثالث: (إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه ليردها على مالكها)(18).
التعريف الرابع: (إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائها)(19).
التعريف الخامس: (هبة المنافع)(20)
التعريف السادس: (العين المأخوذة للانتفاع بها مطــلـقاً بلا عوض)(21).
وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات وجدنا بينها اتفاقاً في المعنى، وأن الفقهاء عرفوها بمصدرها وهو الإعارة، وعليه فيمكننا أن نعرف الإعارة بما يلي:
إباحة الانتفاع مدة بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه بلا عوض.
الفصل الأول
حكم العارية وأركانها وشروطها
(المبحث الأول)
حكم العارية
العارية مستحبة عند عامة الفقهاء، وقد حكى ذلك إجماعاً (22). قال - تعالى -: ((وتعاونوا على البر والتقوى)) (23) وقال - تعالى -: ((وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)) (24).
وقيل: تجب مع غنى المالك، وهو رواية عن الأمام أحمد، اختارها شيــــخ الإســــلام ابن تيمية(25).
قال شيخ الإسلام:
(والصحيح وجوب بذل ذلك (26) مجاناً إذا كان صاحبها مستغنياً عن تلك المنفعة وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة،.....) (27)
(المبحث الثاني)
أركان العارية
أختلف الفقهاء في بيان أركان العارية على قولين:
القول الأول: أن أركان العارية أربعة وهي:
المعير، والمستعير، والشيء المستعار، والصيغة.
وإليه ذهب جمهور الفقهاء ـ المالكية (28)، الشافعية (29) الحنابلة(30).
القول الثاني: أن أركان العارية هو: الإيجاب من المعير.
وإليه ذهب الحنفية (31)
(المبحث الثالث)
شروط العارية
المطلب الأول:
شروط المعير
يشترط للمعير ما يلي:
أولاً: أن يكون عاقلاً، فلا يصح الإعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل (32).
ثانياً: أن يكون صحيح التبرع فلا تصح الإعارة من محجور عليه، من مجنون أو سفيـه أو مفلـس (33).
ثالثاً: أن يكون مختاراً، فلا تصح من مكره (34).
رابعاً: أن يكون مالكاً للعارية إما لرقبتها، وإما لمنفعتها (35).
المطلب الثاني
شروط المستعير
يشترط للمستعير ما يلي:
أولاً: أن يكون ممن يصح التبرع عليه، فلا تصح الإعارة للدواب، ولا للجمادات، ولا إعارة مسلم أو مصحف لكافر، وكذا لا يجوز إعارة السلاح لمن يقاتل به المسلــمين وما في معنـــــى ذلك (36).
ثانياً: أن يكون معيناً فلا تصح الإعارة لغير معين كقوله: أعرت أحدكم (37).
ثالثاً: أن يكون مختاراًً (38).
(المطلب الثالث)
شروط المستعار
يشترط للمستعار ما يلي:
أولاً: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه كالدور، والعقار، والحيوان، والعبيد، والثياب، والحلي، فلا تصح إعارة طعام لأكل، أو شمعة لوقود (39).
ثانياً: أن تكون منفعته مباحة، فتحرم إعارة الجارية للاستمتاع بها، والإناء لشرب الخمر، والسلاح لقتل مسلم (40).
المطلب الرابع
شروط الصيغة
والمقصود بها الإيجاب من المعير والقبول من المستعير، فهل يشترط لذلك صيغـة مخصــــوصة؟ قولان للفقهاء:
القول الأول: أنها تنعقد بألفاظ خاصة، كأعترتك هذا أو أعرتك منفعته. وإليه ذهب الحنفية (41)، والشافعية (42).
القول الثاني: أن العارية تنعقد بكل لفظ أو فعل دل عليها.
وإليه ذهب المالكية (43)، والشافعية (44) في قول، والحنابلة (45).
وهذا هو القول الراجح، لعدم ورود الدليل على تخصيص صورة معينة لانعقاد العارية.
الفصل الثاني
ضمان العارية، وما يتعلق به
(المبحث الأول)
ضمان تلف العارية بالاستعمال بالمعروف.
لقد نُقِلَ الإجمـــاع على عدم ضمـــان تـــلف العارية بالاستعمـــال بالمــعروف (46)، ولكن في هذا النقل نظر؛ لأن الخلاف قد وقع في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المستعير لا يضمنه.
وإليه ذهب الحنفية (47)، والمالكية (48)، والشـــــافعية(49)، والحنابلة (50).
وعللوا لذلك بما يلي:
(أن الإذن في الاستعمال تَضَمَّنَه’، فلا يجب ضمانه، كالمنافع، وكما لو أذن في إتلافها صريحاً)(51).
القول الثاني: أن المستعير يضمنه.
وهو وجه عند الشافعية (52)، والحنابلة (53).
وعللوا لذلك بما يلي:
أنها عين مضمونة(54).
ويمكن مناقشته بما يلي: -
أن العارية أمانة غير مضمونه إلا بالتعدي أو التفريط وعليه فلا تضمن إذا تلفت بالاستعمال بالمعروف.
الترجيح:
والراجح هو القول الأول بلا شك لكون العارية أمانة غـير مضمونه إلا بالتعدي أو التفريط.
(المبحث الثاني)
ضمان تلف العارية إذا كان بغير تعد أو تفريط
قال - تعالى -: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها(55)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أدَّ الأمانة إلى من ائتمنك)(56).
فرد الأمانة واجب، ومن لازمه حفظها وعدم استخدامها إلا فيما أذن فيه (57).
فيجب على المستعير حفظ العارية وعدم استخدامها إلا فيما أذن فيه، فإن تعدى أو فرط في ذلك فتلفت العارية فمن ضمانه بالاتفاق (58).
أما إذا لم يتعدَّ ولم يفرط فقد اختلف الفقهاء في ذلك على خمسة أقوال:
القول الأول: - أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
وإليه ذهب الحنفية (59) والظاهرية (60)، وبعض الحنـــابلة (61)، واختاره العلامة ابن القيـــم(62)، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (63)، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم(64).
واستدلوا لذلك بما يلي: -
الدليل الأول: -
قوله - تعالى -: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها(65).
وجه الاستدلال:
أن الواجب في الأمانة ردها وأداؤها، لا ضمانها إلا بالتعدي أو التفريط والعارية أمــانة، لأنها قبضت بأذن صاحبها، فلا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط (66)
الدليل الثاني:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس على المستعير غير المغل ضمان)(67).
وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في نفي الضمان عن المستعير الأمين الذي لم يخن.
ونوقش: بأن الحديث ضعيف(68)
القول الثاني: أنه يضمن مطلقاً، وإليه ذهب الشافعية (69)، والحنابلة (70).
واستدلوا لذلك بما يلي: -
الدليل الأول: -
قوله - صلى الله عليه وسلم -: في حديث صفوان (بل عارية مضمونة)(71).
وجه الاستدلال:
أن الحديث صريح في تضمين المستعير مطلقاً.
ونوقش بما يلي:
أولاً: أن هذا الحديث ضعيف (72)
ثانياً: أن المقصود بالضمان في الحديث ضمان الرد لا ضمان التلف، وذلك لما يلي:
1. أن في لفظ الحديث الآخر: ((بل عارية مؤداة)) (73)، فهذا يبين أن قوله: ((مضمونة)) المراد به: المضمونة بالأداء.
2. أن صفوان لم يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن تلفها، وإنما سأله: هل تأخذها مني أخذ غصب تحول بيني وبينها؟
فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا بل عارية مؤداة)).
ولو كان سأله عن تلفها وقال: أخاف أن تذهب، لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت.
3. أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الضمان صفة لها نفسها، ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها دل علـى أنه ضمان أداء (74).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي:
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لصـــفوان أبن أمُيه: ((بل عارية مضمونه)) (75) ليس معناه أنها تضمن إذا تلفت، وإنما معناه أن على المستعير أداءها، كقوله - صلى الله عليه وسلم - ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه))(76). (77)
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (78).
وجه الاستدلال: أن على المستعير أداء العارية ومن لازم ذلك حفظها وضمانها إذا تلفت.
ونوقش بما يلي:
أولاً: أن هذا الحديث ضعيف (79).
ثانياً: أن ضمان العارية التي تلفت بغير تعد أو تفريط مستثنى من الحديث، لأنها أمانة قبضت بإذن مالكها، فلا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، كسائر الأمانات.
قال ابن حزم في المحلى 9 / 172:
((يلزمهم إذا حملوا هذا اللفظ على الضمان أن يُضمِّنوا بذلك المرهون والودائع، لأنــها مما قبضت اليد))
وعللوا لذلك بما يلي:
أنه أخذ ملك غيره، لنفع نفسه، ولم يؤذن له في الإتلاف، فكان ضامناً(80).
ونوقش: بأن يد المستعير يد أمانة، قد أُذن لــه في الاستعمال والانتفاع، وما حصل للمأذون فيه بغير تعد أو تفريط، فليس بمضمون.
القول الثالث:
أنه لا يضمن في كل شيء ظاهر لا يغاب عليه(81) وما لا فيضمن، وإلية ذهب المالكية (82)
وحملوا قوله - صلى الله عليه وسلم - : (بل عارية مضمونه)(83) على الشيء الخفي، الذي لا يظهر.
وحملوا قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: (ليس على المستعير غير المــغل ضمان)(84) على الشيء الظاهر، الذي لا يغاب عليه.
ونوقش: بأن الأدلة متفقة في الدلالة على عدم تضمين المستعير إلا بالتعدي أو التفريط، وليس بينها تعارض في ذلك حــتى نلجأ إلـى هذا الحمـل، والتوســط الـــذي لا دليل عليه (85).
القول الرابع: أنه يضمن إلا إذا شرط نفي الضمان، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد(86).
واستدلوا لذلك بما يلي:
قوله - صلى الله عليه وسلم - : (المسلمون على شروطهم)(87).
وجه الاستدلال:
أن الحديث صريح في لزوم الشروط، وعليه فإذا شرط المستعير عدم الضمان فإنه يسقط، وما لا فلا.
ونوقش من قبل القائلين بالضمان مطلقاً:
بأن الشروط لازمه، إلا إذا خالفت مقتضى العقد، ومقتضى عقد العارية الضمان، وعليه فالشرط باطل (88).
وعلل له بما يلي:
(أنه لو أذن في إتلافها لم يجب ضمانها، فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها)(89).
ونوقش من قبل القائلين بالضمان مطلقاً:
(بأن الإتلاف فعل يصح الأذن فيه ويسقط حكمه، إذ لا ينعقد موجباً للضمان مع الإذن فيه، وإسقاط الضمان ههنا نفي للحكم مع وجود سببه، وليس ذلك للمالك، ولا يملك الأذن فيه)(90).
القول الخامس: أنه لا يضمن إلا بالشرط.
وهذا رواية عن الإمام أحمد(91)، اختارها أبو حفص العكبري (92)، وشيخ الإسلام ابن تيميه(93)، وتلميذه صاحب الفائق (ابن قاضي الجبل)(94)، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي(95).
واستدلوا لذلك بما يلي:
قوله - صلى الله عليه وسلم - : (المسلمون على شروطهم) (96).
وجه الاستدلال:
أن الحديث صريح في لزوم الشرط، وعليه فإذا شرط الضمان على المستعير ضمن، وما لا فلا.
ونوقش: من قبل القائلين بعدم الضمان.
بأن الشرط لازمة إلا إذا خالفت مقتضى العقد، ومقتضى عقد العارية عدم ضمان المستعير، إلا بالتعدي أو التفريط؛ لأنه أمين فلا يضمن كسائر الأمناء، حتى ولو شرط عليه الضمان (98).
الترجيح:
أرجح الأقوال في نظري القول بعدم التضمين إلا بالتعدي أو التفريط، ثم يليه القول بالتضمين إذا شُِرط؛ لقوة دليلهما وتعليلهما، إلا أن الأقرب منهما والله أعلم القول بعدم الضمان إلا بالتعدي أو التفريط؛ لأن العارية أمانة حصلت بيد المستعير على وجه مأذون فيه، فيده يد أمانة، وإذا كان كذلك فلا ضمان على الأمين، فكما أن المستأجر إذا شرط عليه الضمان مطلقاً فالشرط باطل غير صحيح فكذلك المستعير.
المبحث الثالث
الاختلاف في دعوى التلف بالتعدي والتفريط من عدمها
إذا أختلف المعير والمستعير في دعوى تلف العارية، هل كان بالتعدي و التفريط أم لا؟
فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون بسبب الاستعمال بالمعروف، وحينئذٍ فالقول قول المستعير بالاتفاق(98).
الثانية: أن يكون بسبب آخر غير ذلك، وحينئذٍ فقد حصل خلاف بين القائلين بعدم الضمان إلا بالتعدي أو التفريط من جهة، وبين القائلين بعدم ضمان الشيء الظاهر من جهة أخرى، وذلك على قولين:
القول الأول:
أن القول قول المستعير، وإليه ذهب الحنفية (98)
وعللوا ذلك بما يلي:
أن المستعير أمين يده يد أمانة، وعليه فيقبل قوله كسائر الأمناء (100).
القول الثاني:
أن القول قول المستعير في الشيء الظاهر، الذي لا يغاب عليه وما لا فلا، وإليه ذهب المالكية(101).
وعللوا ذلك بما يلي:
أن قوله فيما لا يغاب عليه يوافق الظاهر، فيقبل، أما قوله فيما يغاب عليه، وهو الشيء الخفي فيخالف الظاهر، فلا يقبل (102).
الترجيح:
الراجح هو القول الأول، لأن المستعير أمين، فيقبل قوله، كسائر الأمناء.
المبحث الرابع
الاختلاف في دعوى الرد
إذا اختلف المعير والمستعير في رد العارية فمن يكون القول قوله؟
لقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن القول قول المستعير، وإليه ذهب الحنفية (103).
وعللوا لذلك بما يلي:
أن المستعير أمين، وكل أمين ادعى إيصـــال الأمانة إلى مستحقها قبـــل قوله (104).
القول الثاني: أن القول قول المعير، وإليه ذهب الشافعية (105)، والحنابلة (106).
وعللوا لذلك بما يلي:
أن المستعير مدع، والمعير منكر، فكان القول قوله، لأن الأصل عدم الرد، ولأن المستعير قبض العارية لحض نفسه (107).
القول الثالث: أن القول قول المستعير في الشيء الظاهر الذي لا يغاب عليه، ومالا فلا، وإليه ذهب المالكية (108).
وعللوا لذلك بما يلي:
أن المستعير أمين فيقبل قوله فيما لا يغاب عليه وهو الشيء الظاهر، أما ما يغاب عليه وهو الشيء الخفي فلا يقبل قوله فيه لأنه خلاف الظاهر (109).
الترجيح: الراجح هو القول الثاني، لأن المستعير وإن كان أميناً إلا أنه قد قبض العارية لحض نفسه فلا يقبل قوله، إلا ببينة، أو قرينة قوية.
الخاتمة
في خاتمة هذا البحث، أحمد الله الذي بنعمـته تتــم الصالحات، وأسـأله - سبحانه - أن يجعل هذا البحث في ميزان حسناتي وأن يجعله عملاً صـالحاً مقبولاً.
وأسأله جل شأنه أن يغفر لي ولوالدي، ولعلماء هذه الأمة، ولجميع المسلمين.
ثم إن هذه الخاتمة تلخيص لأهم النتائج التي توصلت إليها، وهي كما يلي: -
(1) أن المقصود بضمان العارية رد مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن مثل.
(2) أن العارية هي: إباحة الانتفاع مدة بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه بلا عوض.
(3) أن العارية مستحبة بإجماع العلماء، وقد تجب مع غنى المالك وضرورة المستعير وحاجته إليها.
(4) أن أركان العارية: المعير، والمستعير، والشيء المستعار، والصيغة.
(5) أن شروط المعير هي: العقل، وصحة التبرع، والاختيار، والملك.
(6) أن شروط المستعير هي: أن يكون معيناً، وممن يصح التبرع عليه، وأن يكون مختاراً.
(7) أن شروط المستعار هي: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه، وأن تكون منفعته مباحة.
(8) أنه لا يشترط للعارية صيغة مخصوصة، بل تنعقد بكل لفظ أو فعل دل عليها.
(9) أن من لازم أداء العارية حفظها، وعدم استخدامها إلا بالمعروف.
(10) أن تلف العارية بالاستعمال بالمعروف غير مضمون، وهذا مذهب الجماهير.
(11) أن العارية مضمونه بالتعدي أو التفريط بالاتفاق.
(12) أن العارية أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط فقط، حتى ولو شرط الضمان.
(13) أن قولــه - صلى الله عليه وسلم -: - (بل عارية مضمونه)، المراد به مضمونه بالرد والأداء لاضمان التلف. (14) أن القول قول المستعير، في دعوى التلف بالتعدي أو التفريط من عدمهما، لأنه أمين.
(15) أن القول قول المعير، في دعوى رد العارية من عدمه.
---
(1) انظر لسان العرب 13 / 257، ومختار الصحاح ص 384، والمصباح المنير 2/364 ـ 365.
(2) انظر المصادر السابقة.
(3) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر 2/210.
(4) مجلة الأحكام العد ليه مادة رقم 415 وانظر معجم لغة الفقهاء ص 256.
(5) انظر التعريفات للجرجاني ص 137 138، ومعجم لغة الفقهاء ص 256.
(6) القاموس المحيط ص 1310.
(7) الصحاح 2 / 761 0
(8) لسان العرب 4 / 619.
(9) البحر الرائق 7 / 280.
(10) الهداية شرح بداية المبتدي 9 / 3، والاختيار 3 / 55.
(11) الاختيار 3/ 55.
(12) القوانين الفقهية ص245. ومنح الجليل 7 / 49.
(13) منح الجليل 7 / 49، والشرح الصغير 2 / 205.
(14) الحاوي 7 / 116.
(15) غاية البيان ص296.
(16) المغني 7 / 340.
(17) الإفصاح 2 / 21.
(18) المبدع 5 / 137.
(19) زاد المستقنع بحاشية الروض لابن قاسم 5 / 359.
(20) المبدع 5 / 137، والإنصاف 15 / 65.
(21) منتهى الإدارات بشرحه دقائق أولى النهي 2 / 391.
(22) انظر المجموع 14 / 200، والمغني 7 / 340.
(23) سورة المائدة الآية رقم: (2).
(24) سورة البقرة الآية رقم (195).
(25) انظر الفروع 4 / 469، والاختيارات الفقهية ص 158 ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه 28 / 98. (26) أي إعادة القدر والدلو والثوب، الفأس. انظر مجموع الفتاوى 28 / 98.
(27) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 28 / 98.
(28) انظر الشرح الصغير 2 / 205، والقوانين ص 245.
(29) انظر روضة الطالبين 426، مغني المحتاج 2 / 264.
(30) انظر كشاف القناع 4 / 62، ودقائق أولى النهي شرح منتهى الإرادات 2 / 392.
(31) انظر بدائع الصانع 8 / 372.
(32) انظر بدائع الصنائع 8 / 372، والمغني 7 / 345.
(33) انظر الشرح الصغير 2 / 205، وروضة الطالبين 4 / 426، ومغني المحتاج 2 / 246، والفروع 4 / 264، وكشاف القناع 4 / 63.
(34) انظر نهاية المحتاج 5 / 118، ومغني المحتاج 2 / 246.
(35) انظر بداية المجتهد 4 / 129، والقوانين صـ 245 ـــ، وروضة الطالبين 4 / 426.
(36) انظر القوانين الفقهية صــ 245 ــ، وروضة الطالبين 4 / 426، وكشاف القناع 4 / 63، والفروع 4 / 469.
(37) انظر نهاية المحتاج 5 / 118.
(38) انظر المصادر السابقة.
(39) انظر بدائع الصنائع 8 / 372، وبداية المجتهد 4 / 129، والقوانين ص245، وروضة الطالبين 4 / 426، والمغني 7 / 345، والإنصاف 15 / 65.
(40) انظر بداية المجتهد 4 / 129، والقوانين ص 245، وروضـــة الطالبين 4 / 426، والمــــغني 7 / 345، والإنصاف 15 / 67، والفروع 4 / 469.
(41) انظر فتح القدير 9 / 6، والبحر الرائق 7 / 280.
(42) انظر مغنى المحتاج 2 / 266، ونهاية المحتاج 5 / 124.
(43) بداية المجتهد 4 / 129، والشرح الصغير 2 / 206، والقوانين ص 245.
(44) انظر مغني المحتاج 2 / 266.
(45) انظر المغني 7 / 345، وكشاف القناع 4 / 62.
(46) انضر بدائع الصنائع 8 / 378، والعناية شرح الهداية 9 / 8، والمجموع 14 / 205.
(47) انظر فتح القدير 9 / 9، والعناية شرح الهداية 9 / 8.
(48) انظر الكافي لابن عبد البر 2 / 809 ـ 810، وبداية المجتهد 4 / 132.
(49) انظر روضة الطالبين 4/ 432، وفتح العزيز 11 / 219.
(50) انظر الفروع 4 / 474، والإنصاف 15 / 93.
(51) المغني 7/ 343، والشرح الكبير 15 / 93.
(52) انظر روضة الطالبين 4 / 432 وفتح العزيز 11 / 219.
(53) انظر المغني 7 / 343، والشرح الكبير 15 / 93، والإنصاف 15 / 93.
(54) انظر المغني 7 / 343، والشرح الكبير 15 / 93.
(55) سورة النساء الآية رقم 58.
(56) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، برقم (3535)3 / 516، والحديث صححه الألباني في الإرواء 5 / 381، وانظر تلخيص الحبير 3 / 209.
(57) انظر الجامع لأحكام القرآن 5 / 546، والمغني 7 / 342.
(58) انظر الإقناع لابن المنذر 2 / 406، ومراتب الإجماع لابن حزم ص 95، والكافي لابن عبد البر 2/ 808، والمغني 7 / 341، والمحلي 9 / 169، ومجموع فتاوي شيخ الإسلام 30 / 313، 314، 316.
(59) انظر بدائع الصنائع 8 / 378، والهداية 6 / 7.
(60) انظر المحلى 9 / 186.
(61) انظر الفروع 4 / 474، والإنصـــاف 15 / 92، ومجمــوع فتاوي شيــخ الإســـلام ابن تيـمية 30 / 314 وزاد المعاد 3 / 482.
(62) انظر زاد المعاد 3/ 482، وإعلام الموقعــين 3 / 451، والفروع 4 / 474، والإنصــاف 15 / 90.
(63) انظر الدرر السنية 6 / 38، والإحكام شرح أصول الأحكام 3 / 295.
(64) انظر الإحكام شرح أصول الأحكام 3 / 295.
(65) سورة النساء الآية رقم: (58).
(66) انظر الكافي لابن عبد البر 2 / 808، والمغني 7 / 341 ـ 342، وزاد المعاد 3 / 482.
(67) أخرجه البيهقي في سننه 6/91، كتاب البيوع، باب من قال لا يغرم، والدار قطني في سننه 3/41كتاب البيوع، وفي إسناده ضعيفان هما: عمرو بن عبد الجبار وعبيده بن حسان. انظر سنن الدار قطني 3 / 41، وتلخيص الحبير 3 / 210.
(68) انظر سنن الدار قطني 3 / 41، وتلخيص الحبير 3 / 210 والمغني 1 / 240.
(69) انظر المجموع 14 / 205، وروضة الطالبين 4 / 431.
(70) انظر المغني 7 / 342، والفروع 4 / 474، والإنصاف 15 / 89.
(71) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب في تضمين العارية، برقم (3562، 3563، 3564) 3 / 526، 527، والحديث صحيح، صححه الألباني في الإرواء 5/ 346، وانظر تلخيص الحبير 3 / 116 ـ 117.
(72) انظر تلخيص الحبير 3 / 117، وإرواء الغليل 5 / 344 ـ 346. والمحلى 9 / 168.
(73) أخرجه أبو داود، في كتاب البيوع، باب في تضمين العارية، برقم (35666) 3 / 528. والحديث صحيح، صححه الألباني في الإرواء 5 / 348، وحسنه محمد صبحي في تحقيقه لبداية المجتـــهد 3 / 130 وانظر تلخيص الحبير 3 / 116 ـ 117.
(74) زاد المعاد 3 / 482 بتصريف يسير جداً.
(75) تقدم تخريجه. هامش رقم (71)
(76) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، باب تضمين العارية، برقم (3561) 3 / 526، والترمذي، في أبواب البيوع باب ما جاء في العارية مؤادة برقم(1266) وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وضعفه الألباني في الإرواء 5 / 348، وانظر تلخيص الحبير 3/ 117.
(77) المختارات الجلية ص159.
(78) تقدم تخريجه. هامش(76).
(79) انظر أرواء الغليل 5 / 348، والمحلى 9 / 172.
(80) انظر المغني 7 / 342.
(81) الشيء الظاهر كالحريق وأخذ السيل وخراب الدار، والشيء الخفي كدعوى سرقة الجواهر والحلي.
(82) انظر الكافي لابن عبد البر 2 / 808، وبداية المجتهد 4 / 130.
(83) تقدم تخريجه، هامش (71).
(84) تقدم تخريجه، هامش (67).
(85) انظر المحلى 9 / 169.
(86) انظر المغني 7 / 342، والفروع 4 / 470، والإنصاف 15 / 92.
(87) أخرجه أبو داود، كتاب الأقضية، باب في الصلح، برقم (3594) 4 /، 16 والحديث صححه الألباني، في الإرواء 5 / 142.
(88) انظر المغني 7 / 342.
(89) المغني7 / 342.
(90) المغني 7 / 343.
(91) انظر الفروع 4 / 474، والإنصاف 15 / 92.
(92) انظر الفروع 4 / 474، والإنصاف 15 / 92.
(93) انظر الاختيارات الفقهية ص158، والفروع 4 / 474، والإنصاف 15 / 92.
(94) انظر الإنصاف 15 / 92.
(95) انظر المختارات الجلية ص159.
(96) تقدم تخريجه هامش (87).
(97) انظر الكافي 2 / 808 ـ 809، وبداية المجتهد 4 / 132.
(98) انظر تنوير الأبصار 12 / 545، والدر المختار 12 / 545، والكافي 2 / 810، بداية المجتهد 4 / 132، والمهذب 14 / 205، ومغنى المحتاج 2 / 273، والإنصاف 15 / 95، والمبدع 5 / 146.
(99) انظر تنوير الأبصار 12 / 545، والدر المختار 12 / 545.
(100) انظر المصدرين السابقين.
(101) انظر الكافي لابن عبد البر 2 / 808، وبداية المجتهد 4 / 130، والقوانين ص246.
(102) انظر المصادر السابقة، وزاد المعاد 3 / 482، وإعلام الموقعين 3 / 452.
(103) انظر تنوير الأنصار 12 / 545، والدر المختار. 12 / 545، ورد المحتار (حاشية ابن عابدين) 12 / 550 ـ 553.
(104) انظر تنوير الأبصار 12 / 545
(105) انظر مغني المحتاج 2 / 273، والمهذب 14 / 205.
(106) انظر الفروع 4 / 476، والروض المربع 5 / 374.
(107) انظر الروض حاشية ابن قاسم 5 / 373، 374.
(108) انظر الكافي 2 / 808، وبداية المجتهد 4 / 130 والقوانين ص446.
(109) انظر الكافي 2 / 808، وبداية المجتهد 4 / 130 والقوانين ص446.
المراجع
موسوعة " المختار الأسلامي "
التصانيف
عقيدة