أ وليد الطيب
كاتب سوداني
برز خطيباً ذا بيان ساحر وعبارة جزلة بليغة، وكلمات سهلة المأخذ زاخرة المعنى، وهو في شرخ شبابه، وسنون نضجه العلمي الباكرة، فأمَّ مسجده بالخرطوم بحري الآلاف من شباب جامعة الخرطوم وأهل مدينة بحري، وبحري هي "ود كشيب" القديمة التي جاء ذكرها في كتاب "الطبقات" لمحمد ولد ضيف الله؛ أبرز المراجع في تاريخ السودان الإسلامي القديم، وقد اشتهرت "ود كشيب" باتخاذها ملاذ وموطنا من العلماء السناريين من ذوي النزعة السلفية؛ كالشيخ حمد ولد أم مريوم وابن خالته الشيخ خوجلي، وسيرة الشيخ ولد أم مريوم وتصميمه الجهادي على المنهج الحق تشبه سيرة "هذا الرجل".
من جانب محراب مسجد الخرطوم بحري الكبير بدأ سير (هذا الرجل) الشاب الكبير، رغم أن يده كانت تخلو آنذاك من الشهادات العالية التي نالها بعد، سوى الشهادة الأساسية المسماة (البكالوريوس)، ولما لحقت به كانت نور على النور، مثلما أن من القلوب قلوبا منيرة بأصل الفطرة قبل الشرائع فلما جاءتها الشرائع كانت بحر من سناء وفيض من ضياء، وشتان بين الشرائع والشهادات ولكنه مثل احتجنا إليه.
(هذا الرجل) قصته رغم أنها لم تبدأ بعد، مليئة بالدروس والعبر والمنح التي تأتي في طيات المحن، والإنتصار على الذات وهواها رغم شروط الواقع وهي قاسية شديدة، وكيف إنه في درب الجراح (الحتمية) يمضي في طريق وسط وهو أتباعه وتلاميذه متجاوزا ألم الامتحان وحراة الإختبار باسم الثغر سرورا ورضى بالله وعنه ولا نزكيه والله حسيبه.. ومن هذه الدروس والعبر التي نشتشفها من محطات متفرقات من سيرته..
الوقفة الأولى: مع الطلاب معلما ومرشدا
ترتكب الحكومات أحيانا عندما يركبها شيطان الإستبداد أخطاء كبيرة وقاتلة، وهي تحسب أنها تحسن صنعا؛ تعالج مشكلة أو تحتويها، فلا تجد غير السجن أداة وآلة للمعالجة وتصحيح الأخطاء وفي الغالب لا تثبت عند التحقيق، والسجن هو الوسيلة العتيقة القديمة التي يشهد التاريخ و الناس أنها من أفشل مقترعات الطغاة في حماية العروش، لتبقي على مرّ السنين عبرة شاخصة للحكام وكأنها تهتف بهم كل يوم ألف مرة : ألا تطغوا،وبالمصلحين: (السجن أحب إلىّ مما يدعونني إليه).
في العام 1997م عندما كان د.حسن الترابي حاكما فعليا على السودان، لم يتوانى أن يجدف في الدين ما شاء الله أن يجدف إمهالا من عزيز حكيم، فتصدى له دعاة السودان، ولكن نصيب الشيخ محمد عبد الكريم منها كبيرا، مثلما كان نصيبه من الأذي أيضا كبيرا ، فاعتقله الترابي أو الذين يتبعون للترابي لمعارضته لأفكاره أصالة وللنظام بالتبع، وباعتقال الشيخ محمد عبد الكريم فقد المئات من تلاميذه إن لم نقل الالاف منه القائد المرشد، الذي يضبط إيقاع المسيرة من الجنوح والإنحراف والشباب من التطرف والعنف، وأصبح الجو مؤاتيا ليلحق الشباب الإسلامي في السودان بنظرائهم في مصر الذي كانوا يقاتلون الحكومة آنذاك، وفي تلك المرحلة الفاصلة جاء دور"هذا الرجل" يتولى توجيه هذا الشباب المتوثب الطامح لمسيرة الدعوة من جديد، تشهد معارض الطلاب الذي يتتلمذون علي يديه في جامعة الخرطوم وما حوته من جمال الكلمة الدعوية، وفنية اللوحة فأي نفوس سوية شارك في صنعها "هذا الرجل"، لله دره؛ وقّى الله به الشباب والبلاد، ولو انصف العلمانيون الذين يتباكون من خطر التطرف لرفعوا الرجل للمكان اللائق، ولكن كيف يحسن الاختيار لغيره من لم يحسن الإختيار لنفسه وكفى بالعلمانية من سوء اختيار
الزوجة الثانية على سنة محمد صلى الله عليه وسلم
وهو البلاء الثاني للرجل، فمجتمعنا الذي نخرت العلمانية في عقول أبنائه أنفاقا وأخاديد من الوهم المسمى إفكا حضارة لم يعد يستسيغ زواج الرجل بأكثر من امرأة، كأننا تحولنا بين عشية وضحاه إلى كاثوليك، نرضى بالخنا ونأبى الزواج |
حكى لي صديقي المهندس صلاح النور في تلك الأيام التي هاج فيها الناس وماجوا؛ طرفة واقعية؛ أحد أبطالها أحد تلاميذ الشيخ وتشاركه خالته البطولة، تقول الطرفة : }قالت الخالة للشاب: عندي سؤال فقهي عاوزه(أرغب) في طرحه على شيخ.
الشاب: ممكن أسال ليك شيخ (....).
الخالة :بريء (كلمة سودانية محرفة من الكلمة الفصيحة بريء).
الشاب : ليه(لماذا)؟
الخالة : لانه لا يعمل بعلمه.
الشاب : كيف؟
الخالة : ألم يترك العمل بقوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)؟
الشاب: وهل ذكر الشيخ في التلفاز أنه يخاف ألا يعدل؟{
ولم يمضي على زوج الشيخ بالزوجة الثانية أعوام حتى إنطلق الصوت الفاجر يترنم بلحن إبليس ( يا أب شرة إن شاء الله راجل مرة) تستغيث بالشيخ الصوفي (يوسف أب شرة) أن ينجدها من العنوسة بزوج ولو كان صاحب زوجة من قبل، ومثله الصوت المنكر ( راجل المرة- المرأة- حلو حلاه)، لو أصاخت النسوة والآباء والأمهات السمع لقول الشيخ العملي، من أول مرة؛ ما سمعنا بزواج عرفي أوالحمل سفاحا ولا منكر القول وفاجره.
وهي قصة شبيهة بحادثة إلغاء التبني التي خاضها معلم البشرية صلى الله عليه وسلم وحيدا فريدا، متعاليا على غمز الجاهليين وهمسهم، ووجد النفوس التي تتحرج من مخالفة المألوف ولو كان باطلا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقد ألغى عُرف الجاهلية ووفىَّ بأمر الله أن يتزوج زينب بنت جحش بأمر السماء دون أن يكون للناس فيه نصيب: (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ما قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً) .
على ملة إبراهيم
وعلى ملة إبراهيم يصبر الرجل اليوم على فقد ولده وغيابه، وهو بكره الذي أدخله في زمرة الآباء، وللبكر فرحة تهوِّن على الأم آلام المخاض، وعلى الأب كذلك، وكما قيل (زوج الواحدة يحيض معها إذا حاضت ويحبل معها إذا حبلت ويضع معها إذا وضعت)، ولقد رأيته والمحنة في أيامها الأولى أثبت من جبال التوباد، وهذه المحنة التي في طياتها منح جليل عظيمة، فالرجل قد أطبقت شهرته الآفاق، والبلاد في مرحلة تحوّلٍ خطر يمكن أن تفكك فيه الأوضاع ويعاد تركيبها من جديد، والإرادة المنتصرة في صراع الإرادات هي التي تصوغ الواقع وفق رؤيتها بل وعقيدتها وهنا يبرز دور العالم الرباني في قيادة أمته والعبور بها عبورا آمنا نحو النور، وللقيادة ثمن عزيز يدفعه القادة من أنفسهم وأولادهم وأموالهم وما ذلك على الله بعزيز، ومثل هذه المحنة التي مرَّ بها "هذا الرجل" لهي الدروس التربوية التي تعد صاحبها لمقام أعظم ودرجة أعلى لو وعى الإمتحان وفهم الدرس، وأحسب أنه قد فعل.
وقد أعجبتني كلمة لحسن نصر الله زعيم حزب الله لحظة استشهاد ابنه قال فيها: (الآن أستطيع النظر في وجوه آباء الشهداء وأمهاتهم) وهو الشيعي المفارق لسنة محمد صلى الله عليه وسلم، بل لنا في محنة أبي الأنبياء مثالا؛ فقد أمرَّ السكين على رقبة إسماعيل على ما في نفسه من حب الوالد ورحمة الأب، وما أن صبر حتى كان الفداء والتشريف ببناء: (أول بيت وضع للناس) مباركا وهدى للعالمين، وكفى به من شرف، فالله لا يريد من إبراهيم عبر الإختبار والإمتحان سفح الدم؛ ولكن يريد منه إسلام القلوب واستسلامه، وإذا حدث الإستسلام لا يبقى من الإبتلاء إلا صورة الجسد المذوح والدم المسفوح، وهذه يُغني عنها أي كبش، وكان.
هذه مواقف عملية اكتفيت بها خشية الإطالة، وتركت مآثره في دفاع عن نبي الرحمة وذوده عن أصحاب رسول الله صلى الله وعليه وسلم أمام غارة الشيعي المحترق على عرض الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله، وغارات العلمانيين والحداثيين على حدود الله، وترفعه عن الخوض في أوحال اليساريين الذين يهاجمونه بإسفاف، حتى أن بعضهم لم يتورع أن يصف ابنه عمر بـ"الإرهابي الصغير"، بعد أن اخترعوا قصة لغيابه، ولو امتدت بنا الحياة لكتبت عن منهجه في الفتوى، والذي اتسم بالاعتدال ومراعاة الواقع، وتأسيسه على قواعد الفقه المالكي الذي اختاره أهل السودان مذهبا، وهو ما تفرد به الشيخ عن العلماء السودانيين المعاصرين الذين لهم ميل عن المذهب المالكي لإرتباطه مع التصوف والعقيدة الأشعرية، فجاء الشيخ ليفصل المذهب عن هذه الإرتباطات، ويضيف إليه حرية في النظر ترفع عنه إصر التقليد.. نفع الله بك الأمة شيخنا أبا عمر عبد الحي يوسف
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :مجتمع
login |