وتبرز المكتشفات الأثرية أن مجتمع ديلمون كان مجتمعا ثريا متكافلا يكثر فيه أرباب الصناعات و التجارات والحرفيات حيث ازدهرت صناعات الأواني الفخارية والأدوات البرونزية والمجوهرات والأسلحة والسلال وصناعة السفن وخيوط النسيج والأثاث المنزلي، وأدوات الزراعة وصناعة الأختام ومما تظهره القبور والمدافن القديمة يتمايزون إلى طبقات تظهر بتمايز القبور والمدافن وكانت هذه المدافن مقسمة بدقة بحيث تختلف مدافن النساء عن مدافن الرجال وكان للأطفال مدافن خاصة وكذلك للعبيد والغرباء
كذلك نقلت الأختام الديلمونية صورا حية عن مجالس للشراب وحفلات للسمر والاستماع للموسيقى كانت تقام في المدينة ويحضر بعضها الملك وكبار رجال الحاشية وفي هذه المجالس كانت المأكولات والمشروبات تقدم بانية فاخرة ومطعمة أحيانا بالجواهر.
ومع أن ملوك تلك الحقب اشتهروا بالجبروت والظلم والفتك بالرعية إلا أن مختلف المأثورات التاريخية عن ملوك ديلمون تؤكد أن هؤلاء الملوك تميزوا عن غيرهم من ملوك تلك الحقبة بصفات إنسانية نبيلة وكانوا مسالمين ومحبين للرعية ومهتمين بنشر السلام والعدل بين الناس، وبين الممالك الأخرى أيضا كما أسلفنا عند الحديث عن رسالة الملك الديلموني "إيلي إيپاشرا" إلى الملك الآشوري "ايليا نفر" كما تكشفت النصوص الأثرية عن أن ملوك ديلمون كانوا يحرصون على إرسال الهدايا –الوطنية- إلى بعض الملوك الذين تربطهم معهم علاقات جيدة والطريف أن هذه الهدايا كانت من المنتوجات الوطنية للمملكة مثل الأختام الفاخرة وأواني النحاس والتمر واللؤلؤ والمجوهرات المصنوعة في ديلمون، بل كان ملوك ديلمون يرسلون ببعض المهندسين والبناءين المهرة، إلى أصدقاءهم من الملوك في بلاد الرافدين وغيرها، لمساعدتهم في بناء قصورهم وشبكات المياه والقبور والمدافن. أما النظم السياسية حسبما تقول المكتشفات التاريخية، فتشير إلى أن معظم ملوك ديلمون، كانوا يحكمون بموجب سلطتين واحدة إلهية باعتبار الملك مبعوث السماء وواحدة زمنية تبعا لنفوذه وقوته ومنعته وقوة قبيلته وكان الحكم وراثيا فثمة الكثير من هؤلاء الملوك تشير الحفريات والنقوش إلى أسمائهم وأسماء آبائهم الملوك أيضا وكانت العوائل والأسر الحاكمة الملكية تتميز غالبا بثرائها وحياتها المترفة إذ تشير النقوش التاريخية إلى طبيعة الأثاث الذي كانت تستخدمه هذه الأسر والى قيمة الأدوات التي كانت يستخدمنها والمطعمة باللؤلؤ والأحجار الكريمة. ويصل بين الملك وبين الرعية أفراد من علية القوم يكونون مستشارين للملك، ورؤساء للعائلات والقبائل يشكل هؤلاء حاشية الملك غالبا هذا إضافة إلى (مجلس المسنين) الذي يضم رجالا عركتهم التجارة وتميزوا بالحكمة والنضوج والتقدم في السن ومهمة هؤلاء تقديم المشورة للملك والتوسط بينه وبين أفراد الرعية والقيام بالمهام التي يوكلها إليهم الملك كالسفارات إلى الملوك الآخرين في مشارق الأرض ومغاربها ثم يأتي الكهان وخدام الآلهة الذين يتمتعون أحيانا بسلطات دينية ربما تعادل سلطة الملك نفسه، ويضاف إلى هؤلاء العرافة الذين يعملون في القصور الملكية والمعابد ويمارسون أعمالهم الخاصة للملك والكهنة وأعمالهم العامة لبقية الناس وكانت الطبابة والمعالجة تدخل ضمن اختصاصات هؤلاء العرافين الذين أكدت النقوش أنهم كانوا يستخدمون أدوات طبية دقيقة ومتقدمة نوعا ما. ازدهرت حضارة ديلمون في الألف الثالث قبل الميلاد متزامنة مع ازدهار حضارة السومريين في بلاد ما بين النهرين وفي الوقت الذي تعترف فيه الأساطير السومرية بان أصل موطن بعض الآلهة السومرية هو ديلمون فان المؤرخ "هيرودتس" ذكر أن أصل الشعوب السومرية من ديلمون وان الجدود الأوائل لهم كانوا فيها ومنها تعلموا حرث الأرض وزراعتها وجنبي الحبوب والمحاصيل كما تعلموا فيها الكتابة وصناعة الفخار.
ومع تشكيل أول مدينة – مملكة في ديلمون فقد ارتبطت شيئا فشيئا بعلاقات وطيدة مع أحفاد الجماعات التي خرجت منها أي السومريين في بلاد الرافدين غير أن هذه العلاقات كانت تخضع في الغالب لمدى قوة الدولة في ديلمون ومدى أطماعها في بلاد الرافدين فالعلاقات بين ملوك ديلمون وملوك السومريين كانت في اغلب الأوقات مستقرة يقررها طابع حسن الجوار والتواصل الفكري والتجاري إضافة لعلاقات الصداقة بين الملوك ويبدو أن الحال بقي كذلك إلى عصر الملك سرجون الأول الاكدي حوالي عام 2200 قبل الميلاد إذ تشير النقوش والكتابات المسمارية وروايات التاريخ أن هذا الملك تميز بأطماع توسعية لا تكاد تتوقف في نفس الوقت الذي تميزت ديلمون بالنزوع إلى المحافظة على استقلالها كيانها المزدهر ولذلك فقد شن سرجون الأول الاكدي حملة عسكرية كبرى علي ديلمون وأخضعها لإمبراطوريته العظيمة وكان يأخذ من ملوكها الجزية.
غير أن مملكة ديلمون وان كانت خضعت لسرجون الأول الاكدي إلا أنها عملت في نفس الوقت على تحقيق ازدهارها التجاري والاقتصادي وتابعت تنمية علاقاتها التجارية مع الممالك الأخرى مثل مملكة "مجان" – أي عمان حاليا- ومملكة "ميلوخا" – أي الهند حاليا- وغيرها من الممالك القريبة.
ونتيجة لهذه العلاقات التجارية فقد أثرت حضارة ديلمون على مسار حضارات هذه الممالك والشعوب تأثيرا واضحا تمثل في تصديرها للكثير من المعارف والعلوم والحرف والفنون إلى هذه الممالك ونتج عن ذلك أن أصبحت مملكة ديلمون جنة سلام للتجار والتجارة، وموئلا لهم يقصدونها من مختلف بقاع الأرض للعيش فيها أو للاستفادة من خبراتها. ويؤكد المؤرخون أن مملكة ديلمون في هذه الفترة احتكرت تجارة معدن النحاس، والتمور والأخشاب إضافة إلى التمور واللؤلؤ. وترتب على ذلك المزيد من الازدهار للمملكة والمزيد من التنمية العمرانية السكانية إضافة إلى أنها ابتكرت العديد من النظم التجارية المتعلقة بأساليب استيراد وتصدير البضائع وتحصيل الرسوم والمكوس والضرائب ونظام الأوزان والمكاييل، ونظام الأختام والمخازن التجارية العامة وغير ذلك من المبتكرات التي أخذتها عن ديلمون الحضارات والشعوب الأخرى.
والحقيقة أن ديلمون المملكة الشهيرة تعرضت إبان تبعيتها للممالك المتواجدة في بلاد الرافدين لما تعرضت له هذه الممالك من غزوات بربرية أحيانا ومن ضعف واضمحلال أحيانا أخرى وربما انعكست ظروف الحياة والظروف السياسية في الإمبراطوريات السومرية الآشورية والأكادية علي ديلمون أحيانا غير أن هذه المملكة ظلت على الدوام قبلة أنظار الشعوب المجاورة وملاذ الفارين من ظلم وجور الحكام وموئل التجار والفانين والشعراء والبنائين الذين ساهموا بدورهم في ازدهارها وطليعيتها.
كما تعرضت ديلمون لبعض الغزوات البربرية ومثلها في ذلك مثل الممالك السومرية والآشورية والكدية في بلاد ما بين النهرين ويذكر التاريخ أن بلاد ما بين النهرين تعرضت في الفترة ما بين عامي 1600-1200 قبل الميلاد لغزوات برابرة هم "الكيشيون" الذين زحفوا إليها من آسيا الوسطى وتابعوا طريقهم حتى وصلوا إلى ديلمون فعاشوا فيها فسادا وخرابا وقتلوا إعداد كبيرة من سكانها إلى أن تمكن الآشوريون من طردهم من البلاد، بما في ذلك مملكة ديلمون، التي قاومت الغزوة بسكانها المحليين حتى استطاعت طردهم واستيعاب جزء منهم فضلوا العيش فيها والانتماء إليها.
وفيما بعد ارتبطت المملكة السعيدة ديلمون بعلاقات متمايزة مع الممالك والإمبراطوريات الآشورية والبابلية تمثلت غالبا بالصداقة وحسن الجوار وان طاولتها التبعية والخضوع في أحيان أخرى غير أن أسوا ما تعرضت له هذه المملكة جرى من خلال علاقتها مع الفرس. الفرس
هم شعب من أصل هندو - أوروبي، أتى من شمال القوقاز في الألف الأول قبل الميلاد وقد ظهر اسم هذا الشعب لأول مرة في عهد الملك الآشوري\البابلي شلمنصر الثالث (858-824 قبل الميلاد).
وأول موجة غازية من هذه الشعوب عرفت "بـالميديين" الذين انشئوا في القرن الثامن قبل الميلاد مملكة قوية عاصمتها "أكباتان" التي تعرف حاليا "بـهمذان" ومن هؤلاء تشكلت الموجة الثانية التي عرفت باسم الفرس واستقرت في أوائل القرن السابع قبل الميلاد جنوب شرق "سوسة" حيث تأسست مملكة صغيرة أسسها "اخمينيس" جد الاخمينيين، الذي قسم مملكته فيما بعد بين ولديه: "قورش" و "اريارامني" وفي الوقت نفسه ظهر الملك الميري "سياكزار" الذي قرر توحيد الممالك الفارسية عام 584 قبل الميلاد ونجح في ذلك بعد أن صاهر ملك الاخمينيين "قمبيز". غير أن ظهور الإمبراطورية الفارسية الكبرى تأخر حتى عام 559 قبل الميلاد حيث نجح قورش الثاني الكبير في ذلك منهيا عهد الميديين وموحدا جميع القبائل الفارسية تحت رايته ثم انطلق يفتح العالم باسطا نفوذه وسيطرته شواطئ بحر ايجة والبحر الأحمر غير أن مملكته ديلمون لم تخضع للإمبراطورية الفارسية حتى عهد الإمبراطوري داريوس الكبير الذي وسع الإمبراطورية الفارسية حتى تصل إلى بلاد الهندوس وقام بضم مملكة ديلمون إلى إمبراطوريته الضخمة لتشهد هذه المملكة التي ظلت آمنة مطمئنة أول عهود الاحتلال والهيمنة الأجنبية عليها هذه العهود التي تكرست فعليا إبان فترة حكم السلالة الساسانية لبلاد الفرس.
الساسانيون
تتابعت سلالات عرقية عديدة على حكم بلاد فارس، عبر التاريخ ضمن العيلامينين إلى الميريين إلى الاخمينيين الفرس إلى الباريين الذين أسسوا حضارتهم على ما ورثوه من الاخمينيين إلى الساسانيين الذين تقوضت في عهدهم الحضارة الفارسية على أيدي المسلمين.
ومنذ قيام قورش الاخميني الكبير بتوطيد ركائز إمبراطوريته الفارسية الضخمة ظلت مملكة ديلمون أو "تايكلوس" كما كانت تسمى إبان عهد الحضارة الآشورية والكلدانية ظلت هذه المملكة تخضع لنفوذ ملوك الفرس، وتتمتع بين فينة وأخرى بحكم شبه مستقل عن الإمبراطورية الفارسية تبعا لقوة أو ضعف السلالة الحاكمة في بلاد فارس.. غير أن مملكة ديلمون أصبحت جزاء من الدولة الساسانية التي لم تعد تعترف بديلمون باعتبارها مملكة..
ظهر الساسانيون عام 208 للميلاد كملوك للدولة الفارسية، وكان درهم ساسان كاهنا في معبد الربة "انا خيتا" في اصطخر ةةرثه ابنه "باباك" الذي ضم إلى مسؤولياته الدينية مسؤوليات دنيوية ورثها أيضا عن والد زوجته – أمير اصطخر- فاجتمعت له الرئاسة الدينية والدنيوية وباشر بتأسيس أول حكم لهذه الأسرة غير أن ابنه اردشير الذي اخضع الأمراء المحليين وقضى على الاخميينين يعتبر هو المؤسس الفعلي للإمبراطورية الساسانية التي امتد حكمها لأكثر من أربعة قرون أي حتى أوائل القرن السابع الميلادي حيث عمت الفوضى هذه الإمبراطورية الضخمة وقتل آخر ملوكها يزدجرد الثالث على يد العرب المسلمين، في معركة نهاوند عام 651 ميلادي لتصبح بلاد فارس خاضعة لحكم العرب المسلمين، بما في ذلك الممالك والإمارات التي كانت خاضعة لها مثل البحرين أو "ديلمون" كما تسميها بعض المراجع التاريخية في هذه الفترة.
وإبان نشوء وارتقاء الدولة الساسانية شهدت البحرين عهد الجرهائيين وهم من أصل كلداني وقد أطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى مدينة "جرهاء" التي أسسوها في البحرين و التي كان تسمى حسب اللغة الطرانية "كايلوس".
وتشاء المنافسة التجارية أن تنهي فترة سيطرة الجرهائيين على البحرين أو "كايلوس" على أيدي القبائل العربية التي اتحدت فيما بينها فشكلت حلفا وأطلق عليه اسم تنوخ هاجم الجرهائيين بزعامة مالك بن فهم القضاعي، الذي استقر حكمه في البحرين فيما أصبحت تعرف باسم "اوال" نسبة إلى اسم الصنم الذي كان تتعبده قبائل تنوخ تماما كما سميت المحرق بهذا الاسم نسبة إلى صنم المحرق الذي كانت تعبده قبيلة بكر بن وائل وهي القبيلة التي ينتمي إليها آخر الحكام على البحرين –أوال- من قبل الملك الساساني وهو المنذر بن ساةى التميمي.
ومما يجدر ذكره هنا أن قبائل تنوخ التي أسست حكمها في البحرين –اوال- تطلعت بحكم قوتها ونفوذها لمد سلطاتها إلى بلاد ما بين النهرين فتتابعت غاراتهم على هذه البلاد وأسسوا هناك دولة المناذرة التي دخلت في حلف مع الساسانية ثم ما لبثت أن خضعت لنفوذ الملوك الساسانيين مثلها مثل البحرين أو "اوال".
المراجع
موسوعة المعرفة
التصانيف
سومر تاريخ البحرين حضارات العلوم الاجتماعية
login |