عبد الحليم سعفان

لقد وُلِدَ عبد الحليم وهبه حسن سعفان، بشبين الكوم، بمحافظة المنوفية، بمصر سنة 1914م – 1332هـ. وكان اباه هو الشيخ وهبه، يشتغل مؤذنا بمسجد سيدي لاشين، بشبين الكوم، وامه فطومة وهيب.

فقد بصره، وهو في عمر الخامسة  ، ولم يقف ذلك في طريقه عن إدراك مطلوبه فحفظ القرآن الكريم صغيرا بكُتاب الشيخ عبد العزيز أبو حوي، وراجعه علي والده.

التحاقه بالأزهر الشريف

ثم قام بالالتحاق بالأزهر الشريف ونال علي الشهادة الابتدائية الأزهرية في سنة 1352 هـ - 1933 م من المعهد الديني الأزهري بطنطا في زمن شيخ الأزهر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري وكان ترتيبه الرابع ثم نال على الشهادة الثانوية القسم الثاني في سنة 1357 هـ - 1938 م من المعهد الديني الأزهري بشبين الكوم في زمن شيخ الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي وكان ترتيبه الخامس

مع حسن البنا

واتم دراسته بالأزهر الشريف بالقاهرة وبها تعرف علي حسن البنا (1906-1949 مؤسس جماعة الإخوان ولم يحس الشيخ عبد الحليم بأن للدعوة بتكاليفها العظام مغرما ولم يحس بالمشقة بل كان يجد من لذة الطاعة ومحبة الله عز وجل زيتا يضيء نور مصباح قلبه في ظلمات الدنيا والمحن والابتلاء اتلذا كان الشيخ يحب حسن البنا وكان مواظبا علي الذهاب إلي المركز العام ليسمع حديث الثلاثاء من البنا وكان يقول رحمة الله عليه كنت أقف مشدوها لخطاب الإيمان وكأني في الجنة وكأنني لست من أهل الدنيا فلا أحس بأي مشقة حتي إن مرافقه في هذه الرحلة الأسبوعية لحضور الدرس الشيخ سعيد عبد اللطيف الرفاعي- - (1919_1994) كان يقول كنا نذهب للدرس ولم نتناول من الطعام شيئا وبعد انتهاء اللقاء الذي يستمر ساعات أذكر الشيخ بالطعام لنتناوله فيقول : ألم تشبع ؟وأي طعام أهنأوأمرأ من طعام الجنة...والله لقد شبعت.

ولقد كان   حسن البنا يستقبل الشيخ في مرات عديدة ولا يبدأ الدرس حتي يجلسه في مجلسه ويربت علي كتفه ويقدِره، وبعد المحاضرة يأتي له ليصافحه مرة ثانية لأنه كان يحبه ويحترمه.وقد أٌشرِب قلب الشيخ عليه رحمة الله حب الدعوة والجهاد في سبيل الله فلا تجد مرحلة من مراحل حياته إلا جهاد خالص وحب صاف لله عز وجل ولرسوله صلي الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين ومن سبقهم بإحسان.وقد حصل علي شهادة العالية لكلية أصول الدين عام 1361هـ - 1942مثم علي شهادة العالمية في أصول الدين مع الإجازة في التدريس من الأزهر الشريف في عام 1363هـ -1944م في عهد شيخ الأزهر محمد مصطفي المراغي

ثم نال علي شهادة العالمية في أصول الدين مع الإجازة في الدعوة والإرشاد من الأزهر الشريف في 27 رمضان من علم 1366هـ -1947م ـوكان الثاني علي دفعته وأقرانه فاحتفي به ملك مصر الملك فاروق الأولوحكي ابنه المهندس محمد عبد الحليم بأنه ذكر له بأن الملك أقام حفلا لتكريم الأوائل فقدِم الشيخ هو وأبوه فسارع الجميع بخدمته وإكرام ضيافته فهذا يؤكله وهذا ينتقي له أطايب الطعام وهذا يسقيه لأن الله عز وجل أدخل حبه في قلب من لقيه من المؤمنين.

وتم تعينه أول ما عين واعظاً بمساجد الصعيد ثم مدرسا بمعهد قنا الأزهري لمدة عامين وبعدها انتقل للعمل بمعهد منوف الأزهري ثم عمل واستقر بالمعهد الأزهري بشبين الكوم لتدريس الحديث الشريف والفقه الشافعي وبالإضافة لذلك كان يدعو إلي الله عز وجل ويعين الدعاة إلي الله والمجاهدين بفلسطين.

جهاده وابتلاؤه وصبره

وفي محنة سنة 1954 عندما أُعتقل الإخوان المسلمون بمصر ظل هو خارج المعتقل فلم يرهبه الخوف ولم يقعده عن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال واللسان ؛وكان الطغاة حينها قد منعوا أي أحد من أن ينفق أو يساعد أسر المعتقلين الذين لا يجدون ما يسد رمقهم ولا ما يتأودون به فقام الشيخ عبد الحليم بتنظيم جمع التبرعات-وما هي بتبرعات ولكنها حق الله عز وجل فيما استخلف الناس فيه من مال- فقام بجمع الأموال والمساعدات لأسر المعتقلين وكان يقسم راتبه نصفين-اقتداء بسنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -وكان يحصل علي ستة جنيهات شهريا فنصف لأسر الإخوان الذين أُسِرَ عائلهم والآخر له ولأسرته بالإضافة إلي أمه وعمته اللتان كانتا تقيمان عنده حتي وفاتهما وكان أيضا يصل زوجة أبيه بالزيارة والمال حتى وفاتها-

فقد كان يصل الرحم التي أمر الله أن توصل بل ويكرم الصلة علي ضيق ذات يده وأكرمه بمزيد كرمه-وظل على هذا حتى قبض عليه الطغاة بعد صلاة العصر وإلقاءه موعظة بمسجد مديرية الزراعة بشبين الكوم في يوم الثلاثاء من صيف عام 1965 وعند عودته إلى منزله برفقة ابنه محمد قابلته إحدي الجارات وتدعي الحاجة ناهد أبوشنب حفظها الله وحذرته من العودة للمنزل لانتظار الظلمة له هناك لاعتفاله-وهذا شأن المؤمنات الكريمات في الدفاع عن المؤمنين رغما عن ضعفهن ولكن ثقة في قوة الله تعالي- حينها وجهه الشيخ للذهاب إلي مسجد عبد المتعال فدخله وصلى ركعات لله عز وجل فلا تسل عن حسنها ولم يكن يعلم ابنه محمد حينها-كان في السابعة من عمره- هل صلى صلاة الخوف أم الحاجة ولكنه كان اتباع الشيخ عبد الحليم للنبي المصطفي صلي الله عليه وآله وسلم

-كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلي- رواه أحمد وأبو داوود عن حذيفة

وبعدما اتم الشيخ صلاته أمر ابنه بأن يوصله إلي بيته لملاقاة قدر الله رضيً وتسليماً حينها قبض عليه الظالمون بتهمة مساعدة أسر المعتقلين ورعايتهم وإعادة نشاط الدعوة إلي الله عز وجل، حيث ذكر أحد مقربيه وقتها الحاج عبد الحميد الطنبداوي بأنه من منتصف الخمسينات وحتى القبض عليه كان الشيخ مسئولا عن الإخوان بمحافظة المنوفية، فقام الجلاَدون بتعذيبه -وهو الضرير الضعيف العالم- وعلَقوه ثلاثة أيام في السجن الحربي وهو يقول تحت السياط (لا يستطيع أحد أن يمنعني من الإنفاق في سبيل الله)

فيشتد عليه التعذيب فلا يغير قوله وقدِم للمحكمة فقال للقاضي: كيف لا أنفق في سبيل الله وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلي جنبه) رواه أبو يعلي في مسنده وإسناده حسن والبيهقي في سننه وصححه الألباني

فحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة سنتين -فأي ظلم أكثر من ذلك- فرُحِل من السجن الحربي إلي سجن أبو زعبل حتي إنالشيخ عبد الحميد كشكوالحاج محمد أبو السعودذكرا بأنهما ومَن في السجن رأوا الشيخ عند ترحيله محمولا كمثل الطفل الصغير بين يدي أحد إخوانه لا يستطيع الحركة ولا القيام من هول التعذيب ومن حرمانه من الطعام الأيام الطويلة فكأنه كومة من العظام يكسوها الجلد فحسب، ثم رحل إلي سجن القناطر ومنعت الزيارات عنه إمعانا في إيذائه وأسرته..

وعندما سُمِح بالزيارات زارته زوجه الصابرة مع أبنائها الصغار فنصحها الشيخ بالصبر وقال لها بأنه يعطيها الحق في الطلاق حتي لا تضار من غيبته عن بيته فعليها أن تستشير إخوانها في ذلك أما أولاده فلهم رب يكلؤهم ويرعاهم حينها ردت عليه زوجه الكريمة الأصيلة المؤمنة أفيك أيها الداعية المؤمن أشاور أهلي ؟ لا والله أنا علي العهد باقية ولدعوته راعية وللأولاد مربية... وهذا شأن المؤمنين والمؤمنات لا يأتون إلي بأطيب الأعمال -والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم- سورة النور - الآية 26

وتم تنفيذ الحكم الظالم عليه ولكنه لم يفرج عنه بعد انتهاء محكوميته لأنه لم يوقِع خطاب اعتذار للطاغية يتعهد فيه بعدم الدعوة إلي الله مرة ثانية فأبي وكان من نوادر ما حدث له أن أخا معتقلا عرض عليه كتابة هذا الخطاب وأن يوقع الشيخ عليه ويقدمه هذا الأخ للطغاة ولكن الشيخ أبي ونهره اقتداء بعزة الأنبياء والدعاة واتباعا لأمر قادة الدعوة وهو منهم فأخذ هذا الرجل الخطاب ووقعه بخطه هو وأمهره ببصمة إصبعه هو -أي الرجل - وعند ذهابه لتقديمه -دون علم الشيخ- تعثرت قدمه فسقط علي رأسه ودخل في غيبوبة لمدة ثلاثة أيام حالت بينه وبين تقديم الخطاب عندها رجع الرجل للشيخ وأخبره فضحك الشيخ وقال له حتي لا تهادن وتعتذر لطاغية، وحُوِل إلي معتقل طرة ولم يفرج عنه حتي خرج عام 1971 بعد مضي ست سنوات في السجن الظالم (وكان يقول- –إنني كنت أخرج نصف راتبي –ثلاثة جنيهات-في سبيل الله فحصلت علي السجن ولو استقبلت من أمري ما استدبرت وكنت أخرجت راتبي كاملا –الستة الجنيهات-لم أكن لأجلس في السجن هذه الستة الأعوام-عليه رحمة الله تعالي وتقبل الله نفقته وجهاده.

خروجه من المعتقل وجهاده الدعوي

وعقب خروجه من المعتقل صار معروفا في كافة أرجاء مصر عن طريق من عاشرهم فترة الاعتقال وعلموا إخلاصه وعلمه وزهده وورعه واتباعه الدليل في الأحكام فأصبح قبلة الإفتاء في مصر وكان يقتدي بإبراهيم عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام - إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلي صراط مستقيم- سورة النحل- الآيتين 120-121فكان الشيخ عبد الحليم سعفان أمة في العلم إذا سألت عن الفقه تجده حاضرا بأدلته في شتي المذاهب وعند المواريث واللغة والتجويد ومشاكل الأسرة وكذا القضايا المعاصرة كان له القدح المُعلَي بها وقصب السبق في الإفتاء بعلم وكان لا يهادن في الحق-كشأنه في حياته كلها-فإذا جادله أحدهم بالباطل أو الزيغ والأهواء ردَه الشيخ إلي جادة السبيل وإلا فالطرد من نصيب صاحب البدعة المفتتن. وكان قلبه وبيته ومجلسه بمسجد الأنصاري بشبين الكوم مفتوحا لكافة الناس فمرة تجد في مجلسه صوفيا يسأل وأخرى سلفيا وثالثة من الإخوان المسلمون ورابعة من التبليغ والدعوة وخامسة من ليس له اتجاه معين من عامة الناس، ومرة تجد طبيبا وأستاذا جامعيا يسأل وثانية عاملا باليومية فيعطي كل واحد منهم وجهه وقلبه وكرمه وحظه من العلم والنصح والفتوي إذا كانت حاضرة وإلا وجَهه إلي غيره من العلماء مثل الشيخ/عبد المتعال سيف النصر –العالم الأزهري الفقيه المعمر والذي كان ينادي لشيخنا في كبره يا ولد يا عبد الحليم لقربه من قلبه وكذا يوجه للشيخ/سليمان الشيمي الفقيه الأزهري المالكي ويستهدي بآرائه وفتاويه في المذهب على الرغم من أن الشيخ سليمان كان ينادي شيخنا ب (يا أستاذي ويا شيخي)..وتلك من أخلاق العلماء وإن لم يعلم الإجابة علي السؤال فما أيسر أن يقول لا أدري...رحمة الله تعالي علليه

وكان يحج بيته الكثير من الشباب ويفتح لهم قلبه في حنو وتواضع بالغ على الرغم من جهل غالب الشباب وطيشهم واعتدادهم بأنفسهم-وبجهلهم علي الحقيقة-لكنه كان يوجههم في حنو بالغ فيقسم من جلس معه-رحمة الله عليه-بأنه كان يدخل علي الشيخ مثقلا بالذنوب والهموم والأهواء تكاد تعصف بقلبه وفؤاده فإذا جلس مع الشيخ واستمع له خرج من قلبه كل شك وهم وهوي –بل وامتلأ قلبه إيمانا وعلما ويقينا وتوكلا علي الله –فيخرج من بيت الشيخ وكأنه طائر مغرد مسبح يكاد يلامس السماء بجناحيه ويكاد قلبه يسبقه إلي عالم الخلد والملكوت..وهذا علامة –فيما نحسب والله حسيبه ولا نزكي علي الله أحدا-علامة الإخلاص والقبول. وكان بعض طلبة الجامعة يقولون(لو كان كل الإخوان مثل الشيخ عبد الحليم سعفان لدخلنا كلنا في الإخوان المسلمون)وقد ذكر الدكتور عصام العريان بأنه كان يطلب العلم عند الشيخ فينال مع العلم الصبر والحال الطيب والثبات علي الحق 

وفاته

في الأيام التي سبقت موته كان ملازما للفراش وتجمعت عليه الأمراض بين الرئة والكبد وغيرها وكأنها-فيما نحسب والله حسيبه ولا نزكي علي الله أحدا-تخليصا للشيخ من بشرية أعضاءه وطبيعتها الترابية الأرضية وإبقاء لروحه العلوية السماوية استعدادا للعروج إلي رب الأرض والسماوات سبحانه، وتلقي كل ذلك بصبر ورضا لقضاء الله عز وجل وطالما قال (نِعِمَا اختيار الله).

وكان في مرض موته لا يأكل إلا نادرا وفي آخر ليلة استيقظ وطلب من أهله طعاما فتناوله ثم نام فاستيقظ وأيقظ أهله لصلاة الفجر جماعة ثم قرأ القرآن وصلي الضحي وبعدها أحس بقرب لقاء ربه فدعا ابنه المجاهد الدكتور أحمد-عليه رحمة الله تعالي-وأخذ يستعرض ويقرأ معه آيات الجنة كلها آيةً آية حتي إذا انتهي فاضت روحه الشريفة رضوان الله عليه وهذا ما رواه ابنه الدكتور أحمد سعفان، وقد ذكر أحد اصدقاءه، عندما كان جثمان الشيخ مسجي في مسجد الأنصاري انتظارا لصلاة الجنازة عليه بأنه لم يعلم بوفاة الشيخ إلا برؤيا رآها ليلة وفاة الشيخ بأنه يرتدي زي علماء الأزهر جالسا في قبره للسؤال، فجاء من القاهرة للاطمئنان عليه، فوجده قد مات عليه رحمة الله تعالي.وروي مرافقه الأخ عبد الرزاق سنان، بأنه عندما دخل عليه وقت غسله، وجد وجهه مدورا مثل البدر وكأنه نور من القمر ليلة اكتماله، وكأنه نائم نومة هانئة فقبله علي جبينه الشريف.وكانت جنازته، شاهدا علي حياته، وجهاده، وعلمه، وحاله فكان كل الناس يعزي بعضهم بعضا، وكان الواحد منهم يعزي نفسه، بأنه فقد أعز من نفسه بل وأحرص الناس علي الخير للناس.وصلَي عليه "الشيخ أحمد باشا"، بمسجد الأنصاري، بشبين الكوم، وكانت وفاته سنة 1417هـ - 1996م.


المراجع

areq.net

التصانيف

علماء دين سنة مصريون  إخوان مسلمون مصريون  ظاهريون  مذهبيون  علماء مصريون  فقهاء سنة  كتاب ومؤلفون مصريون  علماء دين سنة مصريون  إخوان مسلمون مصريون  ظاهريون  مذهبيون  علماء مصريون  فقهاء سنة  كتاب ومؤلفون مصريون   العلوم الاجتماعية